الوكلاء... حراس الأدب الأميركي ومفتاح ذائقته

أبريل 11, 2026 - 09:25
الوكلاء... حراس الأدب الأميركي ومفتاح ذائقته

منذ بضعة عقود، لم يعد من المألوف، أو حتى من الموائم، استعمال استعارة "البرج العاجي" في وصف كاتب. وإذا كانت الاستعارة أصلاً تحمل معنى سلبياً هو انفصال كاتب عن مشكلات عصره أو إيقاعه، فقد كانت تحمل في أذني دائماً معنى آخر إيجابياً، هو الانعزال الحميد، والتفرد الواجب. كان البرج العاجي، على رغم سوء سمعته، يعني لي أن الإبداع الكتابي بعامة عمل فردي. ثم حدث أن كثر المشاركون، عندما أصبح نشر الكتاب صناعة يهدف كثير منها إلى الربح لا الجمال، فصارت لكل منهم كلمة في ما ينبغي أن يكون عليه الكتاب، وذلك ببساطة ليضمن لهم أكبر قدر ممكن من الكسب. ولا يقتصر أولئك الدخلاء، أو المشاركون، على المحررين بشتى مهماتهم، ولكن هناك أيضاً من يعرف بالوكيل، الوكيل الأدبي.

وعن الوكيل الأدبي تحديداً، صدر أخيراً كتاب "الوسطاء: الوكلاء الأدبيون وصنع الرواية الأميركية"، ولعله غير مسبوق في موضوعه، للأكاديمية الأميركية لورا بي مكغراث أستاذ مساعد الأدب الإنجليزي في جامعة "تيمبل"، إذ تقدم فيه ما يشبه تاريخاً لدور الوكيل الأدبي في صياغة الأدب الأميركي، أو الرواية الأميركية، "الأدبية" لا التجارية.

تكتب مكغراث في صفحتها على "سبستاك"، أن "الوكلاء أكثر من محض وسطاء أو موظفين. إنما هم مناصرون، وحراس بوابات، وصناع ذائقة، وهم، كما أقول في تمهيد الكتاب، ’الذين شكلوا الأدب الأميركي عبر ذائقاتهم الفردية وقدراتهم على الإقناع. ودراسة الوكيل الأدبي دراسة للحجج والنقاشات والأسئلة الرئيسة التي طالما شغلت مجال الثقافة: ما العلاقة بين الفن والاقتصاد؟ كيف ينبغي أن يوازن الكاتب بين التزاميه المتنافسين بالجودة الأدبية وبالنجاح المالي؟ ومن الذي يحدد القيمة الأدبية، وكيف؟ وعبر دراسة هذا القاضي الأدبي العرفي، يسرد الكتاب القصة الخفية للطريقة التي صيغ بها الأدب الأميركي ولا يزال يصاغ".

كتب دان بايبنبرنغ في عدد أبريل (نيسان) من مجلة "هاربرز"، "يؤسفني أن الأمر صحيح: أنت بحاجة إلى وكيل أدبي في هذه الحياة الدنيا. وثمة أكثر من ألف وكيل أدبي اليوم في الولايات المتحدة، وهم الذين يشربون مباشرة من فوهة خرطوم المسودات. وهم المحاطون دائماً بالريبة، فالكتاب يمقتونهم (إلى أن ينجحوا في التوقيع مع أحدهم) لأنهم يقفون على الجسر القائم بين العتمة والشهرة، والمحررون يمقتونهم لأنهم يغالون في رفع أجور الكتّاب، ويصخبون في مناقشة تصميم الأغلفة، ويزعزعون ثقة الكتاب في عملية النشر. والوكلاء هم الذين يبرمون الصفقات الحديدية الخالية من الرومانسية، فهم ممثلو صناعة النشر في أشد صورها تجارية وانغلاقاً وضيقاً. ’ويحدّد الوكلاء معاييرهم الجمالية بناء على توقعاتهم لمطالب الناشرين والسوق، أو تلبية لها‘ بحسب ما تكتب لورا مكغراث في (الوسطاء)، ولكن كثيراً منهم، كما تكتب دمثون، يحمون الكتَّاب من شرور كثيرة، منها شرور أنفسهم. وقد باتت مهنتهم مركزية في الإنتاج الثقافي. فالروائي المفضل لديك، مهما يكن نزوعه التجريبي أو عداؤه للمؤسسة، لديه بلا شك وكيل أدبي يحصل على 15 في المئة من دفعات تعاقده، ويتفاوض عنه في العقود، ويحسن الحديث عنه في الحفلات، ويثنيه عن حافة الهاوية. وترى مكغراث أن دور الوكيل في صناعة الذائقة، مهضوم الحق".

من أهل الصناعة

دان بايبنبرنغ شاهد من أهل الصناعة، فقد كان يعمل في دار نشر تسمح باستقبال نصوص الكتَّاب مباشرة، دون وساطة الوكلاء، بشرط أن يرفق الكاتب بمسودته مظروفاً وطابع بريد لردها إليه عند رفضها. وكانت المسودات تتراكم في درج مكتبه، بوصفه مساعد محرر، "حتى إذا فاض بها الدرج، جمعت بقية المساعدين على غداء في غرفة الاجتماعات لفتح المظاريف والقراءة بصوت عال لفقرات من الركاكة الواضحة، قبل وضع المسودات في مظاريف لإعادتها إلى أصحابها، مع رسائل جاهزة برفض النشر، محاولين ألا نلوثها بالكاتشب أو الدهون. وكنا نتمكن من فرز قرابة مئة مسودة في الساعة، فلو كانت وسط هذا الركام تحفة أدبية فلم يكن لديّ الصبر لاستلالها من غياهب العتمة. وكنت أقنع نفسي بأن غالبية الكتاب الجديرين بالنشر سيجدون في نهاية المطاف وكلاء فيتجاوزون عهد كتابة رسائل التعريف بأنفسهم".

قد يكون تصوير دان بايبنبرنغ، الذي يشهد بصدقه كل ما اقترب من عالم النشر منا، مقنعاً بأهمية دور الوكلاء، أو أي وسطاء آخرين ينوبون عن الناشرين في فرز الغث من الثمين. غير أن نعومي كاناكيا تذكِّرنا في استعراضها المطول للكتاب ["ويمن أوف لترز" - 17 مارس (آذار) 2026] بأن إحدى طرق دراسة الأدب هي الخبرة المباشرة، "أن تقرأ كتاباً، وتدرك امتيازه، وتحاول أن تصف تجربة قراءتك له"

كان بوسع كاناكيا أن تخلص من هذه المقدمة إلى أن الناشر والمحرر لا ينبغي أن يعهدا إلى غيرهما، أي الوكيل، بمهمة الانتخاب، فهي صلب عملهما. لكنها تنتقل إلى أن لدراسة الأدب طرقاً أخرى، منها "علم اجتماع الأدب" الذي تصفه بأنه نهج جديد واعد يعنى "بدراسة كيفية إبداع الأدب" عبر "مؤسسات مترابطة: أقسام تدريس الكتابة الإبداعية، وصفحات عروض الكتب، والناشرون المرموقون، والمنح والزمالات والإقامات والجوائز". وتضيف كاناكيا مؤسسة "الوكيل الأدبي" إلى هذه المؤسسات التي تنتج الأدب "بما يخدم مصالحها الذاتية".

"الوكلاء الأدبيون هم حراس بوابات النشر المعاصر، فلو أن كاتباً يريد بيع كتاب لناشر كبير، فهو بحاجة إلى وكيل ينجح في تسويق مخطوطته لدى محرريه، وعلى رغم أن المحررين يقومون ببعض الانتقاء، فيرفضون 50 مخطوطة مقابل كل مخطوطة ينشرونها، فالوكلاء يمارسون انتقائية أدق، إذ يرفضون غالباً مئات الطلبات قبل أن يعثروا على عميل واحد"، و"العميل" هنا أي الكاتب، فكيف يُنتقى "العميل"؟

"ليس للثراء في عالم النشر إلا طريقتان: أن تصبح كاتباً ذا نجاح تجاري مبهر، أو تكون وكيلاً لهذا الكاتب، والوكلاء الذين ينصب اهتمامهم على الربح ليسوا موضوع كتاب مكغراث، وإنما الوكلاء الذين تخصصوا في الأدب المرموق، وهذه الفئة بحسب مكغراث لا تمثل غير نسبة ضئيلة من إجمال الوكلاء الأدبيين الأميركيين الذين يبلغون 1500، أغلبهم متخصصون في الأعمال غير الخيالية، أما الوكلاء المتخصصون أساساً في بيع الأدب فأكثر من 70 في المئة من صفقاتهم تتعلق بالأنواع الروائية التجارية (من قبيل روايات الرومانسية والإثارة والخيال العلمي وغيرها)".

"وقصراً للحديث على الروايات ذات القيمة الأدبية المحتملة، تكتب مكغراث أن "25 وكيلاً أدبياً فقط هم المسؤولون عن تمثيل نصف الكتاب الذين يصلون إلى القوائم القصيرة لكبرى الجوائز الأدبية في القرن الـ21. وهؤلاء الـ25 هم الذين تتناولهم مكغراث، بحسب كاناكيا، التي تعترف، توخياً للشفافية، باشتراكها مع مكغراث في وكيل أدبي واحد، وتكتب أنه لولا أن اهتمامها بموضوع الكتاب أسبق من علاقتها بالوكيل لمنعها ذلك من تناوله".

"على مدار القرن الماضي نجح عدد قليل من الوكلاء في تحقيق سمعة مستقلة كل لنفسه، منهم ستيرلينغ لورد (وكيل جاك كيرواك)، وكانديدا دوناديو (وكيلة جوزيف هيلر)، ولين نيسبيت (وكيلة جوان ديديون)، وأندرو وايلي (وكيل فيليب روث)، ومن خلال قصص هؤلاء يتكرر نمط معين: ففي كثير من الأحيان، هناك وكيل أدبي شاب، في العشرينيات من العمر يقع على مخطوطة لا يبدي أحد اهتماماً بها، ويهتم هو بها، ويناصرها بشدة، ويقنع محررين بأن لها سوقاً، وحينما تنجح المخطوطة تؤسس سمعة للوكيل، وتنشأ له مكانة من تمثيل الكتب الأدبية رفيعة المقام، (وهذه تقريباً قصة لورد ودوناديو ونيسبيت باختلافات طفيفة في ما بينها)".

ولكن ما السبيل إلى العثور على المخطوطة الواعدة؟ "من الطرق الأساسية التي يعثر بها الوكلاء على مؤلفين - في القطاع الراقي المرموق من صناعة الكتاب - قراءات المجلات الأدبية والاتصال المباشر بمؤلفي القصص القصيرة التي تعجبهم"، فالقصة القصيرة الجيدة قد تكون المفتاح لنجاح الكاتب والوكيل، لكن من المفارقات أن يبقى "بيع مجموعة قصصية أمراً بالغ الصعوبة".

تكتب مكغراث أن "القصص القصيرة تساعد الوكلاء في التعرف إلى كتَّاب ذوي مطامح أدبية، فالنشر في مجلات أدبية ذات سمعة من قبيل (بلاوشيرز) أو في أنطولوجيات مرموقة مثل (أفضل القصص القصيرة الأميركية) هو بمقام مراجعة الأقران، أو شهادة الخبراء بموهبة كاتب وبأن لعمله جمهوراً (مهما يكن محدوداً). ولكن نظراً إلى الصعوبة البالغة في بيع مجموعة قصصية، ينتظر كثير من الوكلاء من عملائهم إنتاج رواية، وتنقل مكغراث عن الكاتب والمحرر تشاد هارباك أن ’القصص القصيرة إذا لم تفضِ إلى رواية فإنها تفضي إلى العدم‘، وتنقل عن وكيل أدبي قوله ’إنني نادراً للغاية ما أتعامل مع كاتب في هذه الأيام ما لم تكن لديه بذرة أو فكرة لرواية في الأقل‘".

وتكتب مكغراث أن "المجموعة القصصية تعد على نطاق واسع أصعب صفقة يمكن أن يبرمها وكيل، فقد قال لي أحدهم ’إنني أشبِّه ذلك بالغوص الأولمبي، بمعنى أنه إذا ما قيّمنا على مقياس للصعوبة، فالمجاميع القصصية بلا شك أصعب بيعاً من الروايات، لكن من يرد أن يكون غواصاً أولمبياً فعليه أن ينجح في الأصعب والأشق، أي المجموعة القصصية‘".

وهكذا، بإعلاء الرواية على القصة القصيرة، يتبين أن الوكلاء، حتى في فئة الأدب الرفيع، لا يعنيهم تمثيل الأدب الجيد في ذاته، بقدر ما يعنيهم توفير بضاعة قابلة للترويج لدى الناشرين والقراء، ومن التيمات الشائعة في (الوسطاء) بحسب كاناكيا، أن "الوكلاء بحاجة إلى جني المال، لكنهم لا يعلون أولوية جني المال، فكثير منهم وبخاصة في الفئة الراقية من الصناعة، لديهم ما يشبه الغاية الأدبية، إذ يرون أن دورهم هو مساندة أفضل المشاريع، فإن نجحوا في بيع هذه المشاريع الرفيعة، يكون لهم جزاء في السمعة، فعلى سبيل المثال يعد أندرو وايلي ولين نيسبيت من أساطير هذا العمل، لكنهما في الأرجح لا يحققان من المال أكثر من جودي ريمر أو شين ساليرنو وهما من كبار وكلاء الروايات التجارية، ومع ذلك فإن وايلي ونيسبيت لهما سمعة يرجح أن تدوم أكثر من ريمر وساليرنو، لأنهما ببساطة يفعلان الأصعب وينجحان فيه".

سردية "الكتاب الأول"

وهكذا يقتضي الوصول إلى الناشر المرموق لفت نظر الوكيل الأدبي المرموق، كما أن لفت نظر الوكيل الأدبي المرموق لا يتحقق إلا برواية، ورواية من نوع معين، إذ تعرب كاناكيا عن اندهاشها من الأهمية البالغة لـ"الرواية الأولى"، وتحكي عن صديقة لها "تواصلت مع وكلاء، فكان كل من تعرض عليه كتابها منهم يسألها إن كانت نشرت من قبل كتباً أخرى، وبدا واضحاً أن الكتاب لو لم يكن الأول فإن كثيراً من أولئك الوكلاء لن يهتموا بتمثيله"، وذلك لأن في الصناعة مساراً لإطلاق الكتاب الأول حسبما توضح مكغراث:

"العمود الفقري هو (سردية العمل الأول)، أي قصة الكتاب والكاتب، وكيفية ظهورهما للوجود، يصوغ الكاتب والوكيل، من وراء الستار، هذه السردية، ويكون الوكيل أول من يعرضها للعلن، وتبرز النقاط الأساسية في إعلان الصفقة، ثم تتكرر بعد ذلك في الحوارات ومواد التعريف بالكاتب"، ولعل هذا يفسر قول دان بايبنبرنغ في استعراضه إن "ستيرلنغ لورد أسهم في تسويق مفهوم ’الكتاب الأول‘ برواية جاك كيرواك (على الطريق) غير مبال بأنها في حقيقة الأمر الرواية الثانية المنشورة له".

ويعتمد جزء من سردية "الكتاب الأول" على حياة الكاتب نفسه، وخلفيته "التي تؤدي دوراً كبيراً في بيع العنوان"، ففي فصل بالكتاب تحضر مكغراث جلسة لوكلاء يقيمون فيها طلبات من الكتاب، فتلاحظ أن الوكيل يضع في اعتباره خلفية الكاتب (أي قصة حياته أو مؤهلاته) عند اتخاذ قرار تمثيله، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الوكيل ينظر إلى الطريقة التي سيطرح بها الكاتب على المحررين في دور النشر، فثمة جوائز معروفة، ومؤهلات معينة، وإشارات سيرية محددة (أبرزها شباب الكاتب) يمكن من خلالها تقديم الكاتب بوصفه أعجوبة، أو موهبة مثيرة، فإن توافرت لكاتب الحمولة كاملة، يسهل كثيراً بيع كتابه".

وإذاً لا بد من أن يكون الكتاب الجديد رواية، وأن تكون الرواية هي الأولى، وأن تكون للروائي نفسه حياة قابلة للبيع، فماذا عن كتاب ليس رواية، لكاتب لا ينشر للمرة الأولى؟ ماذا عن كتاب موضوعه مثلاً "الوسطاء"، أي الوكلاء الأدبيون؟ تحكي مكغراث "عام 2024 كنت أنهي كتابي، وتواصلت مع وكيلة أدبية ذائعة الشهرة عبر تطبيق (زوم)، وكان أسلوبها فظاً، وأسئلتها في دقة النصال، فكان عليَّ أن أبذل جهداً مضنياً لأحملها على الابتسام، سألتني ’ما طرح كتابك؟‘ فقلت ’إن خير طريقة لفهم ثقافة الأدب الأميركي هي دراسة عمل الوكيل‘، وحاولت أن أباريها في الدقة فقلت إن ’الوكيل يجسد انصهار الفن والتجارة في النشر، وهو خفي عن الأنظار، لكن لا يمكن أن نفهم الأدب الأميركي من دونه‘".

"خلال الأعوام الـ10 الماضية، كان أغلب الوكلاء الأدبيين يطربون لهذا الإطراء، فها هو بعد طول انتظار شيء من الاعتراف، أما تلك الوكيلة فلم ينطل عليها إطرائي، بل رفعت حاجبيها وابتسمت ابتسامة صفراء وقالت ’وهل سيقرأ الناس هذا؟‘، فقلت بثقة تضاهي تشكيكها ’نعم، أعتقد أنهم سيقرأون‘".

لا تواصل مكغراث حكي قصة العثور على وكيل، لكن صدور "الوسطاء" دليل كافٍ على أنها وجدت الوكيل، كذلك فإنه دليل على صدق ظنها في كتابها، فحتى قبل وصوله إلى متاجر الكتب، وجد "الوسطاء" من يطلبون نسخاً مبكرة منه، ويكتبون عنه بإسهاب، ويشتبكون معه باهتمام، حتى في غير اللغة الإنجليزية.

العنوان: Middlemen: Literary Agents and the Making of American Fiction 

تأليف: Laura B. McGrath 

الناشر: Princeton University Press