زر "أعجبني" أفسد الإنترنت... وحان وقت التخلص من الخوارزميات
انتوني كاثبرستون
في التاسع من فبراير (شباط) عام 2009، ظهر زر صغير غيّر شكل الإنترنت إلى الأبد. ورُوج له يومها على أنه "طريقة سهلة لإعلام الناس بأن المحتوى أعجبك". لكن ميزة "أعجبني" في "فيسبوك" وضعت حداً لعرض المنشورات بترتيبها الزمني، وأدخلت نظاماً تحكمه الخوارزميات لم يعُد يقدم المحتوى بحسب وقت نشره.
بدلاً من ذلك، باتت المنشورات تُعطى الأولوية بحسب شعبيتها لا حداثتها، استناداً إلى هذا المؤشر الجديد القابل للقياس. وسرعان ما تبدلت خلاصات المستخدمين، فحلّت صور المشاهيروالعلامات التجارية وصفحات المواضيع محل صور الأصدقاء وأفراد العائلة والحيوانات الأليفة. وأنتج ذلك مصطلحات مثل "المحتوى الفيروسي" و"صانع المحتوى" و"المؤثر"، وكان إيذاناً بنهاية عصر الشبكات الاجتماعية وبداية عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي وقت لاحق، تبنت منصات أخرى مثل "إنستغرام" و"تويتر" النهج نفسه، قبل أن يأخذ "تيك توك" هذا المسار إلى مدى أبعد عبر خلاصته "فور يو" For You التي تُعد، على نطاق واسع، النظام الأكثر دفعاً للمستخدمين إلى التفاعل.
أما النتائج فجاءت كارثية. وظهرت التصدعات بوضوح عام 2016، عندما بدأت حسابات مرتبطة بالجيش في ميانمار بنشر خطاب كراهية ضد أقلية الروهينغا عبر "فيسبوك"، حتى إن محققاً أممياً شبّه لاحقاً خوارزمية الشركة بـ"الوحش" الذي غذّى التطهير العرقي على نطاق واسع.
ثم تحولت الخوارزمية إلى أداة لجني الأرباح وتأجيج الانقسام وتغذية التطرف. وكشفت دراسة داخلية مسربة من "فيسبوك" في تلك الفترة عن أن أكثر من نصف من انضموا إلى مجموعات متطرفة على المنصة فعلوا ذلك لأن الخوارزمية اقترحتها عليهم. وازدهرت تيارات مثل "كيو أنون" ومعارضي اللقاحات بفضل ميل الخوارزمية إلى إبقاء المستخدمين في حال نقر وتفاعل دائمين، فيما انجرف أشخاص أكثر هشاشة إلى دوامات من محتوى اليأس والإحباط، وكانت النتيجة مأسوية بالنسبة إلى بعضهم.
وفي تقرير صدر العام الماضي بعنوان "الانجرار إلى الجحر"، خلصت "منظمة العفو الدولية" إلى أن خوارزمية "تيك توك" تدفع أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 13 سنة إلى "دوامة سامة" من المحتوى المرتبط بالصحة النفسية، بعد خمس دقائق فقط من انضمامهم إلى التطبيق.
ومن الممكن أن يبدأ الأمر بمقطع فيديو يبدو بريئاً نسبياً، كمنشور عن انفصال عاطفي، أو حتى أغنية حزينة في الخلفية. وترصد الخوارزمية تلقائياً طريقة تفاعل المستخدم مع المقطع: هل تجاوزه سريعاً، أم توقف عنده، أم أعاد مشاهدته، أم نقر زر "أعجبني"؟
وحتى تمضية ثوانٍ إضافية قليلة على المشاهدة تكفي لعرض مزيد من هذا النوع من المحتوى. فالنظام مصمم لدفع التفاعل وإبقاء المستخدم داخل التطبيق، فتزداد حدة المحتوى تدريجاً.
وكشف تحقيق "منظمة العفو الدولية" عن أن بعض الحسابات أُغرقت تدريجاً بمقاطع أكثر حزناً، تدور حول الوحدة أو الاكتئاب. وفي غضون 45 دقيقة فقط، ظهر عليها محتوى مرتبط بالانتحار.
وسلط التقرير الضوء على حالة فتاة تدعى مايل. فخلال أسابيع من انضمامها إلى "تيك توك"، بات ثلاثة أرباع ما يظهر في خلاصتها مقاطع فيديو تقدم إيذاء النفس والانتحار بوصفهما أمراً طبيعياً وتشجع عليهما. وفي حالتها، بدأ كل شيء بأغنية.
وقالت للباحثين: "في البداية، كنت أستخدم التطبيق للتسلية. ثم كانت هناك أغنية تتكرر كثيراً لأنها كانت صدرت للتو. وتدريجاً، بدأت أهتم بكلماتها، وشعرت بشيء في داخلي، وأحسست بأنها لامستني. ثم بدأت أشاهد مزيداً من المقاطع المصحوبة بهذه الموسيقى... وشيئاً فشيئاً، صار الأمر أكثر ظلمة وكأن فكرة الموت لم تعُد تبدو سيئة إلى هذا الحد".
وفي نهاية المطاف، اكتشف والدا مايل المسار الرقمي المظلم الذي انجرفت إليه، لتحصل بعدها على المساعدة. لكن آخرين لم يحالفهم الحظ نفسه. وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى حالة ماري لو تييك التي أنهت حياتها بعد انزلاقها في أزمة نفسية غذتها الخوارزميات. وقال والداها: "هذه المنصات تتعامل مع أطفالنا كأنهم منتجات، لا بشراً".
وهذه واحدة من ثلاث حالات انتحار أوردها تقرير "منظمة العفو الدولية"، فضلاً عن قضية المراهقة البريطانية مولي راسل التي حظيت بتغطية واسعة. وأفضت هذه القضايا إلى دعاوى جماعية رفعتها عائلات سعت إلى محاسبة هذه التطبيقات على تدهور الصحة النفسية والجسدية لأطفالها.
وعلى خلفية قضايا من هذا النوع، تدرس دول حول العالم فرض حظر على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت أستراليا العام الماضي أول دولة تفرض حظراً كاملاً على من هم دون 16 سنة، فيما قد تحذو المملكة المتحدة وفرنسا وغيرهما حذوها قريباً.
وقالت "تيك توك" في بيان إنها تملك أكثر من 50 ميزة معدة مسبقاً لدعم "سلامة المراهقين ورفاههم"، وإنها "تستثمر بكثافة في تجارب آمنة وملائمة لسن المراهقة".
أما "ميتا"، المالكة لـ"فيسبوك" و"إنستغرام"، فقالت إنها تشارك هدف حماية الشباب، لكنها ترى أن الحظر الشامل ستكون له نتائج عكسية. وبدلاً من ذلك، تروج لميزة "حسابات المراهقين" مع إشراف تلقائي من الوالدين، على رغم استمرار تشكيك الجهات التنظيمية في الأمر.
وعلى رغم تعهدات هذه الشركات، يأمل بعضهم في أن يشمل حظر الخوارزميات القائمة على التفاعل جميع الفئات العمرية. وتلقى هذه الفكرة دعماً من مجموعات مثل "مركز التكنولوجيا الإنسانية" الذي يدعو إلى "إعادة ضبط التكنولوجيا" بطريقة تتيح للتطبيقات مواصلة العمل، لكن مع حظر نماذج الأعمال الاستغلالية التي تقوم عليها.
وازدادت خطورة هذه النماذج مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي. فمقاطع الفيديو القصيرة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تملأ اليوم خلاصات المستخدمين، إذ لم يعُد الأمر يقتصر على أن يختار الكمبيوتر ما يشاهده الناس، بل بات يصنع أيضاً المحتوى الذي يستهلكونه.
ويرى "بيوديبي"، أحد أشهر صناع المحتوى على "يوتيوب"، ممن جنوا الملايين بفضل خوارزميات المنصة، أن هذه الأدوات الجديدة تقود إلى ما يسميه "العقل الخوارزمي"، فتتآكل قدرة الناس على الانتباه وتضعف قدرتهم على الاختيار. وفي فيديو نشره أخيراً دعا فيه إلى التحرر من الخلاصات الخوارزمية، قال: "الأساس هو القصد. فإذا عشت حياتك من دون أن تتخذ قراراتك بنفسك، فمن تكون أنت إذاً؟".
وعندما استحدث "فيسبوك" خلاصته الخوارزمية عام 2009، ارتفعت أصوات تدعو إلى مقاطعته. وتكرر الغضب نفسه لاحقاً مع "تويتر" و"إنستغرام". لكن شعبية هذه المنصات واصلت الصعود.
لقد اجتذبت الخوارزميات الناس وأبقتهم فيها. وفي ذلك الوقت، قال بريت تايلور، المدير التقني السابق لـ"فيسبوك": "كان ذلك دائماً الشيء الذي يقول الناس إنهم لا يريدونه، ثم يثبتون، بكل المقاييس الممكنة، أنهم يريدونه فعلاً".
ولن يكون من مصلحة الشركات يوماً التخلي عن الخوارزميات. ولذلك سيقع عبء استعادة الشبكات الاجتماعية وإعادة تقديم التواصل على المحتوى، على عاتق الجهات التنظيمية والمستخدمين أنفسهم.
© The Independent