الذكاء الاصطناعي وهاجس استواء الجميع في القدرة على الإبداع

ماثيو ماكسويل

أبريل 25, 2026 - 22:54
الذكاء الاصطناعي وهاجس استواء الجميع في القدرة على الإبداع
متظاهرون خارج مكاتب "غوغل ديب مايند" في لندن (أ ف ب/ غيتي)

هاري بوتر"، و"مستر بين"، وأديل، و"بيبا بيغ"، و"داونتون آبي"، وفيفيان ويستوود...

لا تكتفي القوة الإبداعية البريطانية بتصدير القوة الناعمة لثقافتنا وشعبنا إلى الساحة العالمية، بل تضخ نحو 150 مليار جنيه استرليني (نحو 200 مليار دولار) سنوياً في اقتصاد المملكة المتحدة، أي ما يقارب 6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. فصناعاتنا الإبداعية لا تمنحنا النفوذ فحسب، بل توفر فرص عمل أيضاً.

غير أن هذه الأوقات تبدو عصيبة على المشتغلين في الحقل الثقافي، فالتغيير يلوح في الأفق، وتتسلل رياح باردة من الاضطراب التكنولوجي لتقوض يقينيات الماضي. وعلى رغم أن أحداً لم يتوهم يوماً إن العمل في الفنون يشكل مساراً آمناً أو ضمانة للاستقرار، فإننا افترضنا دائماً أن في اكتساب المهارات والخبرات الإبداعية الطويلة والمضنية قيمة ما، فإن لم تكن في الآمن الوظيفي، ففي ندرتها أقله.

ومن المعلوم أن الصناعات بنيت تقليدياً على الندرة: ندرة الموهبة، أو الأدوات والموارد، أو فرص الوصول والتأثير. وكان الأصل أن يتجاوز الطلب العرض دائماً. وعندما تتلاشى الندرة، يفقد نموذج الأعمال توازنه، وينعكس ذلك مباشرة على العاملين فيه.

بدوره الذكاء الاصطناعي التوليدي يهدد هذه الندرة الجوهرية، إذ لا يقتصر خطره على الوظائف فحسب، بل يمس المنطق الذي برر وجود تلك الوظائف في المقام الأول. وليست المسألة مجرد كاميرا تحل محل الرسام مثلاً، بل نحن إزاء تحول أكثر غرابة: متدرب يحل محل منظومة الحرفة ذاتها.

لكننا سبق أن مررنا بهذه التجربة.

في دويلات المدن الإيطالية خلال عصر النهضة، حدث اضطراب مماثل، إذ أدى ظهور تقنيات ومواد جديدة، إلى جانب ابتكارات مالية وتحولات في بنى الرعاية، إلى تقويض احتكار الحرفيين التقليديين.

في ورش فلورنسا وسيينا المستقلة التي كانت تعجّ بالحركة، تسربت المعرفة وانتشرت التقنيات، وبدأت هالة العبقري المنفرد تتلاشى لمصلحة بنية أكثر تعاوناً وتنظيماً، بدت لكثيرين آنذاك أكثر تهديداً.

في نهاية المطاف، إذا استطاع متدرب محاكاة أسلوبك، فماذا يتبقى لك لتبيعه؟

واليوم، يمارس الذكاء الاصطناعي التوليدي سلوكاً مشابهاً على نحو مخيف، إذ ينقل أنشطة كانت سابقاً حكراً على أهل الاختصاص، ويجعلها متاحة لكل من يملك نافذة أوامر وفكرة غير واضحة المعالم.

وشأنه شأن ورش فلورنسا، يتيح الذكاء الاصطناعي التقليد قبل الإتقان، والإنتاج قبل الأصالة، والمشاركة قبل الإذن.

هنا، يبرز الذعر رد فعل غريزياً، فمتى استوى الجميع في القدرة على الإبداع، فقد الإبداع قيمته لا ريب. غير أن تجربة فلورنسا توحي بعكس ذلك تماماً.

عندما تتسع دائرة القادرين على الصنع، لا تتلاشى القيمة، بل تنتقل، من حيز التنفيذ إلى القدرة على التمييز والتقدير والحكم، ومن المهارة إلى الذوق، ومن مجرد الصنع إلى تقرير ما يستحق أن يصنع أصلاً.

لا يكمن الخطر الحقيقي في ديمقراطية الإبداع، بمعنى إتاحته للجميع وكسر احتكاره النخبوي، بل في أن يترك من دون إدارة ليغدو مستنقعاً من ضجيج رقمي بلا غربلة.

وهكذا يبدو الوضع الراهن، وفق بحث شمل وكالات إبداع في المملكة المتحدة، إذ كشف تقرير "سبارك 2026"، الصادر عن شركة "سبارك أي آي" Spark AI المتخصصة في التحول الرقمي، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في أكثر من نصف الوكالات التي تناولتها الدراسة يجري من دون حوكمة رسمية: فلا أدوات معتمدة، ولا تدريب على التعامل مع البيانات، ولا سياسة واضحة. وهكذا، يدخل الموظفون في الابتكار بصورة فردية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، حاملين وحدهم تبعات الأخطار القانونية وانتهاكات الملكية الفكرية المحتملة لوكالاتهم.

وفي الوقت نفسه، يوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي في ابتكار الأفكار والإنتاج الإبداعي لدى 47 في المئة من الاستوديوهات التي شملتها الدراسة، مقارنة بـ27 في المئة قبل ستة أشهر فقط.

وهنا عند "الفجوة في الحوكمة" يجدر بنا استحضار فلورنسا قبل 600 عام. لم يكن عصر النهضة فوضى مفتوحة، بل حريق قيد السيطرة. فقد فرضت النقابات معاييرها، وراهنت عائلات راعية مثل آل ميديشي على تمويل مشاريع غير مضمونة النجاح، ولكنها في الوقت نفسه انتقت من النتاج ما يخرج إلى الجمهور. ولم تكن القيود عدواً للإبداع، بل سقالته.

اليوم، يمنحنا الذكاء الاصطناعي التوليدي انفتاحاً على أدوات الإبداع شبيهاً بما عرفته فلورنسا، ولكن من دون البنية التنظيمية التي رافقته. فقد أسهمت هذه التكنولوجيا في تسهيل الوصول إلى ورشة الإنتاج الإبداعي لتصبح متاحة للجميع، ولكننا لم نبلغ بعد مرحلة إعادة بناء النقابة.

وإلى أن نفعل ذلك، ينبغي أن نتوقع تماماً ما تفادته فلورنسا: لا موت الإبداع، بل فيضاً هائلاً منه، من دون وسيلة واضحة لتمييز ما سيصمد منه ويستمر.

© The Independent