كيف قلب الصراع في الشرق الأوسط منظومة الطاقة العالمية؟
تواجه صناعة الغاز اضطرابات مطوّلة في الخليج العربي، فيما بدأت الاقتصادات الناشئة بالفعل في دفع الثمن، فمع كل أسبوع يظل فيه أكبر مصنع للغاز الطبيعي المسال في العالم مغلقاً، يفقد العالم طاقة تعادل ما يكفي لتشغيل منازل مدينة سيدني مدة عام كامل.
أُغلق مصنع "رأس لفان" في قطر في وقت سابق من هذا الشهر عقب هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية، وهو أول انقطاع في الإمدادات خلال ثلاثة عقود من التشغيل، والآن، وبعد ضربات إضافية جاءت رداً على هجوم إسرائيلي على حقل جنوب بارس الضخم الأربعاء تعرض المجمع الأوسع لأضرار واسعة، بحسب ما وصفته قطر.
ما حجم الخسائر في طاقة التصدير؟
أدى الهجوم الأخير إلى تعطيل نحو 17 في المئة من قدرة البلاد على تصدير الغاز الطبيعي المسال، وقد تستغرق أعمال الإصلاح ما يصل إلى 5 أعوام، وفقاً للرئيس التنفيذي لشركة "قطر للطاقة" سعد الكعبي. ومن شأن ذلك أن يفرض ضغوطاً حادة على إمدادات الطاقة في اقتصادات العالم، أما بالنسبة للدول الناشئة التي تمثل أسواق نمو حيوية للغاز المسال فإن كارثة غاز ثانية خلال 4 أعوام باتت تدمر الطلب الصناعي، وربما بشكل لا يمكن إصلاحه.
كيف قلب الصراع منظومة الطاقة العالمية؟
قلبت ثلاثة أسابيع من الصراع في الشرق الأوسط سلسلة إمدادات الطاقة بالكامل، ومع إغلاق مضيق هرمز الحيوي شبه الكامل، ترتفع أسعار البنزين ووقود الطائرات، وتؤدي ندرة غاز الطهي إلى اندلاع شجارات في الهند، بينما يشعر المزارعون بالقلق في شأن الديزل والأسمدة، لكن في ظل غياب شبه كامل للطاقة الفائضة، وعدم وجود احتياطيات استراتيجية أو بدائل سهلة، قد يصبح الغاز الطبيعي المسال أحد أكثر نقاط الضعف حدة في أزمة تتسع.
هل يصبح تقليل استهلاك الغاز الحل الوحيد؟
مع استمرار الأزمة، فإن الحل الوحيد يتمثل في تقليل استهلاك الغاز عالمياً وهو ما يمثل انتكاسة كبيرة لوقود روّجت له الصناعة باعتباره جسراً موثوقاً وميسور الكلفة للانتقال من الفحم الملوث إلى الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة، فمن دون الغاز، تضطر محطات الكهرباء إلى خفض الإنتاج، وتغلق مصانع الأسمدة والمنسوجات، وقد تكون التداعيات طويلة الأمد لصدمة كهذه أكثر حدة من أزمة الطاقة في عام 2022، عندما أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى تغييرات جذرية في تدفقات الغاز عالمياً.
وقال محلل الطاقة في شركة "أم أس تي ماركي" سول كافونيك، "نحن نسير الآن بسرعة نحو سيناريو أزمة غاز كارثية... حتى بعد انتهاء الحرب، قد تستمر اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال لأشهر أو حتى أعوام اعتماداً على مدة إصلاح الأضرار."
تعتمد بعض الاقتصادات على الغاز الطبيعي المسال الذي يمر عبر مضيق هرمز لأكثر من ربع إجمال استهلاكها من الغاز ،ويتمثل التأثير الأكثر إلحاحاً للأزمة الحالية في أنها قضت على الأرجح على فائض الغاز العالمي الذي كان متوقعاً هذا العام، مع استعداد العالم لزيادة كبيرة في الإنتاج. وعلى رغم استمرار الولايات المتحدة في زيادة الإنتاج، فإن تعثر الشرق الأوسط يقلب ميزان السوق سريعاً نحو العجز.
ووفقاً لبنك "مورغان ستانلي"، فإن أي انقطاع يتجاوز شهراً واحداً "يؤدي سريعاً إلى عجز"، وإذا امتد إلى ثلاثة أشهر، فسيكون أكبر انقطاع في تاريخ صناعة الغاز المسال الممتد لنصف قرن.
من هم أول المتضررين؟
قال مدير المحافظ في شركة "دافنبورت إنرجي" توبي كوبسون، "ستكون جنوب وجنوب شرقي آسيا أولى الضحايا... إذا استمرت الاضطرابات لأشهر، فإننا سنشهد ارتفاعات حادة جداً في الأسعار مجدداً".
بدأت آثار النقص تظهر في الاقتصادات الناشئة في آسيا، التي تستحوذ على أربعة أخماس صادرات قطر من الغاز المسال.
كيف تؤثر الأسعار المرتفعة؟
يقول محللون إن من شبه المؤكد أن هذه الصدمة السوقية ستجبر الاقتصادات الناشئة الحساسة للأسعار على إعادة النظر في خطط التوسع الطموحة في استيراد الغاز المسال، إذ بلغت كلفة الشحنة الواحدة المتجهة إلى آسيا نحو 80 مليون دولار أي أكثر من ضعف السعر قبل اندلاع الحرب مع إيران، وأوقفت فيتنام والفيليبين عملياً مشترياتهما الإضافية، بينما اضطرت شركات هندية لإبرام صفقات تعد من بين الأعلى كلفة منذ أعوام، أما باكستان، التي لا تزال تعاني آثار أزمة 2022، فتسارع لخفض الاعتماد.
هل يرتفع الاعتماد على الفحم؟
نظرياً، قد يكون ذلك مكسباً بيئياً، لكن عملياً، وبالنظر إلى طبيعة استهلاك الغاز في المنطقة، فإنه يؤدي غالباً إلى زيادة الاعتماد على الفحم، أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثاً، إذ دخلت الفيليبين في محادثات مع إندونيسيا لتأمين إمدادات إضافية من الفحم، بينما تتوقع الهند تسجيل مستوى قياسي من استهلاكه هذا العام.
وقال محلل الغاز في شركة إندبندنت كوموديتي إنتليجنس سيرفيسز" إيفان تان، "بدلاً من التساؤل عن مدى ارتفاع أسعار الغاز، أصبحنا نبحث عن النقطة التي ينسحب عندها المشترون في جنوب آسيا بالكامل من السوق الفورية."
لكن إغلاقاً طويل الأمد في قطر لن يؤثر فقط على الدول الفقيرة، فوفقاً لشركة "ريستاد إنريجي"، فإن توقفاً لمدة ستة أشهر سيجبر الدول المتقدمة في أوروبا وآسيا أيضاً على تقليص الاستهلاك، بخاصة مع اقتراب موسم إعادة تكوين المخزونات لفصل الشتاء.
هل الدروس السابقة كافية؟
على رغم أن المشترين تعلموا بعض الدروس من أزمة 2022، وسعت أوروبا والصين إلى تنويع مصادر الإمدادات، فإن ذلك لم يكن كافياً لمواجهة صدمة بحجم الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتعطل الإمدادات القطرية.
ويرى محللون أن المشكلة الأساسية تكمن في أن سوق الغاز المسال الأسرع نمواً بين أسواق الوقود الأحفوري لا يزال يعتمد على عقود طويلة الأجل وتوريد "في الوقت المناسب"، نظراً لصعوبة التخزين وارتفاع كلفته وتعقيد البنية التحتية.
وعندما يعمل النظام بكفاءة، تبدو هذه الكلفة غير ضرورية، لكن عندما يتعطل، يكون الوقت قد فات.
كيف تستعد الدول حالياً؟
بدأت الدول القادرة على تحمل الكلفة في الاستعداد، إذ تسعى تايوان لتأمين شحنات إضافية، بينما تحاول كوريا الجنوبية تعويض النقص وزيادة إنتاج الكهرباء من الفحم.
ويكمن الخطر الحقيقي مع حلول الصيف، عندما تبدأ عملية إعادة ملء المخزونات ،وقال فرانسيسكو بلانش من "بنك أوف أميركا"، "سنحتاج في النهاية إلى ترشيد الطلب، لأنه لا يوجد ما يكفي من الغاز."
كيف ستتعامل أوروبا مع نقص الغاز؟
قد يبدأ خفض الاستهلاك في أوروبا من القطاعات الصناعية الأكثر اعتماداً على الغاز، مثل الصناعات الكيماوية، ومنذ 2022، ارتفعت حالات إغلاق المصانع بصورة كبيرة، وتراجعت الاستثمارات في القطاع بأكثر من 80 في المئة.
من المستفيد من الأزمة؟
على رغم أن الأزمة تضر بالكثيرين، فإنها تفيد منتجين آخرين يُنظر إليهم كبدائل أكثر أماناً، مثل أستراليا والولايات المتحدة، لكن يبقى السؤال حول قدرتهم على زيادة الإنتاج بسرعة.
وفي ظل الضغوط، تعود مشاريع كانت تُعتبر غير واقعية إلى الواجهة، مثل مشروع ألاسكا المدعوم من دونالد ترمب وقد تكون روسيا من المستفيدين، مع استمرارها في تصدير الغاز إلى الصين، التي تسعى بدورها إلى تنويع مصادرها.
هل نشهد حرب أسعار بين أوروبا وآسيا؟
في الأثناء، تواجه أوروبا وآسيا خطر التنافس على الإمدادات المحدودة، ما يفتح الباب أمام حرب أسعار ويخلق فرصاً كبيرة للمتداولين.
وقال الأمين العام للاتحاد الدولي للغاز، مينيلوس يدريوس، "عندما ترتفع الأسعار، تستطيع الدول الغنية الاستمرار في الشراء، بينما تُقصى الدول الأقل ثراءً من السوق... لا يمكن تعويض ما يُفقد عبر مضيق هرمز.
اندبندنت عربية