صعود جيل الشباب في كوردستان “ادريس نيجيرفان انموذجا”

اكرم طالب الوشاح قاسم محسن شفيق في السنوات الاخيرة برز اسم الس يد ادريس نيجيرفان بارزاني باعتباره احد الوجوه التي تعكس تحولا هادئا في المشهد المدني المجتمعي بكوردستان ، تحولا لا يقوم على الشعارات ، بل على بناء منصات عملية للشباب ، وعلى تحويل العمل الخيري من استجابة ظرفية الى مشروع تنموي طويل الامد. كانت تمر بمرحلة دقيقة ، من ضغوط اقتصادية ، الى موجات نزوح ، الى بطالة متصاعدة بين الخريجين كحال الجميع، وهجرة متزايدة نحو الخارج ، وفي هذا السياق تشكلت روانكة كمحاولة لبناء مساحة عمل مختلفة ، تجمع بين الاغاثة الفورية والتمكين بهذا الصعود لم يكن وليد حملة اعلامية ، بل نتيجة مسار تراكمي بدأ مع تأسيس "روانكة" 2013 في اربيل ، كمؤسسة اهلية ركزت منذ البداية على الشباب ، لا بوصفهم متلقين للمساعدة فقط ، بل شركاء في صياغة الحلول في العراق عموما وكردستان خصوصا. فكردستا نعيد المدى من العمل الشبابي التطوعي ،وصولا لبناء مراكز لمعالجة التوحد.

فبراير 19, 2026 - 03:53
صعود جيل الشباب في كوردستان “ادريس نيجيرفان انموذجا”

والتحقيق في طبيعة عمل المؤسسة يكشف انها لم تعتمد على نمط واحد من النشاط ، بل صاغت ثلاثة مسارات متوازية ، اولهن مسار انساني يستجيب للازمات ، وثانيهن مسار تنموي يعالج البطالة ، وثالثهن مسار ثقافي يعتني بالابداع الشبابي.

وبدعم من المجتمع المدني في العراق وكردستان تجسيدا للوحدة العراقية...وهو منهج ادريس وابيه نيجيرفان.

وفي ذروة ازمة النزوح بعد عام 2014 شاركت المؤسسة في توزيع مساعدات غذائية لالاف الاسر الناجية في الموصل ، كما قدمت دعما للنازحين في مخيم ديبكة في اربيل ، وامنت مياه الشرب لعائلات فقدت مصادرها الاساسية ، واهتمت بالاقليات كما رصد احد كتاب هذه المقالة، عند بحثه عن جهود دعمهم ابان كتابته لكتابه عن الاقليات العراقية، وهذا النشاط لم يكن مجرد مبادرة موسمية ، بل شكل اختبارا مبكرا لقدرة المؤسسة على العمل الميداني والتنظيم اللوجستي.

ولعل  ما يميز تجربة ادريس نبجيرفان بارزاني انه  بتجربته المجتمعية الخدمية لا يقف عند حدود الاغاثة ، فالرؤية التي تبناها تقوم على ان المساعدة المباشرة ضرورية لكنها لا تكفي ، وان المجتمع لا ينهض بتوزيع السلال الغذائية فقط ، بل بخلق فرص حقيقية للعمل والانتاج.

من هنا جاء مشروع توفير اكثر من مئتي الف فرصة عمل في عموم العراق ، وهو رقم كبير في سياق يعاني فيه البلد من بطالة تقدر بنحو مليون شاب ، المشروع لم يقتصر على اعلان فرص ، بل شمل بناء منصة الكترونية لربط الباحثين عن عمل بالشركات ، وتنظيم ورش تدريب لكتابة السيرة الذاتية ، وتعريف الشباب بمتطلبات سوق العمل ، هذا التوجه يعكس فهما عمليا لمشكلة البطالة بوصفها فجوة مهارات بقدر ما هي نقص وظائف.

هذا العمل لم يكن خطوة تقنية فقط ، بل محاولة لاعادة صياغة علاقة الشاب في العراق وكردستان بسوق العمل ، بدلا من انتظار وظيفة حكومية بات الخطاب يدفع نحو المبادرة ، نحو تطوير المهارات ، نحو البحث عن فرص في القطاع الخاص ، هذا التحول في الذهنية يمثل جوهر المشروع.

الى جانب الاقتصاد اولت روانكة اهتماما خاصا بالثقافة والفنون ، فنظمت مسابقات في التصوير الفوتوغرافي والرسم والقصة القصيرة والفيلم والكتابة ، وكرمت شبابا مبدعين  ، وهذه الانشطة قد تبدو للبعض ثانوية امام تحديات البطالة ، لكنها في قراءة اعمق تشكل استثمارا في الهوية والثقة بالنفس ، فالشاب الذي يجد منصة لعرض موهبته يشعر بانه مرئي ومسموع.

التحقيق في شبكة علاقات المؤسسة يكشف بعدا دوليا واضحا ، فقد اقامت شراكات مع حكومات مثل النروج والمانيا وهولندا وكندا ، وتعاونت مع جهات دولية مثل الهلال الاحمر الاماراتي واليونيسف ومؤسسة كافور انترناشونال ، هذه العلاقات وفرت دعما لوجستيا وخبرات وبرامج تدريب ، وفتحت افقا اوسع للشباب للمشاركة في فعاليات خارجية مثل المهرجان السنوي للاتحاد العالمي للشباب في دبلن.

هذا الانفتاح الخارجي لم يكن ترفا ، بل رسالة بأن شباب كوردستان قادرون على الحضور في المحافل الدولية ، وعلى تمثيل مجتمعهم بصورة مختلفة عن الصور النمطية المرتبطة بالحروب والازمات.

في لقاءات مع متطوعين داخل المؤسسة يتكرر وصف السيد ادريس بانه قريب من التفاصيل ، فهو يحضر الفعاليات ، ويتابع التقارير ، ويسال عن الارقام ، وهذا الحضور المباشر يعزز صورة القيادة الميدانية لا الادارية فقط ، ويمنح الشباب شعورا بانهم يعملون مع شخص يفهم من هم وما هم واين هم.

الصعود الذي يحققه ادريس يرتبط ايضا بالخطاب القيمي الذي يقدمه ، فهو يركز على الثقة والصدق والمثابرة ، لا بوصفها شعارات اخلاقية مجردة ، بل كاساس لبناء اي مشروع مستدام ، ومن ثم  يصبح التركيز على هذه القيم عاملا حاسما في كسب المصداقية.

العمل التطوعي في تجربة روانكة بقيادة ادريس بارزاني يتجاوز مفهوم التبرع المالي ، فهو يشمل تنظيم حملات ، وتدريب فرق ، وادارة بيانات ، ومتابعة احتياجات ، وهذا البناء المؤسسي يمنح الشباب خبرة عملية في الادارة والتنظيم ، ويحول العمل الخيري الى مدرسة غير رسمية للقيادة.

من خلال تتبع مسار المؤسسة منذ 2013 يمكن رصد تطور تدريجي في طبيعة البرامج ، فمن التركيز على الاغاثة الى التوسع في التدريب والتوظيف والثقافة ، فإن هذا التطور يعكس استجابة للمتغيرات الاجتماعية ، ويشير الى قدرة على التكيف مع احتياجات الواقع.

لا يمكن فهم صعود ادريس مدنيا ومجتمعيا وخدميا وتفاعليا في وسط الشباب  بمعزل عن السياق العام لشباب كوردستان ، لجيل ولد بعد سنوات الصراع الكبرى ، ويحمل طموحات مختلفة ، ويتواصل مع العالم عبر التكنولوجيا ، ويبحث عن فرص تتجاوز الحدود الجغرافية ، فروانكة حاولت ان تخاطب هذا الجيل بلغته ، وذلك عبر المنصات الرقمية ، وعبر برامج التدريب الحديثة ، وعبر فتح قنوات تواصل مع مؤسسات دولية.

ومن ثم وجدنا الاف الشباب الذين شاركوا في برامج التدريب ، ووجدنا اهتماما بالعائلات التي تلقت دعما انسانيا ، وجدنا المبدعين الذين وجدوا منصة لعرض اعمالهم.

ادريس نيجيرفان يقدم نفسه كجزء من هذا الجيل الشاب ، فيحضر بينهم لا متحدثا من منصة بعيدة ، ويكرر ان المستقبل يصنع بايديهم ، ويترجم ذلك عبر مشاريع تمنحهم الادوات لا التعليمات.

عمله ليس حدثا منفصلا بل هو مؤشر على تحول اوسع في كردستان والعراق ، وهو تحول يرى في الشباب قوة انتاج وبناء ، لا عبئا اقتصاديا ، ويرى في العمل الخيري رافعة للتنمية لا مجرد استجابة عاطفية.

وهكذا تبدو الصورة واضحة ، فنحن في نموذج ادريس وروانكة امام تجربة تحاول اعادة تعريف مفهوم القيادة الشبابية في كوردستان ، وهي تجربة تضع المؤسسة في قلب العمل ، وتربط الخدمة المجتمعية بالتنمية ، وتفتح للشباب ابواب العمل والابداع ، واذا كان صعود جيل الشباب في كوردستان حقيقة تتشكل اليوم ، فان ادريس نيجيرفان  بارزاني يمثل احد وجوهها البارزة ، انموذجا لشاب اختار ان يبني منصته عبر خدمة المجتمع وتمكين اقرانه ، واضعا اسمه في سياق جهد جماعي يتسع عاما بعد عام في كردستان والعراق...