المضائق المائية... مخالب السياسة في عنق الجغرافيا
لطالما كان الأمن البحري جزءاً لا يتجزأ من بقاء الإنسان وازدهاره الاقتصادي، لا سيما منذ أن أدرك أن 79 في المئة من مساحة الكرة الأرضية مياه، وأن 21 في المئة فقط يابسة.
ومثلت المياه في البداية عائقاً، لكنها تحولت مع الوقت إلى وسيلة للتواصل عبر مسارات الجغرافيا والتاريخ. وقبل ذلك وجد فيها الإنسان وسيلة للرزق عبر الصيد. ومثلت البحار والمحيطات ممرات حيوية للتجارة والنقل على مر القرون. ومنذ عصر الاستكشافات حتى أوان العولمة والاقتصاد العالمي الحديث، ظلت البيئة البحرية مورداً بالغ الأهمية.
وعلى رغم تقدم السفر والتجارة عبر الطيران، لا تزال حركة النقل عبر المياه الدولية تمثل الركيزة الأساسية في عالم الطاقة. وكلما اتسع حضور الإنسان في الفضاء، بدت الحاجة قائمة للعودة إلى البحار، بوصفها مجالاً حاسماً في السلم والحرب.
وألقت الحرب الأميركية- الإيرانية الأخيرة مزيداً من الضوء على أهمية المضائق والممرات البحرية والدور الذي لعبته عبر التاريخ في تيسير حياة البشر أو تعقيدها.
وفي أعوام قريبة، أبرزت جائحة "كوفيد-19" مواطن الضعف في سلاسل التوريد العالمية، لا سيما المعتمدة على النقل البحري. وكشفت تأخيرات الشحن وازدحام الموانئ ونقص العمالة هشاشة النظام.
يطرح ذلك سؤالاً مفاده: لماذا يكتسب الحديث عن المضائق والممرات المائية العالمية أهمية، وبخاصة اليوم؟
لقد باتت التهديدات القديمة والجديدة للأمن البحري تشكل تحدياً كبيراً لحماية المحيطات التي تعد أساسية للتجارة العالمية والأمن الغذائي والاستقرار الجيوسياسي. وأظهرت الحرب الأخيرة الحاجة إلى قراءة دولية جديدة لأهمية المضائق والممرات من أكثر من منظور.
هل هي قصة اليوم وصراعاته، أم امتداد لحكايات أقدم؟
خلال الحروب البيلوبونيسية، اعتقد الأسبرطيون أن خسارة بعض المعارك البحرية لا تعدو كونها هزائم طفيفة، نظراً إلى قوتهم البرية. بينما كانت هزيمة أثينا في البحر كفيلة بدفع الأثينيين إلى معارك برية يائسة من أجل البقاء لينتهوا إلى مأزق حقيقي وتتراجع مواردهم، فيما بقي مركز ثقل أسبرطة في البيلوبونيز بمنأى من الحرب الأثينية.
ومن تجربة الأسبرطيين والأثينيين، اتضح للجميع ما للممرات والمضائق من أهمية جيوسياسية واقتصادية، تجارية وعسكرية، في نهضة الأمم أو انكسارها.
المضيق والميناء والقناة مفاهيمياً
قبل الدخول في تحليل الفاعلية الجيوسياسية، من الضروري التوقف عند المفاهيم التي تشرح الفارق بين المصطلحات المرتبطة بالممرات المائية.
المضائق ممرات بحرية ضيقة وطويلة تقع بين كتلتين أرضيتين، وتربط طبيعياً بين بحرين أو مسطحين مائيين. وتتميز بعمق وعرض يسمحان بالرحلات البحرية، مما يجعلها طريقاً رئيساً للنقل البحري الدولي.
وتعد المضائق طرقاً بحرية طبيعية تؤدي دوراً حاسماً في الخدمات اللوجيستية العالمية، مثل مضيق ملقا ومضيق هرمز. لكنها، بخلاف الموانئ، لا تستخدم لتحميل البضائع أو تفريغها، بل تقتصر وظيفتها على عبور السفن.
أما الموانئ فهي مساحة ساحلية من صنع الإنسان، مصممة لتمكين السفن من الرسو بأمان لتحميل الركاب والبضائع وتفريغها. ولا تقتصر أهميتها على كونها أماكن لرسو السفن، بل تعد بنية تحتية أساسية للتجارة الدولية، إذ تتركز فيها وظائف لوجيستية مثل النقل والتحميل والتفريغ والتخزين والتخليص الجمركي.
وتطور الموانئ بطرق مختلفة تبعاً للظروف الجيولوجية الطبيعية للمنطقة وإرادة التنمية الاستراتيجية. وتختلف وظائف كل ميناء وقيمته الاقتصادية وفقاً للنموذج المتبع.
أما القنوات فهي ممرات مائية اصطناعية مصممة لربط مسطحين مائيين، بحريين أو داخليين. وتستخدم لأغراض تشمل الملاحة ونقل البضائع والري والصرف وتوليد الطاقة الكهرومائية.
وفي قطاع الخدمات اللوجيستية، تشير القنوات إلى ممرات مائية اصطناعية واسعة مصممة لمرور السفن، وتؤدي دوراً حاسماً في تقصير المسارات وزيادة كفاءة النقل.
لماذا نحتاج إلى التمييز بين المضيق والميناء والقناة؟
باختصار، لأن الأدوار مختلفة. فالمضائق ممرات استراتيجية طبيعية لخطوط الشحن، والموانئ مراكز تشغيلية تنفذ فيها الخدمات اللوجيستية، فيما القنوات بنى تحتية استراتيجية لتقصير المسارات وتعزيز الكفاءة.
مضائق وقنوات ومهام عالمية
يمكن رصد عدد من أهم الممرات المائية التي لعبت أدواراً تاريخية في السلم والحرب، في العصور القديمة والحديثة، من أبرزها:
مضيق ملقا: يقع بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية. وهو من أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، ويربط بين المحيطين الهادئ والهندي، ويعد مهماً للشحن البحري العالمي.
مضيق هرمز: يقع بين بحر العرب والخليج العربي، ويربط المناطق المنتجة للنفط في الشرق الأوسط ببقية العالم. ويعد نقطة اختناق رئيسة لنقل النفط العالمي، ويمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية.
القناة الإنجليزية: تقع بين المملكة المتحدة وفرنسا، وتربط بين المحيط الأطلسي وبحر الشمال. وهي ممر ملاحي مهم في أوروبا، ويستخدم للتجارة ونقل الركاب.
قناة السويس: أحد أهم شرايين الممرات المائية العالمية. تقع في الأراضي المصرية، وتربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، مما يغني عن الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح.
قناة بنما: تربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي، وتستوعب نحو 2.5 في المئة من التجارة البحرية العالمية. وهي نسبة محدودة، لكنها تتركز في شحنات عالية القيمة مثل البضائع المعبأة في حاويات والسيارات والحبوب. وتنقل القناة نحو 40 في المئة من إجمالي شحنات الحاويات الأميركية.
مضيق جبل طارق: يقع بين إسبانيا والمغرب، ويربط المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط. يبلغ طوله 60 كيلومتراً وعرضه 14 كيلومتراً، وتزيد أعمق نقطة فيه على 900 متر. وهو حلقة وصل حيوية بين أوروبا وأفريقيا، ومهم لطرق الشحن بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
مضيق باب المندب: يقع بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويربط المحيط الهندي بقناة السويس. ويؤدي دوراً رئيساً في الملاحة العالمية، ويعد مهماً لنقل البضائع بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
وتشير تقديرات إلى وجود ما يصل إلى 24 ممراً مائياً حيوياً حول العالم، منها مضيق تايوان ومضيق دوفر ومضيق بيرينغ. ويتعرض كل ممر لمزيج من التوترات الجيوسياسية وتغير المناخ والقرصنة والحوادث والكوارث الطبيعية.
وأظهرت الحرب الأميركية- الإيرانية والصراع حول مضيق هرمز هشاشة التجارة العالمية أمام الاضطرابات، نتيجة اعتمادها على عدد محدود من الممرات الضيقة.
الممرات المائية والجيوسياسة العالمية
تشكل الممرات المائية، من مضائق وقنوات وموانئ، قيمة رئيسة في المعادلة الجيوسياسية العالمية، خصوصاً من زاوية البنية الاقتصادية في النظام الدولي. فعبرها تمر التجارة العالمية من طاقة وسلع غذائية. وفي عالم يعتمد على سلاسل الإمداد، تصبح هذه الممرات نقاطاً حاكمة في حركة الاقتصاد، وأحياناً نقاط توتر بين القوى الكبرى.
وترتبط حياة مليارات البشر بما يمر من تلك الممرات. فالسفن التي تنقل النفط والغاز والحبوب والسلع الصناعية تعتمد عليها لتقليل المسافات والكلف.
وفي هذا السياق، يصبح عامل الوقت حاسماً. إذ تعتمد الشركات وسلاسل الإنتاج على وصول المواد الخام والسلع في الوقت المناسب. وأي اضطراب في المضائق قد يؤدي إلى ارتفاع كلف النقل والتأمين وتعطل سلاسل التوريد.
وتسمى هذه الممرات في أدبيات علوم البحار "نقاط الاختناق" لأنها ضيقة وسهلة التعطيل بفعل الأزمات أو الحروب. لذلك تتنافس القوى الكبرى على ضمان حرية الملاحة فيها، وتوجد قوات عسكرية قرب بعض المضائق مثل هرمز وملقا.
وللممرات المائية تأثير مباشر في الأمن القومي الإقليمي والعالمي. فالدول التي تسيطر جغرافياً على المضائق تمتلك نفوذاً استراتيجياً. وتتحكم تركيا في المرور بين البحر الأسود والبحر المتوسط عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، فيما تسيطر مصر على قناة السويس بما يؤثر في حركة الملاحة بين البحرين الأحمر والمتوسط.
وفي مثال حديث، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إعادة ملكية قناة بنما للولايات المتحدة، ورفض ما اعتبره تمدداً صينياً عبر القناة.
وتتعزز أهمية هذه الممرات بسبب التحديات التي قد تعطل الملاحة، ومنها النزاعات العسكرية والقرصنة والأزمات السياسية بين الدول المطلة على المضائق والقنوات، فضلاً عن الحوادث والكوارث الطبيعية.
ويتذكر العالم حادثة جنوح سفينة في قناة السويس عام 2021، حين تسبب تعطيل الملاحة في هذا الشريان باضطراب اقتصادي استمر أياماً. وكانت سفينة الحاويات العملاقة "إيفر غيفن" سبباً في توقف الحركة.
الجغرافيا السياسية... مضيق هرمز مثالاً
تناول عدد من الباحثين قضية الممرات البحرية في تقاطعها مع الجغرافيا. ومن بينهم البروفيسور بيتر فوجاكوفيتش، أستاذ الجغرافيا في جامعة "كانتربري كريست" في إنجلترا، الذي اتخذ مما يجري في مضيق هرمز مثالاً على أثر الجغرافيا في الممرات المائية.
يرى فوجاكوفيتش أن الأزمة في مضيق هرمز تذكير بأهمية الممرات البحرية الدولية للاقتصاد العالمي والسلم الدولي. ويعد المضيق، بحكم موقعه، من أبرز نقاط الاختناق الجيوسياسية، إذ يمر عبره يومياً نحو ثلث إمدادات النفط العالمية المنقولة عبر الناقلات.
وفي عالم يعتمد على التحويلات الإلكترونية والمعلومات وأنظمة النقل السريع، يسهل نسيان أن النقل البحري لا يزال الوسيلة الأكثر كفاءة لنقل البضائع بالجملة. ووفقاً للمنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، ينقل بحراً أكثر من 90 في المئة من التجارة العالمية.
ويعد مضيق هرمز واحداً من عدة نقاط اختناق مهددة، وإغلاقه قد يخلف آثاراً كبيرة. ولهذا تسعى الدول باستمرار إلى إيجاد بدائل لحماية ممراتها. ويهدف بناء الصين أسطولاً قادراً على العمل في أعالي البحار، وتطوير مبادرة "الحزام والطريق" التي تشمل طرقاً برية إلى أوروبا وسلسلة موانئ عبر المحيط الهندي، إلى تأمين اقتصادها عبر ضمان سلامة طرق النقل الدولية.
وقد شكلت نقاط الاختناق مدخلاً لأزمات وحروب. حدث ذلك عام 1956 حين أمم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر قناة السويس، مما أدى إلى العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر.
وتاريخياً، كانت السيطرة على المضائق هدفاً للقوى البحرية الكبرى. فالإمبراطوريات التي أحكمت السيطرة على طرق الملاحة استطاعت التأثير في التجارة العالمية. ولا تزال هذه الحقيقة قائمة، وإن اتخذت أشكالاً أكثر تعقيداً.
وارتبط نفوذ بريطانيا بقدرتها على السيطرة على البحار، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان حرية الملاحة عبر حضورها البحري في مناطق مختلفة. وفي المقابل تعمل قوى صاعدة مثل الصين على تأمين طرق التجارة والطاقة التي تعتمد عليها.
ويطرح ذلك أسئلة أساسية: كيف تنظم حركة الملاحة في هذه الممرات؟ وما القوانين التي تحكم العبور؟ ومن يملك حق المنع أو السماح؟ وهل يخضع المرور لأهواء الدول المشاطئة أم لقواعد منظمة تضمن حقوق الدول واستمرار تدفق سلاسل الإمداد، خصوصاً في أوقات الاضطراب؟
القانون الدولي وحركة الممرات المائية
قبل القرن الـ20، لم تكن هناك قواعد دولية واضحة تنظم الملاحة في المضائق. وكانت الدول الساحلية تسعى أحياناً إلى فرض سيادتها الكاملة على هذه الممرات، مما أدى إلى نزاعات متكررة.
ومع تطور التجارة العالمية، برزت الحاجة إلى نظام قانوني واضح. وتحقق ذلك بإقرار اتفاقية البحار عام 1982، التي أرست مجموعة مبادئ لتنظيم الملاحة في المضائق الدولية.
ومن أبرز هذه المبادئ "نظام المرور العابر"، الذي يسمح للسفن والطائرات بالمرور المستمر والسريع عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية من دون عرقلة.
ويعد هذا المبدأ من أهم ابتكارات القانون الدولي الحديث، لأنه يوازن بين حق المجتمع الدولي في حرية الملاحة وحق الدول الساحلية في حماية أمنها.
وبحسب القانون الدولي، هناك نوعان من المرور:
أولاً: المرور العابر. ويطبق في المضائق التي تربط بين منطقتين بحريتين دوليتين، ويمنح السفن والطائرات حرية المرور من دون توقف أو تعطيل. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، إذ يتوجب احترام قواعد السلامة البحرية، والامتناع عن التهديد العسكري للدول الساحلية، وتجنب التلوث أو الأنشطة غير القانونية.
ثانياً: المرور البريء. ويطبق داخل المياه الإقليمية للدول، ويعني السماح للسفن بالمرور طالما أن ذلك لا يهدد أمن الدولة الساحلية أو نظامها العام. وفي هذه الحال تمتلك الدولة سلطة أوسع لتنظيم حركة الملاحة.
وعلى رغم القواعد العامة، تخضع بعض المضائق لاتفاقات تاريخية خاصة تعكس ظروفاً جيوسياسية محددة. فعلى سبيل المثال، تنظم اتفاقية "مونترو" لعام 1936 المضائق التركية، وتحدد قواعد المرور عبر البوسفور والدردنيل، وتمنح تركيا صلاحيات تتعلق بمرور السفن الحربية، بخاصة في أوقات الحرب.
وإلى جانب ذلك، تؤدي المنظمة البحرية الدولية دوراً مهماً في وضع القواعد التقنية للملاحة، ومنها تحديد ممرات الملاحة وتنظيم حركة السفن في المضائق الضيقة ووضع أنظمة فصل المسارات وقواعد منع التصادم.
ويبقى السؤال: هل تلتزم جميع الأطراف بهذه القواعد، أم إنها تخضع أحياناً لحسابات الدول، لا سيما في أوقات الأزمات؟
على رغم الإطار القانوني الدولي، لا تزال المضائق تمثل نقاط احتكاك في السياسة الدولية. ففي أوقات التوتر قد تتحول إلى أدوات ضغط جيوسياسي، وهو ما سعت جماعة الحوثي في اليمن إلى استثماره.
وفي كل الأحوال تبقى المضائق مثالاً على العلاقة العميقة بين الجغرافيا والسياسة. قد تتغير الدول والأنظمة، لكن الجغرافيا تظل ثابتة. ولهذا يسعى القانون الدولي إلى إبقاء هذه الممرات مفتوحة أمام الملاحة الدولية بوصفها منفعة مشتركة.
نقاط الاختناق وتحديد مصير الأمم
يثير التوتر بين القانون الدولي والسيادة الوطنية سؤالاً مؤداه: هل تحدد نقاط الاختناق مصير الأمم، وهل يمكنها التأثير في مستقبل الشعوب، خصوصاً في أوقات الأزمات؟
تاريخياً، ظلت الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية الضيقة ثابتة. فالسيطرة عليها حسمت في كثير من الأحيان نتائج صراعات كبرى، وشكلت توازنات جيوسياسية، وأثرت في التدفقات الاقتصادية العالمية.
وفي مثال تاريخي، شهدت حملة غاليبولي بين فبراير (شباط) 1915 ويناير (كانون الثاني) 1916 خلال الحرب العالمية الأولى محاولة قوة أنغلو- فرنسية- نيوزيلندية السيطرة على مضيق الدردنيل عبر عمليات إنزال برمائية لتحييد المدفعية الساحلية العثمانية والاستيلاء على مناطق استراتيجية على طول شبه جزيرة غاليبولي.
كان الهدف تمكين القوات البحرية للحلفاء من الوصول إلى بحر مرمرة ثم مضيق البوسفور والبحر الأسود. غير أن العملية فشلت، وأظهر ذلك أهمية هذه الممرات في تحديد المصائر الاستراتيجية للدول، وما يترتب على محاولات السيطرة على نقاط الاختناق البحرية.
وغالباً ما يرتبط التحكم في البحر بالتحكم في الأراضي المجاورة. ولا تزال الحسابات الاستراتيجية المتعلقة بالسيطرة على الممرات الحيوية قائمة. ففي جنوب شرقي آسيا، يمثل مضيق ملقا أحد أهم الممرات البحرية وأكثرها ازدحاماً. وقد تكون تداعيات أي نزاع على السيطرة عليه، لا سيما إذا شمل الصين وتايوان وربما الولايات المتحدة، بالغة الخطر.
ويفتح ذلك الباب أمام سؤال آخر: هل دفعت أخطار نقاط الاختناق التقليدية دولاً إلى التفكير في طرق جديدة بعيدة من مسارات الصراع؟
القطب الشمالي وممرات المستقبل
يحتاج الحديث عن القطب الشمالي إلى تفصيل، لكن يمكن الإشارة إلى أن ذوبان الجليد قد يفتح ممرات جديدة تغير من واقع الممرات التقليدية.
في القرن الـ19، شهد العالم سباقاً لرسم خرائط الممر الشمالي الغربي والتنقل عبر المحيط المتجمد الشمالي بوصفه طريقاً مختصراً بين شمال الأطلسي وشمال الهادئ. وكان المستكشفون يسيرون بمحاذاة الساحل الغربي لغرينلاند، ثم يحاولون العبور عبر جزر القطب الشمالي الكندية قبل النزول عبر مضيق بيرينغ بين ألاسكا وروسيا.
كانت المشكلة أن الطريق ظل مسدوداً في معظم الوقت حتى صيفاً بسبب الجليد الكثيف.
واليوم، ومع ارتفاع حرارة الأرض وذوبان الجليد في القطب الشمالي، قد يصبح فتح الممر الشمالي الغربي ممكناً بدرجات متفاوتة أمام الملاحة الدولية. وتشير توقعات إلى أن بحر الشمال قد يصبح خالياً من الجليد بحلول عام 2030.
وتكمن الأهمية التجارية لخطوط الشحن في القطب الشمالي في تقصير مسافات السفر بين مراكز اقتصادية مثل شمال أوروبا وشرق آسيا.
وعلى رغم أن الحديث عن هذه الممرات قد يبدو متفائلاً في بعض الأحيان، خصوصاً مع عدم وضوح الترتيبات السياسية، فإن الأمر بات يشغل الدول المعتمدة على الممرات التقليدية، وما إذا كانت ستتأثر بها وكيف تستعد للتغيرات.
وفي الخلاصة، فإن الممرات المائية هي جزء من أثر الجغرافيا في مسار التاريخ البشري، وتزداد أهميتها في أزمنة الأزمات والتحولات.