كيف تغيّر مفهوم النصر في الحروب الحديثة؟ فتحت الحروب الحديثة الباب لأطراف الصراع لتأويل النتائج وقد يكتب الخاسرون "الرواية الأجمل" مع تمجيد الشجاعة والصمود والبطولات وإدانة الغرور والغطرسة

احمد عبد الحكيم

أبريل 30, 2026 - 17:35
كيف تغيّر مفهوم النصر في الحروب الحديثة؟  فتحت الحروب الحديثة الباب لأطراف الصراع لتأويل النتائج وقد يكتب الخاسرون "الرواية الأجمل" مع تمجيد الشجاعة والصمود والبطولات وإدانة الغرور والغطرسة
بمجرد انتهاء أي حرب يبدأ المنتصرون والمهزومون في رواية قصص مختلفة عنها، وغالباً ما تكون الروايات الرسمية ذات تصميم مدروس (أ ف ب)

منذ توقف الحرب الإيرانية وإعلان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان) الجاري، وتدور معركة أخرى بين واشنطن وطهران لا تقل ضراوتها أو حدتها عن تلك التي شهدها الميدان العسكري طوال أكثر من خمسة أسابيع، إذ يحاول كل طرف تثبيت ما يراه "نصراً" على الآخر عبر مسارات الدبلوماسية والسياسة والتفاوض، مما عقّد، وفق ما يقول مراقبون، من سيناريوهات وضع حد لتلك الحرب التي اندلعت في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي.

سرديات "النصر" المتقابلة وترويجها خلال الحرب والتفاوض، كشفا عن حجم التغير الذي أصبح يصبغ الحروب في أنماطها الحديثة، إذ تجاوز جوهرها مجرد الصراع على الأرض أو الموارد، إلى صراع على المعنى والسردية، مع اختبار لقدرة كل طرف على صياغة سرديته الخاصة لإقناع جماهيره وشعبه في محاولة لإعادة ترتيب الوقائع ضمن إطار سياسي وإعلامي يخدم أهدافه.

وأمام تلك المشاهد التي حولت تعريف "النصر" ليكون أكثر المفاهيم التباساً في تحليل الحروب، مع سعي كل طرف إلى إحكام السيطرة على السردية، على قاعدة أن الدولة التي تفشل في فرض روايتها حتى لو تفوقت عسكرياً، قد تجد نفسها في موقع "الخاسر"، تتصاعد الأسئلة حول كيفية صناعة "سرديات النصر" في الحروب الحديثة، وماذا عن حال الحرب الإيرانية، وما إذا كان النصر بها يُقاس بقدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات استراتيجية غير مسبوقة لقدرات طهران العسكرية والسياسية؟ أم بقدرة إيران على ما تتمسك به من "صمود وبقاء"، مع فرض كلفة إقليمية ودولية؟ أم أن النصر تحسمه فقط نتائج المفاوضات المتعثرة حتى اللحظة بين أطراف الصراع؟

الحروب وصناعة "سرديات النصر"

تقليدياً كانت "الحروب" أو "الصراعات العسكرية" من بين المصطلحات المعقدة والمركبة في تعريفها وتحديد ماهيتها، وعلى رغم تغير الأساليب والوسائل التي تشن وتدار بها باختلاف الأزمان والعصور، فإنها بقيت راسخة من ناحية الجوهر والغاية. ولعل ما طرحه المؤرخ الاستراتيجي البروسي الشهير كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831) كان الأقرب إلى توصيفها "كلاسيكياً"، حين اعتبر أن الحرب ما هي إلا "امتداد للسياسة ولكن بوسائل أخرى أكثر عنفاً ودموية"، وأن التنفيذ الفعلي لها ما هو إلا صراع إرادات يُراد به كسر إرادة الخصم (العدو) وإخضاعه لتحقيق الهدف الاستراتيجي وهو "تنفيذ إرادة" المنتصر.

وأمام هذا التوصيف، كان يقرأ كثير من الحروب والصراعات الكبرى عبر التاريخ، وكذلك الاستراتيجيات التي انتهجتها الأطراف المتحاربة، على رغم اختلافها عن بعضها بعضاً من ناحية أنواع الأسلحة المستخدمة والخطط الاستراتيجية والعسكرية للقيام بها، ولا سيما مع سعي الإنسان على مر العصور إلى توسيع مدى أسلحته وقدرات فتكها.

إلا أنه ومع ظهور ما بات يعرف عسكرياً بـ"الحروب اللامتماثلة" أو "غير المتكافئة"، باتت مفاهيم وديناميكيات الحروب أكثر تركيباً وتعقيداً، بما يتجاوز حدود السيطرة الميدانية أو التفوق العسكري، وصولاً نحو الأبعاد الرمزية والسياسية والإدراكية لدى الأطراف المتحاربة، ولا سيما مع التوسع في الاستخدام غير المسبوق للتقنيات التكنولوجية والحاسوبية في إدارة المعارك وتسليحها، مما صعب من "حسم الحرب" عسكرياً على أحد الأطراف، وفتح الباب أمام ما يعرف بـ"تأويل" النتائج العسكرية لدى الأطراف المتحاربة، وفق قاعدة أهداف وغايات متباينة.

وبحسب الأدبيات العسكرية، فإن الحروب "اللامتماثلة" هي تلك التي تندلع بين أطراف غير متساوين في القوة والقدرة والإمكانات، مع استخدام أدوات غير تقليدية لأحد الأطراف لتعويض الفارق، وعليه يكون الهدف من تلك الحرب لا هزيمة العدو عسكرياً بقدر ما يكون إرهاقه واستنزاف إرادته السياسية وتحويل الحرب إلى عبء دائم عليه.

وعلى وقع عدم التكافؤ أو التساوي في القدرات والقوة لدى الأطراف، شهدت الحروب في أنماطها المعاصرة تحولات جذرية، بعدما انتقلت المواجهات من الحروب الخاطفة والحسم العسكري السريع إلى الاستنزاف الطويل الأمد والمعقد إقليمياً، مما يظهر بوضوح أن موازين القوى التقليدية بدأت تتآكل أمام استراتيجيات جديدة تعتمد على النفس الطويل واللامركزية والقدرة على الصمود المادي والنفسي، وفق ما يقول الخبراء والمراقبون العسكريون، معتبرين أنها سياقات جعلت من غياب "النصر الحاسم" أحد السمات الرئيسة للحروب الحديثة، وفتحت معها باب التأويل للأطراف لصياغة سرديات خاصة.

يرى المتخصص في مجال العلوم السياسية بـ"جامعة غلاسكو" في اسكتلندا سيان أودريسكول، صاحب كتاب "الانتصار ومأساة الحرب العادلة" أن "شبح الحروب المعاصرة التي لا تنتهي، يجعلنا نعيد التفكير في فكرة النصر، وهل تكتسب دلالة خاصة ومختلفة في الحال المعاصرة"، معتبراً ضمن مقالة له في موقع "كونفرسيشن" أن "الإيمان بفكرة النصر في الحرب الحديثة ليس أكثر من أسطورة"، وعليه فقد حان الوقت للتفكير مرة أخرى وبصورة أعمق مما فعلنا من قبل، حول معنى النصر في الحروب.

وأمام غياب "النصر الحاسم"، يثار السؤال حول صناعة الأطراف لـ"سردية النصر" الخاصة بهم وفهم فلسفتها، فتقول عنه الأستاذة بالأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت ومؤلفة كتاب "البحث عن الحرب الجيدة: النسيان الأميركي والسعي العنيف وراء السعادة" إليزابيث ساميت إننا "نحن نعيش في عالم ينتصر فيه راوي القصة الأبرع على صاحب التحليل العقلي الأوضح، وتبلغ بعض القصص من النجاح ما يجعلها تكتسب طابع الأسطورة، وعند تلك اللحظة، كما يكتب منظّر الأدب الأميركي بيتر بروكس، في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان ’مفتونون بالقصة‘، يُنسى أنها مجرد خيالات ويُتعامل معها بوصفها تفسيرات حقيقية للعالم".

وتضيف ساميت ضمن تحليلها في مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تحت عنوان "عقدة السرديات العسكرية" أن "في مواجهة هذا الاستيلاء السردي يجب على القراء تفعيل الذكاء النقدي والتحليلي في مواجهة السرديات التي تغوينا بقبول الأيديولوجيات السائدة"، مشيرة إلى تأكيد بروكس أن "ما يحتاج إليه المستمعون والقراء هو مقاومة الخدر الذهني السلبي الذي يعوّق قدرتنا على الاستجابة الواعية".

ومحاولة تفسير دور السرديات في زمن الصراعات، رأت ساميت أنه "في الواقع تغوي القصص المتنافسة الأفراد والأمم بخوض الحروب، وما إن ينضموا إلى الصراع حتى يبدأ المشاركون والمشاهدون بنسج مزيد من الحكايات لفهم علاقتهم بتلك الفوضى العنيفة، وتوفر مرحلة ما بعد الحرب أرضاً خصبة لسرديات جديدة عن نشأتها وسيرها ونهايتها"، مشيرة إلى أن "السرد فعل فردي وجماعي في آن واحد، إذ تمتزج الذكريات الشخصية بـالخيال السياسي والحقائق التاريخية والتحريف الأسطوري، في طوفان من القصص عادة ما يتبع الحروب".

وبحسب ساميت، فإن "الأمم تنسج أساطير من انتصاراتها، وتمحو هزائمها بوعد انتصارات مقبلة"، وتميل إلى موازنة "الحروب السيئة" بـ"الحروب الجيدة"، معتبرة أن الحروب ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) "دخلت فيها الدول وحتى جهات غير حكومية بأشكال مختلفة، ويبدو في كل مرة أنها (الأطراف) تبحث عن قصة تمنحها لذة السرد المرتبطة بتلك الحرب، قضايا عادلة وحبكات واضحة وقوية عن التحرير والانتقام العادل وأبطال وأشرار لا لبس فيهم ونهايات حاسمة، ومع ذلك لم ينجح أي من نسخ الحروب اللاحقة للحرب العالمية الثانية في منافسة جاذبية القصة الأصلية"، وأشارت إلى أنه "عندما يتعلق الأمر بالنزاعات العنيفة تكون كلفة هذا النهج باهظة للغاية، فبسرعة مذهلة يتحول الاحتمال الضعيف إلى احتمال مرجح ثم إلى يقين، فيما يرفض الناس الروايات الهادئة والمعقدة وغير الجذابة التي تتحدث عن التسوية الحكيمة أو الدبلوماسية الغامضة أو التقدم التدريجي".

وذكرت ساميت أنه "بمجرد انتهاء أية معركة أو حرب، يبدأ كل من المنتصرين والمهزومين برواية قصص مختلفة عنها، وغالباً ما تكون الروايات الرسمية ذات تصميم مدروس، وإن لم يكُن بالضرورة خبيث النية"، وتابعت "صحيح أن التاريخ يُكتب بأقلام المنتصرين، لكن الخاسرين هم غالباً من يروون القصة الأجمل. ومع نهاية كل حرب تظهر رواية جديدة تمجد الشجاعة الجسدية وبطولات ساحة المعركة وتدين الغرور والغطرسة، لكنها في الوقت نفسه تشوه العلاقة بين الحرب والسياسة وتقلل من شأن فضيلتين عمليتين، يمكنهما منع الحرب، هما الحكمة وضبط النفس، وتتجاهل دور الصدفة والفوضى".

من جانبه لفت الصحافي والناقد كارلوس لوزادا في صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية إلى أن "الصقور" المتشددين في السياسة والحرب يمتلكون "ميزة سردية" تجعل قصصهم أكثر جاذبية وإقناعاً من قصص "الحمائم" الداعين إلى السلام، مرجحاً أن "يكون ذلك غير عادل"، إلا أن قصص الحرب عادة ما تكون أكثر إثارة من قصص السلام، وأن السيناريوهات القاتمة التي تتحدث عن الأخطار والتصعيد تكون دائماً أكثر جذباً من الأصوات المعارضة التي تشرح كيف يمكن تجنب الصراع".

وبحسب لوزادا، فإن غالباً ما يُثير "الصقور" الحماسة التلويح بـ"قميص ملطخ بالدماء" أو باستحضار خيانة ما، وأحياناً يقدمون حتمية الحرب في إطار من الندم والتردد وكأنهم يبررونها بأسف متعمد.

صناعة السردية في الحرب الإيرانية

لم تكُن الحرب الإيرانية الأخيرة نموذجاً مختلفاً عما باتت تعرفه الحروب الحديثة على مستوى العمليات والأسلحة المستخدمة، وحتى في ما يتعلق بمفاهيم وسرديات "تحقيق النصر" لأطراف الصراع، إذ منذ إعلان وقف إطلاق النار وبدء مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، تبنت كل دولة "سردية نصر" مغايرة عن الأخرى، ففي وقت يكرر الجانب الأميركي على لسان كبار مسؤوليه الرسميين في البيت الأبيض و"البنتاغون" والخارجية، تمكنهم في أقل من 40 يوماً من المعارك العسكرية من تدمير وإزالة القدرات العسكرية الإيرانية كافة بدءاً من برنامجها النووي، مروراً بقدراتها الصاروخية والجوية وسلاح بحريتها فضلاً عن "تغيير النظام"، تروج طهران في المقابل أنها "استطاعت هزيمة العدو وإجباره على الخضوع أمام شروطها ومطالبها"، وإن لم يكُن بالمفاهيم العسكرية والردع فـ"بالقدرة على البقاء وإفشال مخططات الخصوم".