وهم دعاة العولمة

نادية شادلو

مارس 22, 2026 - 14:54
وهم دعاة العولمة

لا تكون التحولات في موازين القوى سهلة أبداً. واليوم، يشهد العالم تحولاً كبيراً لا يدور بين دول متنافسة، بل بين مقاربتين متعارضتين لشكل النظام الدولي، صراع يمكن تشبيهه بتصادم بين نظامي تشغيل. فمن جهة، ترى إحدى الرؤيتين أن القضايا الأكثر إلحاحاً لا يمكن التعامل معها إلا عبر منظومة من المؤسسات العالمية وفوق الوطنية، وقواعد متعددة الأطراف. ومن جهة أخرى، تؤكد الرؤية المقابلة أن الدولة الوطنية تظل الأساس للسلطة الشرعية والعمل الفاعل وأن النتائج تعتمد في نهاية المطاف على قرارات كل دولة، وقدراتها، ومدى خضوعها للمحاسبة.

وخلال معظم حقبة ما بعد الحرب الباردة، هيمن على التفكير الدولي ما يمكن تسميته نهج "العالم أولاً". فقد تبنت الحكومات والمنظمات الدولية والجهات غير الحكومية افتراضاً مشتركاً مفاده بأن التحديات المرتبطة بالأمن والاضطراب الاقتصادي والهجرة والأوبئة وتغير المناخ، تتطلب حلولاً عالمية. وأدى انهيار الاتحاد السوفياتي وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية إلى تسريع العولمة الاقتصادية، مما عزز الاعتقاد لدى قادة الولايات المتحدة وأماكن أخرى بأن المؤسسات العالمية هي الأقدر على التعامل مع التعقيدات والحفاظ على السلام. وعلى مدى عقود، روّجت هذه المؤسسات، ومعها الحكومات وحشد كبير من المنظمات غير الحكومية الداعمة لها، لعقيدة مشتركة مفادها بأن الهيئات العالمية وحدها قادرة على معالجة المشكلات الكبرى التي تحدد ملامح العصر.

ومع ذلك، جاءت نتائج هذا النموذج القائم على إعطاء الأولوية للبعد العالمي متفاوتة في أفضل الأحوال. فعلى رغم عقود من المفاوضات، ما زالت انبعاثات غازات الدفيئة العالمية في ارتفاع، ولا يسير أي اقتصاد كبير على المسار الصحيح لبلوغ الأهداف التي حددها "اتفاق باريس للمناخ" لعام 2015. كذلك، بلغ عدد النازحين مستويات قياسية، وأدت الهجرة إلى زعزعة السياسة الداخلية في كثير من البلدان، فيما أصبحت النزاعات المسلحة أكثر عدداً وأطول أمداً من أي وقت منذ نهاية الحرب الباردة. وكشفت جائحة كورونا عن إخفاقات الحوكمة الصحية العالمية، في حين جاء التقدم نحو تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة أقل بكثير من الطموحات المعلنة.

وفي الوقت نفسه، صعدت الصين بسرعة داخل هذا النظام العالمي، مراكمة قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية، فيما كانت تستغل بصورة انتقائية القواعد والترتيبات الدولية. واليوم، تمثل الصين أخطر تحدٍ استراتيجي تواجهه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، بما ينسف الفكرة القائلة إن مزيداً من الاندماج والانضواء متعدد الأطراف كان سيقود إلى نظام دولي أكثر تعاوناً واستقراراً.

وبدلاً من مراجعة أسباب تعثر عقود من الجهود العالمية، يتمسك كثير من القادة بمواقفهم. ومن أبرزهم الأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش الذي لا يكف عن التحذير من أن التعددية "تتعرض لهجوم"، مؤكداً أنه لا سبيل إلى المضي قدماً إلا عبر "عمل جماعي رشيد من أجل المصلحة العامة". لكن ما يغفله هذا الطرح إلى حد بعيد هو احتمال أن تكون المشكلة كامنة في حدود نهج "العالم أولاً" ذاته.

وخلال العقد الثاني من القرن الـ21، بدأت الشكوك التي كانت تتراكم منذ زمن طويل حيال النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب الباردة تطفو على السطح. فقرار المملكة المتحدة مغادرة الاتحاد الأوروبي عام 2016، فضلاً عن تصاعد الضيق في أوروبا وغيرها من المؤسسات فوق الوطنية، كانا قد بدآ بالفعل بتقويض كثير من الافتراضات التي صاغت سياسات الحكومات الغربية بعد عام 1991. وسرّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا التحول حين تولى منصبه عام 2017، لكنه لم يكن من بدأه.

وفي ولايته الثانية، قال ترمب خلال خطابه أمام الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) عام 2025 إن المنظمة، على رغم "إمكاناتها الهائلة جداً، لم تقترب حتى من الارتقاء إلى مستوى تلك الإمكانات". وجاء في استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 أن "الدولة القومية هي الوحدة السياسية الأساسية في العالم، وستظل كذلك". وعلى رغم الانتقادات الواسعة التي أثارها انسحابه من عشرات المنظمات الدولية، ودعوته في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى إنشاء "مجلس للسلام" يتجاوز مجلس الأمن الدولي، وتقليصه المساعدات الخارجية، وطعنه في كثير من المسلمات التي حكمت سياسات التجارة والهجرة، فإن هذه السياسات تعكس رفضاً أوسع للنهج الذي يقدم الأطر العالمية على ما عداها. ففي قضايا مثل إيران وفنزويلا، يبدو واضحاً أن ترمب يفضل التحرك وفق منطق المصلحة الوطنية والتنسيق الدفاعي مع الحلفاء، من دون أن يجعل الرجوع إلى الهيئات الدولية شرطاً مسبقاً للتحرك.

لكن خلف استعراضات ترمب يكمن طرح متماسك: فالدول وحدها هي التي تنتج المشكلات، إذ إن صناعاتها هي التي تلوث؛ وهي التي تختبر تبعات هذه المشكلات، إذ إن مواطنيها هم من يعانون؛ وهي أيضاً التي تملك وسائل معالجتها، من إيرادات وبنية تحتية وخدمات. ومن ثم، فإن الدول التي تتحرك سعياً إلى تحقيق مصالحها الخاصة، بصرف النظر عن انعكاسات ذلك على ما يسمى "النظام الدولي" وقواعده، هي وحدها القادرة على حل المشكلات التي عجزت المؤسسات والعمليات العالمية حتى الآن عن معالجتها.

ويعمل الإطار العالمي على نحو يشبه صيغة المبني للمجهول في اللغة الإنجليزية: فهو يفصل المسؤولية الفعلية عن المشكلات، ويحجب أسبابها الحقيقية. كما أنه يفضي إلى عمليات تنظيمية معقدة تعرقل التقدم الحقيقي. وحتى المدافعون عن المقاربات العالمية يقرون بأن المفاوضات الدولية كثيراً ما تُغرق المسؤولين في شبكات كثيفة من الاجتماعات والإجراءات والقواعد. وهذه الطبقات من التعقيد تبطئ العمل، أو تشله تماماً.

ولهذا تكتسب الخلافات بين هذين النهجين المتنافسين في إدارة الشؤون الدولية أهمية كبيرة. فهي تضغط على التحالفات وتعقد الشراكات وتغذي الاتهامات بالانعزالية، فيما تترك كثيراً من الفئات الأكثر هشاشة في العالم من دون تحسن يذكر. ومن خلال تحدي الأطر العالمية المتعثرة، يمكن لنهج يضع الدولة في المركز أن يفضي إلى تغيير إيجابي حقيقي، وأن يعيد الدول لقلب الفعل العملي.

صعود النهج العالمي

أسهمت الولايات المتحدة في تشكيل النظام العالمي في القرن الـ20، وفي الوقت نفسه تأثرت به. فقد أدت أهوال الحرب العالمية الأولى التي قُتل فيها نحو 20 مليون شخص باستخدام أساليب قتال حديثة وواسعة التدمير، إلى تقويض الثقة بالدولة القومية باعتبارها أساس النظام الدولي. وفي أعقاب ذلك مباشرة، ظهرت "عصبة الأمم" بوصفها أول تجربة كبرى فوق وطنية في مجال الأمن الجماعي. ووصف الرئيس الأميركي آنذاك وودرو ويلسون العصبة بأنها "مجتمع قوة"، مؤكداً أن على الدول أن تتخلى عن جزء من حرية حركتها لمصلحة مجلس مشترك حفاظاً على السلام.

أما الروائي هربرت جورج ويلز، فذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أنه "لا يمكن أن يكون هناك أي تخفيف كبير للشرور التي تظلل حياة البشر الآن وتهدد بتدميرها تماماً، ما لم تلتزم جميع الشعوب المتحضرة والراغبة في السلام في العالم، وتترابط معاً في ظل قانون مشترك وسياسة عالمية مشتركة".

لكن "عصبة الأمم" فشلت في منع فوضى "الحرب العالمية الثانية"، ومن المشكوك فيه أنها كانت ستنجح، حتى لو انضمت إليها الولايات المتحدة. وبعد تلك الحرب، سعت الدول مجدداً إلى بناء سلام أكثر رسوخاً.

وبرزت الولايات المتحدة بوصفها المهندس الرئيس للنظام الدولي في مرحلة ما بعد عام 1945، مستخدمة قوتها الاقتصادية والعسكرية التي لا تضاهى لإنشاء مؤسسات عالمية جديدة. فقادت تأسيس الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة الذي نظمت التجارة العالمية لما يقارب خمسة عقود قبل إنشاء منظمة التجارة العالمية.

ومع مرور الوقت، تنازلت الدول الأعضاء عن بعض عناصر سيادتها، فمنحت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة صلاحية تحديد التهديدات التي تمس السلام، ومكّنت منظمة التجارة العالمية من الفصل في النزاعات التجارية والإذن بفرض رسوم جمركية انتقامية، وسمحت لصندوق النقد الدولي بإقراض مبالغ كبيرة للدول التي تواجه اختلالات في ميزان المدفوعات، مقابل وعد بعالم أكثر استقراراً. وهكذا، لم تعُد سلطة الدول مقيدة بالدساتير الوطنية وحسب، بل أيضاً بالقانون الدولي وقواعد المؤسسات الدولية.

وفي أوروبا، حيث كانت القومية غذّت بعض أكثر صراعات القرن الـ20 تدميراً، تزايدت الضغوط من أجل إيجاد بدائل لسلطة الدولة القومية. وقامت المجموعة الاقتصادية الأوروبية التي تأسست عام 1957 وتوسعت لاحقاً لتصبح الاتحاد الأوروبي، على الاعتقاد بأن الترابط الاقتصادي قادر على كبح الصراع. ورأى القادة الأوروبيون أنه من خلال تعميق التكامل والحد من السيادة الوطنية، يمكن جعل الحرب ليس فقط أمراً غير مرغوب فيه، بل أمراً غير مرجح أيضاً.

ومع مرور الوقت، اكتسبت الجهود العابرة للحدود وفوق الوطنية، الساعية إلى تجاوز الدولة القومية، زخماً متزايداً، واتسع نطاق صلاحيات المؤسسات الدولية تدريجاً.  فأصبحت الأمم المتحدة تضم عشرات الصناديق والبرامج والوكالات المتخصصة. وتحوّل صندوق النقد الدولي من تركيزه الضيق على دعم ميزان المدفوعات إلى دور أوسع بكثير يشمل مراقبة الاقتصاد الكلي والإقراض في أوقات الأزمات والإصلاحات الهيكلية، بينما توسعت منظمة التجارة العالمية لتصبح نظاماً شاملاً ينظم الخدمات وحقوق الملكية الفكرية وتسوية النزاعات.

وفي الوقت نفسه، أصبح كثير من هذه الهيئات أقل خضوعاً للمحاسبة أمام الدول. فكثيراً ما تشعر الدول المانحة بالإحباط لأن وكالات التنمية التابعة للأمم المتحدة تعدّ نفسها مستقلة عن الحكومات التي تمولها، حتى عندما تطلب هذه الحكومات تدقيقاً في كيفية إنفاق أموالها. ولا تمارس الدول الأعضاء سوى سيطرة محدودة على البنك الدولي. ومع ازدياد أعداد الموظفين وتنامي الموازنات واتساع الصلاحيات، بدأت هذه المؤسسات تتحول تدريجاً من أدوات بيد الدول إلى كيانات تمتلك أجنداتها الخاصة.

وأسهم انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة في ترسيخ الاعتقاد بأن مجتمعاً دولياً جديداً آخذ في التشكل، وبأن صعود الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة سيقود إلى نظام للأمن الجماعي ومنطقة سلام ديمقراطية آخذة في الاتساع.

وبعد سقوط جدار برلين، رحب الرئيس الأميركي جورج بوش الأب ببداية عهد جديد. وفي وقت لاحق، بعدما دانت الأمم المتحدة غزو الزعيم العراقي صدام حسين للكويت عام 1990، قال إن بوسع الدول الآن "اغتنام الفرصة لتحقيق الوعد الذي طال انتظاره بنظام عالمي جديد، فلا يمر العنف من دون عقاب، ويواجَه العدوان بمقاومة جماعية".

كذلك، استند انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 إلى مجموعة مماثلة من الافتراضات. فاعتقد صناع السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا بأن دمج الصين في الأسواق والمؤسسات العالمية سيشجع على تحرير اقتصادها، ويعرّض بكين للقواعد والمعايير الدولية، ويؤدي تدريجاً إلى تهدئة طموحاتها الاستراتيجية.

ومع ازدياد ثراء الصين وتعاظم اندماجها في الاقتصاد العالمي، توقع كثرٌ أن تتحول إلى طرف مسؤول في النظام الدولي الليبرالي. لكن ذلك لم يحدث، إذ استخدمت بكين اندماجها في الاقتصاد العالمي لتعزيز ثروتها، بل تهديد ذلك النظام.

وترسخت هذه الذهنية العالمية أيضاً مع صعود الشركات متعددة الجنسيات التي بات يُنظر إليها على نحو متزايد على أنها جهات فاعلة عالمية. وعلى رغم خضوعها رسمياً للقوانين الوطنية، فإن حجمها وانتشارها يتيحان لها، في كثير من الأحيان، التأثير في سلوك الدول. فشركات التكنولوجيا تؤثر في القرارات التنظيمية المتعلقة بالضرائب والخصوصية وإتاحة الوصول إلى الأسواق، كذلك تتفاوض شركات الطاقة مباشرة مع الحكومات في شأن الاستثمارات والعقوبات وسياسات المناخ، في حين تمارس الشركات المالية التي تفوق أصولها في كثير من الأحيان الناتج المحلي الإجمالي لعدد من الدول، نفوذاً من خلال تخصيص رأس المال والتفاعل مع الجهات التنظيمية والبنوك المركزية.

وفي الوقت نفسه، تعمقت ظاهرة التفكير الجمعي على المستوى العالمي. فقد روّج الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان لفكرة "المشكلات التي لا جوازات سفر لها"، معتبراً أن كثيراً من التحديات كان شديد التشعب إلى حد يجعل الدول عاجزة عن معالجتها بمفردها. وعلى سبيل المثال، صنّف "إعلان الأمم المتحدة للألفية" الصادر عام 2000 قضايا مثل الجوع والفقر والنزاعات والظلم الاجتماعي على أنها مشكلات عالمية، وهي رؤية تجسدت لاحقاً في أهداف التنمية المستدامة لعام 2015.

وعلى رغم إقرار المنظمة الدولية الآن بأن كثيراً من هذه الأهداف لن يتحقق، فإنها تتجنب إلى حد كبير التساؤل عما إذا كانت طموحاتها في الأساس واقعية. وخلال الآونة الأخيرة، روّجت الأمم المتحدة لمقاربات عالمية لإدارة الأخطار المرتبطة بـ"الذكاء الاصطناعي".

وهيمنت ذهنية عالمية على قطاعات واسعة من المجتمع المدني ودوائر الرأي والتحليل. وبحلول سبعينيات القرن الماضي، نشأت حركة غير رسمية للحوكمة العالمية إلى جانب المؤسسات الرسمية، معتبرة أن الترابط المتزايد بين الدول يتطلب تعاوناً متعدد الأطراف أو "إدارة مشتركة"، وهو المصطلح الذي استخدمته "اللجنة الثلاثية"، وهي إحدى الهيئات العابرة للحدود التي تأسست في تلك الحقبة.

وبحلول تسعينيات القرن الـ20، ترسخت هذه الأفكار وتحولت إلى ما يشبه العقيدة. فأشاد معلقون مؤثرون مثل توماس فريدمان بالعولمة بوصفها القوة المهيمنة التي تشكل السياسات الداخلية والعلاقات الخارجية، وأصبحت آلاف المنظمات غير الحكومية مرتبطة رسمياً بالأمم المتحدة، مما أدى إلى دمج جهات فاعلة من غير الدول في المؤسسات العالمية.

كذلك وجد الإطار العالمي طريقه إلى كثير من المبادرات في الولايات المتحدة وأوروبا. فاستندت مبادرة "بناء عالم أفضل" التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إلى "رؤية موحدة لتطوير البنية التحتية العالمية". وهدف مشروع "البوابة العالمية" الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي إلى معالجة "أكثر التحديات العالمية إلحاحاً"، بما في ذلك تغير المناخ والأوبئة وأمن سلاسل الإمداد العالمية. وهكذا، تشكلت بنية عالمية قوية رسمت ملامح النظام الذي أعقب الحرب الباردة، لكن هذا النظام اتضح في النهاية أنه كان هشاً بقدر ما كان طموحاً.

حدود المقاربة العالمية

بعد أكثر من 75 عاماً على الاندفاعة نحو تبني المقاربات العالمية في أعقاب "الحرب العالمية الثانية"، تراجع التفاؤل الذي حفز دعم هذه المؤسسات، ليحل محله إدراك أكثر واقعية. فقد توسعت بنية الحوكمة العالمية، لكن فاعليتها لم تتحسن بالمقدار المأمول. وكان من المفترض أن يولّد النظام العالمي قوة جماعية، فتتمكن الدول، عبر العمل معاً، من تحقيق إنجازات أكبر وتعظيم أثر الموارد، غير أن الواقع أظهر أنه أوجد طبقات من البيروقراطية استنزفت الموارد بدلاً من توجيهها إلى معالجة المشكلات القائمة. وهكذا، حلّ الانشغال بالإجراءات محل التركيز على النتائج.

أما قضية تغير المناخ، فجرى التعامل معها على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بصورة أساسية من خلال أطر عالمية متعددة الأطراف برعاية الأمم المتحدة. وعلى رغم التحذيرات المتواصلة من التهديد الوجودي الذي يمثله تغير المناخ، بلغت الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون أعلى مستوياتها على الإطلاق عام 2025. كما أن جميع دول "مجموعة العشرين" ليست على المسار الصحيح لتحقيق هدف "اتفاق باريس للمناخ" لعام 2015، المتمثل في حصر الاحترار العالمي دون درجتين مئويتين بحلول نهاية القرن. ومن الواضح أن النهج العالمي لخفض الانبعاثات الكربونية لا يحقق النتائج المرجوة.

وفي مجال حقوق الإنسان، غالباً ما أثبتت الاستجابات متعددة الأطراف عدم فاعليتها، بل جاءت أحياناً بنتائج عكسية. فأدى استعداد المؤسسات الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة، للتعامل مع الأنظمة الاستبدادية باعتبارها أطرافاً شرعية، إلى تحصين هذه الدول من اللوم والإدانة. ويبرز هذا الإخفاق بوضوح في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي كثيراً ما وقع تحت تأثير بعض أسوأ منتهكي حقوق الإنسان في العالم. ففي حين يصدر المجلس قرارات وينظم حوارات، تواصل إيران قتل المدنيين وسجنهم بلا محاسبة، وتُخضع الصين مسلمي الإيغور لنظام صارم من الاحتجاز التعسفي والمراقبة. وهكذا، كثيراً ما انتهى الأمر بآليات حقوق الإنسان متعددة الأطراف إلى حماية الجناة بدلاً من الحد من ممارساتهم.

وعلى صعيد التنمية، كثيراً ما تتبنى المؤسسات الدولية أجندات شديدة الطموح، لكنها تظل مجردة وبعيدة من الواقع، متجاهلة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تحدد ما إذا كانت المساعدات قادرة فعلاً على إحداث أثر. وعلى رغم التفاوت الكبير في قدرات الدول وخصوصياتها المحلية، تنطلق مبادرات مثل "أهداف التنمية المستدامة" التي أقرتها الأمم المتحدة من افتراض أن "جميع البلدان وجميع الجهات المعنية" قادرة على إنجاز طيف واسع من الأهداف، من القضاء على وباء الإيدز إلى إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030.

لكن مئات ملايين الناس ما زالوا يفتقرون إلى الكهرباء بصورة موثوقة، ويتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وتستمر أزمة شح المياه بالتفاقم في كثير من المناطق. وبينما تشير الأمم المتحدة إلى انخفاض نسبة الفقر عالمياً بين عامي 1990 و2015، فإنها تقر أيضاً بأن نسبة كبيرة من سكان العالم ستبقى تعاني الفقر إلى ما بعد عام 2030. وبالمثل، يعترف البنك الدولي بأن التقدم في الحد من الفقر تباطأ، وأن رفع الجميع فوق عتبة متواضعة تقارب ستة دولارات يومياً ربما يستغرق، وفق المعدلات الراهنة، أكثر من قرن. ويبقى من غير الواضح كيف يمكن لإعادة التزام هذه العمليات العالمية نفسها مثل عقد مزيد من القمم وتعزيز التنسيق الدولي، أن تؤدي إلى نتائج أفضل.

وبعد انتهاء الحرب الباردة، ساد اعتقاد واسع بأن التجارة الحرة ستسهم في الحد من الفقر العالمي. فالتجارة الليبرالية سترفع مستوى الجميع، فيما تتولى هيئة فوق وطنية مثل منظمة التجارة العالمية ضمان استمرار هذا المد التصاعدي. لكن من الناحية العملية، واجهت المنظمة صعوبات في جعل التجارة حرة بالفعل. فقد كشفت الاختلالات المستمرة مثل الدعم الذي تقدمه الصين وممارساتها التجارية غير العادلة، و"السياسة الزراعية المشتركة" للاتحاد الأوروبي التي تحمي المنتجين الأوروبيين عبر الدعم ودعم الأسعار، عن عجز المنظمة عن كبح نزعات الحمائية المتجذرة. وزادت هذه التحديات تعقيداً بسبب عجز منظمة التجارة العالمية عن التمييز بوضوح بين الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة، وهو خلل يظهر بوضوح في الحالات المرتبطة بالصين، حيث يتلاشى الفاصل بين الدولة والسوق.

وأصبحت الهجرة من أبرز بؤر التوتر في الصراع بين النهج العالمي والنهج الوطني، إذ يسعى عدد متزايد من المهاجرين إلى دخول الدول بصفتهم طالبي لجوء، حتى حين تكون دوافعهم في معظمها اقتصادية. وأدى هذا الواقع إلى إنهاك أنظمة اللجوء وإثارة توترات سياسية في كثير من الدول المستقبِلة. ومع ذلك، وبدلاً من مراجعة ما إذا كان هذا النظام يؤدي وظيفته كما ينبغي، يطالب المدافعون عنه بزيادة التمويل لـ"مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين"، بما يكرس نموذجاً يوسع البيروقراطية الإنسانية من دون معالجة الأسباب الجذرية للنزوح.

وفي ما يتعلق بمنع الانتشار النووي والتعامل مع التهديدات المباشرة التي تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها، أخفقت المقاربات العالمية مراراً في تحقيق النتائج المطلوبة. فعلى مدى عقود، اعتمدت الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات متعددة الأطراف، إلى جانب تحالفات موقتة، على الدبلوماسية وعمليات التفتيش والضغط الاقتصادي للحد من الطموحات النووية لدول مثل إيران وكوريا الشمالية. وفي الحالتين، أسهمت الاتفاقات وقرارات الأمم المتحدة أحياناً في إبطاء بعض جوانب هذه البرامج، لكنها لم تنجح في وقف زخمها الأساسي.

وفي حالة إيران، قيدت "خطة العمل الشاملة المشتركة" بصورة موقتة بعض عناصر برنامج طهران النووي، من دون تفكيك قدرات التخصيب أو البنية التحتية اللازمة لاستئناف التقدم. أما في كوريا الشمالية، ففشلت الاتفاقات المتتالية والمفاوضات والعقوبات في منع بيونغ يانغ من تطوير برامجها النووية والصاروخية الباليستية، بما أتاح لها تجاوز العتبة النووية. وفي الحالتين، استغل النظامان المفاوضات لكسب الوقت أو تخفيف الضغوط أو تعزيز الشرعية، بينما واصلا في الوقت نفسه توسيع قدراتهما. ولم يحدث تعطيل ملموس لمسار إيران النووي إلا عبر إجراءات عسكرية مباشرة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي خطوات قوبلت حتماً بإدانة دولية، في حين أن غياب إجراءات إنفاذ مماثلة بحق كوريا الشمالية سمح لبيونغ يانغ بالتحول إلى قوة نووية بحكم الأمر الواقع. وتشير هاتان الحالتان إلى أن الإصرار على التوافق متعدد الأطراف والحصول على موافقة عالمية لم يمنعا الانتشار النووي، بل أسهما أحياناً في تسهيله، من خلال إعطاء الأولوية للإجراءات على حساب النتائج.

وفي هذه المجالات وغيرها، يتوصل كثير من القادة الذين يواجهون الأزمات المتتالية الراهنة إلى التشخيص نفسه وهو أن المشكلة تكمن في نقص التعاون العالمي. وبدلاً من النظر في مقاربات بديلة، يصر مؤيدو النهج العالمي على أن الحل الواضح يكمن في تعزيز المؤسسات القائمة من خلال منحها مزيداً من الصلاحيات والتمويل والجهد.

وفي مجال السياسات الاقتصادية، حذر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي عام 2023 من أن التشرذم الجيو-اقتصادي يقوض الأهداف المشتركة، ورأى أن استعادة الثقة تتطلب "شبكة أمان مالية عالمية قوية يكون صندوق النقد الدولي المزوّد بالموارد الكافية في صميمها"، غير أن هذا المنطق يخلط بين التنسيق والمركزية المؤسسية، متجاهلاً حدود السلطة المركزية. ويظهر المنطق نفسه في المجال الأمني، وغالباً على حساب مصالح الولايات المتحدة. فمع تزايد النزاعات، ركزت الدعوات إلى إحياء الأمن الجماعي على تعزيز مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، على رغم عقود من الشلل الناتج من الاستخدام السياسي لحق النقض وتنافس القوى الكبرى. فمن سوريا إلى أوكرانيا إلى غزة، لم ينجح الجمود داخل الأمم المتحدة في ردع العدوان أو حماية حلفاء الولايات المتحدة، مما دفع واشنطن إلى الاعتماد على تحالفات موقتة وإجراءات أحادية. وعلى رغم أن آليات الأمن العالمية غالباً ما تعجز عن حماية المصالح الأميركية، فإن كثيراً من صناع السياسات يرون أنها تحتاج ببساطة إلى مزيد من التمكين.

ويتكرر النمط نفسه في سياسات المناخ. فأدى الإخفاق في تحقيق الأهداف إلى المطالبة بمزيد من التعهدات الطموحة والتمويل، بدلاً من إجراء تقييم جاد لمدى قدرة الأطر القائمة على التوافق على تحقيق نتائج في ظل تباين الأولويات الوطنية. ويتكرر هذا النهج أيضاً في مجال الصحة العالمية، إذ دفعت الإخفاقات التي كشفت عنها جائحة كورونا إلى المطالبة بتعزيز دور منظمة الصحة العالمية، في حين كان الأجدر إخضاع أداء العمليات العالمية المركزية في مواجهة الأزمات الكبرى لمزيد من التدقيق.

وتشير هذه الحالات إلى اتجاه أوسع: فعندما تتراجع فاعلية الأطر العالمية، يرفض المدافعون عنها تغيير المسار. ومع ذلك، كثيراً ما تحقق التعاون بصورة أكثر فاعلية عبر ترتيبات إقليمية واتفاقات ثنائية وسياسات تتناسب مع قدرات كل دولة على حدة. والسؤال ليس ما إذا كان التعاون ضرورياً، فهو كذلك بطبيعة الحال، بل ما إذا كان تكرار تعزيز المقاربات العالمية ذاتها مرة بعد مرة يحمي المصالح الحيوية، أو أنه يخلط بين الإجراءات وإحراز التقدم.

نظام راسخ

إن تجربة نظام تشغيل جديد تستحق المحاولة. فمعالجة أوجه القصور في المؤسسات العالمية لا تكون بمزيد من الخضوع لها، بل بالعودة لنقطة البداية: الدولة القومية. ويقوم النهج المرتكز على الدولة على إدراك أن الدول، لا المؤسسات العالمية، هي المسؤولة مباشرة أمام المواطنين. ففي الأنظمة الديمقراطية، تتحمل الحكومات عواقب سياسية عندما تفشل، وهي سلسلة من المساءلة تضعف عندما تُفوض السلطة إلى منظمات دولية. وتمتلك الدول أيضاً القدرات اللازمة لمعالجة المشكلات. فبينما تستطيع الهيئات العالمية تنظيم النقاشات وإصدار القرارات، فإن القدرة على التمويل والتنظيم والقتال تبقى بيد الحكومات ذات السيادة. وعليه، فإن النهج الذي يضع الدولة في المقام الأول يعزز كلاً من المساءلة والفاعلية.

وأفضل وسيلة لتحقيق التعاون الفاعل هي من خلال تحالفات الراغبين، لا عبر أطر عمل توزع السلطة على منتديات متعددة الأطراف ذات مصالح متباينة. فالعمل الجماعي ينجح عندما تتفق الدول المشاركة على الأهداف والوسائل، أما الإصرار على إشراك أطراف ذات أهداف متعارضة في عملية صنع القرار، فيؤدي غالباً إلى الشلل بدلاً من التقدم. ويقوم النهج المرتكز على الدولة على التسليم بأن التعاون لا يمكن افتراضه، ولا سيما مع المنافسين أو الخصوم، وأن الترتيبات الواسعة القائمة على التوافق نادراً ما تفضي إلى نتائج ملموسة. وبدلاً من ذلك، يعطي الأولوية لتعاون عملي بين الحلفاء والشركاء من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق السياسات وبناء قدرات مشتركة، على أسس من القوة الفعلية والأنظمة السياسية المتقاربة وتوافق المصالح الوطنية.

ويقر النهج المرتكز على الدولة أيضاً بأن عامل الزمن عنصر حاسم في نجاح أية سياسة. فعندما تنغمس الدول في مفاوضات متعددة الأطراف طويلة الأمد، يتحول الوقت إلى عبء يؤخر التحرك، فيما تتفاقم المشكلات. فالعمليات العالمية تتحرك ببطء شديد، إن لم تتعطل بالكامل. أما الدول، فتوفر فرصة أفضل للتحرك بسرعة ومرونة وتحقيق نتائج ملموسة.

ويمكن أن تكون تحركات الدول أكثر فاعلية من تلك التي تقوم بها الهيئات العالمية في مجالات عدة. ولنأخذ سياسة المناخ مثالاً. فالمقاربة المرتكزة على الدولة تتيح مواءمة أفضل بين الأهداف المناخية وواقع حاجات الدول إلى أمن الطاقة والنمو والتنمية التكنولوجية. كما أن خيارات الطاقة الناشئة مثل الطاقة الحرارية الجوفية والانشطار والاندماج النوويين، لن تبلغ مرحلة النضج إلا عندما توفر الحكومات الوطنية الأطر التنظيمية والتمويل والبنية التحتية والالتزامات السياسية اللازمة لدعم تطورها. وقد أشار المؤرخ الاقتصادي دانيال يرغين إلى أن التحول في مجال الطاقة سيسلك مسارات مختلفة في أنحاء العالم، وبوتائر متباينة، وبمزيج متنوع من الوقود والتقنيات، وفقاً للمسارات التي ترسمها الحكومات لنفسها. وفي المحصلة، فإن المقاربة المرتكزة على الدولة في التعامل مع تغير المناخ تدرك أين تكمن فعلياً المسؤولية والسلطة والقدرة.

وعلى نحو مماثل، ينبغي للدول أن ترسم نظاماً تجارياً دولياً من خلال أفعالها، لا عبر خضوعها لهيئات متعددة الأطراف. ففي عالم تتباين فيه النظم الاقتصادية، توفر الاتفاقات التجارية الثنائية والإقليمية مقاربة أكثر واقعية لإدارة التجارة وحماية المصالح الاستراتيجية مقارنة بمؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية. وعلى خلاف الأطر متعددة الأطراف التي تتطلب توافقاً بين عشرات الدول، غالباً ما تكون ذات نماذج اقتصادية غير متوافقة، تتيح هذه الاتفاقات لدول متقاربة التوجهات التفاوض على قواعد يُرجح تطبيقها وإنفاذها. كما أن الاتفاقات التجارية بين شركاء متقاربين مؤسسياً تكون أكثر فاعلية من الأنظمة الشاملة التي تحاول فرض قواعد موحدة على نظم مختلفة جذرياً. وفي اقتصاد عالمي يزداد تجزؤاً، يقدم هذا النموذج مساراً واقعياً للمضي قدماً: تكامل تجاري بين شركاء راغبين وقادرين وجديرين بالثقة، بدلاً من قواعد الحد الأدنى المشتركة التي تعجز عن كبح أكثر الممارسات إخلالاً بعدالة المنافسة.

وفي مجال الصحة العالمية، كانت "الخطة الطارئة للإغاثة من الإيدز" التي أطلقتها الولايات المتحدة عام 2003، إحدى أنجح مبادرات واشنطن. فقد صمم هذا البرنامج وقادته الولايات المتحدة، مستنداً إلى مقاربة تتمحور حول الدولة، وموّل مئات المبادرات التي أسهمت في خفض ملموس في معدلات الوفيات والإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، ولا سيما في أفريقيا. وأظهر هذا النجاح بوضوح فاعلية المساعدات الموجهة القائمة على البيانات، عندما تكون مرتكزة إلى قيادة وطنية واضحة ومصحوبة بآليات مساءلة.

وبعد أعوام، أقرت إدارة الرئيس باراك أوباما ضمناً بهذه الحقيقة من خلال "أجندة الأمن الصحي العالمي" التي شددت على التزامات وطنية ملموسة لتعزيز قدرات الصحة العامة داخل الدول، بدلاً من السعي إلى إقرار قواعد عالمية جديدة. وانطلقت هذه المقاربة من فرضية أن مواجهة الأوبئة تعتمد في المقام الأول على قوة مؤسسات الدولة وكفاءتها. وجاءت هذه المبادرة بمثابة تصحيح للأطر التي تقودها منظمة الصحة العالمية والتي فرضت التزامات من دون أن تفضي إلى تحسينات وطنية مستدامة.

وفي مجال الدفاع، يُعد "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) مثالاً بارزاً على النهج القائم على الدولة. فعلى رغم أن المادة الخامسة من ميثاق الحلف تلزم الحلفاء الدفاع المشترك، فإنها تحافظ عمداً على السيادة الوطنية: فكل دولة تحتفظ بالسيطرة على قواتها وبسلطة تحديد كيفية استخدامها وتوقيت ذلك. ولا يحل الحلف محل الجيوش الوطنية، بل يعتمد عليها. وينبع الردع من قدرة الدولة نفسها: من جودة القوات الوطنية وجاهزيتها وصدقيتها، إلى جانب الإرادة السياسية الداعمة لها. وينجح نظام الدفاع المشترك لأنه ينسق قدرات الدول ويوجهها نحو هدف مشترك.

وإضافة إلى التحالفات الرسمية، أثبتت التحالفات الأصغر والمصممة لغرض محدد أنها أكثر فاعلية، في كثير من الحالات، من الأطر العالمية في مواجهة التهديدات المباشرة. ومن أبرز هذه التحالفات اتفاق "أوكوس" بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، الهادف إلى ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فضلاً عن التعاون الثنائي بين اليابان والولايات المتحدة. وتنجح هذه الاتفاقات لأنها تحظى بدعم الولايات المتحدة وتوجيهها. ولنأخذ على سبيل المثال الدور الحيوي الذي قامت به المساعدة الأميركية في إنقاذ أوكرانيا من السقوط الكامل في قبضة الغزو الروسي. فلم تردع المؤسسات العالمية أو الأعراف الدولية روسيا عن غزو أوكرانيا، لكن عمليات نقل الأسلحة التي قدمها حلف شمال الأطلسي ودعمه العسكري المستمر لكييف قيّدا قدرتها. وعلى رغم إدانات المحافل الدولية للغزو، فإن القوة المادية للحلف وتنسيقه وصدقيته هي التي حدّت من اتساع رقعة الحرب، ورفعت كلفة أي تصعيد إضافي.

وبالمثل، لم يتحقق الانتصار الإقليمي على "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش) في سوريا والعراق عام 2019 عبر آليات الأمم المتحدة، بل من خلال تحالفات بقيادة الولايات المتحدة ضمت دولاً راغبة في التحرك، وجمعت بين تبادل المعلومات الاستخباراتية واستخدام القوة العسكرية الموجهة وبناء قدرات الشركاء. وفي جميع هذه الحالات، اعتمدت النتائج الأمنية بدرجة أقل على المؤسسات العالمية، وبدرجة أكبر على تحالفات من دول قادرة تتحرك بحزم عندما تتوافق مصالحها.

وينطبق منطق مشابه في مجال مكافحة الانتشار النووي. فقد أُطلقت "مبادرة الأمن ضد الانتشار" عام 2003 من قبل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، كإطار عمل طوعي لمكافحة الانتشار، ولم تكُن معاهدة أو هيئة فوق وطنية، بل آلية عملية تهدف إلى تعزيز السلطات الوطنية وتبادل المعلومات الاستخباراتية واعتراض شحنات الأسلحة غير المشروعة، بما في ذلك المواد النووية ومكونات الصواريخ. واعتمدت هذه المبادرة على العمل الوطني المنسق، لا على المؤسسات فوق الوطنية الرسمية، لتنفيذ مهمتها. كذلك منحتها هذه المرونة القدرة على التكيف عبر مبادرات إقليمية، من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهادئ، والحفاظ على فاعليتها مع تطور طرق انتشار الأسلحة ومساراته.

وفي مجال التنمية، تشير مجموعة متزايدة من الدراسات إلى أن الجهود الدولية لدعم الاقتصادات الأضعف لا تستطيع تجاوز محدودية قدرات الدولة أو خيارات السياسات المحلية غير المدروسة. وكثيراً ما أشار اقتصاديون مثل ويليام إيسترلي وديفيد دولار إلى أن الاختلافات في السياسات الاقتصادية على المستوى الوطني بين الدول النامية تفسر جزءاً كبيراً من التباين في أداء النمو، ولا سيما في الدول الأفريقية، وأنه لا مقدار من المساعدات الخارجية يمكن أن يحل محل الإصلاحات المحلية الضرورية. ويؤدي التخطيط العالمي من أعلى إلى أسفل إلى إنتاج أهداف كبرى من دون توفير آليات فعلية لتنفيذها.

وفي هذا السياق، من الممكن أن تتحول أفريقيا إلى ساحة اختبار لنموذج مختلف يضع الحكومات الوطنية في موقع المحرك الرئيس للإصلاح، لا مجرد منفذ للأجندات العالمية. فعلى رغم عقود من الإنفاق الدولي، لا يزال ما يقارب نصف سكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يفتقرون إلى الكهرباء. وفي يناير (كانون الثاني) عام 2025، أطلقت 12 دولة أفريقية "اتفاقات وطنية للطاقة" بأهداف محددة لكل دولة، ترسخ المسؤولية مباشرة داخل السياسات والمؤسسات الوطنية. ونظراً إلى تباين نتائج الأطر العالمية، يشكل هذا النهج المرتكز على الدولة اختباراً عملياً لقياس ما إذا كانت الملكية الوطنية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة.

تصحيح المسار

ينبغي أن يدعونا سجل العقود الماضية إلى قدر من الواقعية، لا إلى الاستسلام. ففي المجالات شتى، جاءت نتائج ما يُسمى "الحلول العالمية" متباينة في أفضل الأحوال، بما يشير إلى أن نموذج العمل الذي ينطلق تلقائياً من الأطر الشاملة يستحق إعادة النظر. وهذا لا يعني التخلي عن التعاون الدولي، بل إن إعادة توجيه المقاربة نحو مناهج ترتكز على الدولة، مع إعطاء الأولوية للنتائج، تعكس اقتناعاً بأن التعاون مهم إلى درجة لا تسمح بقبول ترتيبات تعجز عن تحقيق ما هو مطلوب. إنه تصحيح ضروري لضمان أن يكون التعاون فاعلاً بالفعل.

والتحول نحو التركيز على الدولة لا يعني رفض المؤسسات متعددة الأطراف، بل يدعو إلى تقييم أكثر واقعية لحدودها، وتركيز أوضح على ما تجيده فعلاً: جمع الأطراف وتبادل المعلومات وتيسير التنسيق عندما تتقاطع المصالح. فكثيراً ما تُكلَّف الهيئات العالمية مهمات تشغيلية تفتقر إلى السلطة والقدرة اللازمتين لإنجازها. ووحدها الدول تمتلك السلطة السياسية والمسؤولية أمام المواطنين والقدرة التنفيذية الكفيلة بتحقيق نتائج مستدامة عجزت الأطر العالمية الكبرى مراراً عن بلوغها.

ولم يعُد هذا النقاش مجرد جدل نظري، إذ تحول الانقسام بين صانعي السياسات ذوي النزعة العالمية ونظرائهم الذين يضعون الدولة في المركز إلى خط صدع بارز في الجغرافيا السياسية المعاصرة، مؤثراً بصورة خاصة في النقاشات عبر الأطلسي. ففي واشنطن، يشكك القادة في قدرة المؤسسات العالمية القائمة على تحقيق نتائج ملموسة، بينما يواصل نظراؤهم الأوروبيون التشديد على أهمية هذه المؤسسات في الحفاظ على نظام ما بعد الحرب.

وفي جوهره، يعكس هذا النقاش قلقاً مشتركاً: ضرورة تكيف الحكم الديمقراطي إذا أراد أن يظل فاعلاً وموثوقاً وقادراً على تحقيق نتائج في عالم أشد تنافساً. فقد جعلت الأنظمة البطيئة والمقيدة بالتوافق الدول الديمقراطية أقل قدرة على الاستجابة للتحديات الناشئة، ولا سيما تلك الآتية من الصين. فعلى سبيل المثال، استغلت بكين نظم الحوكمة المثقلة بالإجراءات من خلال انتهاك القواعد الدولية في دعم صناعاتها من الصلب والطاقة الشمسية، وهي تدرك أنه بحلول الوقت الذي تشق فيه القضايا طريقها داخل "منظمة التجارة العالمية"، يكون المنافسون قد أُخرجوا من السوق بالفعل في كثير من الأحيان.

وينطلق نموذج التشغيل القائم على الدولة من فرضية بسيطة، لكنها تبعث على الأمل، مفادها بأن الدول الديمقراطية، بالعمل مع شركائها، لا تزال قادرة على التأثير في النتائج. فقد أثبتت الأطر العالمية قصورها عن مواجهة كثير من التحديات الأساسية للقرن الـ21. ويبدو أن التقدم الأرجح سيأتي عبر الإقناع وتحالفات الراغبين والتعاون المباشر بين الحكومات.

وهذا التحرك العملي لن يحقق نتائج ملموسة وإيجابية وحسب، بل سيصون أيضاً القيم الديمقراطية، وبصورة أكثر إقناعاً مما استطاعت الهياكل البيروقراطية المتضخمة للمؤسسات العالمية أن تفعله يوماً. لذلك، ينبغي للولايات المتحدة وغيرها من الدول الديمقراطية أن تكفّ عن إرجاء حلولها بانتظار نظام عالمي متصلب، وأن تبحث بنفسها عن حلول للمشكلات الكبرى التي تواجه هذا العصر.

 

ترجمة عن "فورين أفيرز" 17 فبراير (شباط) 2026

نادية شادلو زميلة أولى في معهد هدسون. في عام 2017، شغلت منصب نائبة مستشار الأمن القومي الأميركي للاستراتيجية في الإدارة الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب