الصين وأميركا: من يملك الرقائق يملك المستقبل شبه إجماع على محورية أشباه الموصلات للمنافسة بين القوتين العظميين
عيسى النهاري
عندما هبط دونالد ترمب في مطار بكين في مايو (أيار) الماضي، لم تكن الحفاوة الصينية وحدها المشهد اللافت. في الواقع، كان الاستقبال الحافل متوقعاً بعدما أغدق ترمب على نظيره الصيني شي جينبينغ، الخصم الاستراتيجي الأول لواشنطن، سيلاً من المدائح، في وقت بدا خلاله أكثر تشدداً تجاه حلفائه الأوروبين
لكن أحد المشاهد المثيرة للانتباه كان بطلها جنسن هوانغ، رئيس شركة "إنفيديا"، التي تشكل رقائقها عصب صناعات حيوية كثيرة تبدأ من الآيفون ولا تنتهي عند المقاتلات، فبعد تكهنات حول تعمد إدارة ترمب استبعاده من الزيارة، فاجأ هوانغ الجميع بخروجه من الطائرة الرئاسية خلف الرئيس الأميركي وثلة من كبار مسؤوليه.
لم تكن دعوة هوانغ إلى الوفد الأميركي خطوة معدة سلفاً، بل جاءت في اللحظات الأخيرة بعدما علم ترمب بغيابه فسارع إلى الاتصال به شخصياً ودعوته، على رغم تحذير بعض المسؤولين من صلاته الوثيقة بالصين. وفي نهاية المطاف، حطت الطائرة الرئاسية في ألاسكا لاصطحابه قبل أن تواصل طريقها إلى الصين.
تبلغ ثروة هوانغ 200 مليار دولار، وهو مثل أي ثري ناجح اجتذبه مغناطيس ترمب، لكن أهميته مضاعفة في ضوء رئاسته لشركة "إنفيديا"، التي تقوم على رقائقها أبرز الصناعات المتقدمة، ولذلك لم يكن الرئيس ترمب وحده من يدرك أهمية هذا الرجل، بل شي جينبينغ أيضاً الذي يكافح لأعوام ضد القيود الأميركية على تصدير الرقائق.
غير أن القصة في جوهرها ليست قصة هوانغ أو حتى "إنفيديا"، بل قصة الرقائق نفسها التي أصبحت في صميم التنافس الأميركي – الصيني، والتي بسببها يقول المؤرخ الاقتصادي كريس ميلر في كتابه "حرب الرقائق، الصراع على أهم التقنيات في العالم" إن هذه المنافسة لن تحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بالقدرة الحاسوبية التي ترتكز على امتلاك الرقائق المتقدمة وتصنيعها.
أهمية الرقائق
الرقائق أو أشباه الموصلات ليست ابتكاراً حديثاً، فجذورها تعود إلى اختراع الترانزستور عام 1947، لكن قيمتها الاستراتيجية تضاعفت مع ثورة الذكاء الاصطناعي، ولعل ما يكشف أهميتها أكثر من أي شيء آخر هو أن الصين تُنفق سنوياً على استيراد الرقائق أكثر مما تُنفق على استيراد النفط. لكن استغلال الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى مورد حقيقي لتعزيز القوة الوطنية يتطلب قوة حاسوبية هائلة لا يمكن توفيرها إلا عبر التصنيع والاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الرقائق المتقدمة.
وفي حين أصبحت الرقائق رافداً للقوة الاقتصادية والعسكرية للدول، أسهم امتلاك شركة "إنفيديا" لأكثر الرقائق تقدماً في المحافظة على التفوق الأميركي على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن التحدي يكمن في أن معظم رقائق "إنفيديا" تُصنع في تايوان، الجزيرة التي تعدها الصين جزءاً منها وتخشى أميركا من احتمال غزوها.
في حين تراقب الصين تايوان لإخراجها من المدار الأميركي واستغلال معارفها في صناعة الرقائق، فإنها أيضاً تستثمر مليارات الدولارات سنوياً لتحرير نفسها من الاعتماد على الولايات المتحدة. وفي حال نجحت بكين، فستمتلك القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وضبط موازين القوة العسكرية، إذ يرى مؤلف كتاب "حرب الرقائق" أنه مثلما حسمت الحرب العالمية الثانية بالفولاذ والألمنيوم، فإن الرقائق ستكون الكلمة الفصل في المنافسة الحالية بين واشنطن وبكين.
اليوم تدخل الرقائق في جميع التقنيات المتقدمة من أنظمة الصواريخ إلى المركبات الذاتية القيادة، بل إن الجيش الصيني بدأ بالفعل دمج الذكاء الاصطناعي في استراتيجيته المحتملة لغزو تايوان، مع التركيز على الحرب الإعلامية عبر حملات التضليل، وأنظمة القتال غير المأهولة مثل الذئاب الآلية والمسيرات، بهدف استخدامها في الهجمات الأولية قبل تقدم القوات البشرية.
العقبات أمام الصين
تقترب الصين من القدرات الأميركية في البرمجيات أو تتفوق عليها أحياناً، لكن إحدى أبرز نقاط ضعفها تتمحور حول الأجهزة والمكونات المادية أو ما يعرف بالـ"هارد وير" ومنها الرقائق، وعلى رغم ضخ الصين المليارات لصناعة الرقائق فإنه لا يمكن تقليص الفجوة عبر الاستثمار أو الابتكار وحدهما، بل يتطلب الأمر الوصول إلى شبكة معقدة من المعدات والبرمجيات والخبرات التي تحتكرها مجموعة محدودة من الشركات في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.
ولذلك تشكل القيود الأميركية على تصدير الرقائق والمعدات اللازمة لصناعتها عقبة رئيسة أمام الصين، فعلى رغم الخطاب القومي المتزايد فإن القيادات الصينية اعترفت بالأثر السلبي لذلك، فقد أشار رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ والرئيس التنفيذي لشركة "ديب سيك" صراحة إلى أن القيود المفروضة على رقائق "إنفيديا" تشكل أحد أبرز العوائق أمام تطوير الذكاء الاصطناعي.
وأدت القيود التي تقودها الولايات المتحدة على الصادرات إلى الحد بصورة كبيرة من وصول الشركات الصينية إلى معدات التصنيع الأساس، مثل آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة، وقد أدى ذلك فعلياً إلى منع مصانع الرقائق الصينية من إنتاج أحدث التقنيات.
ويعود فشل الصين في تقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد الأجنبية إلى أسباب عدة، منها أن الشركات الصينية كانت تحصل بسهولة على الرقائق من "إنفيديا" و"تي أس أم سي" التايوانية مما حال دون تشكل حافز لدى الصينيين لبناء قدرات مستقلة ومتطورة من الصفر. ويتعلق السبب الآخر بطبيعة النظام الاقتصادي الذي تهيمن عليه الدولة، وأسهم في تأخير تطوير "الرقائق المتقدمة" Cutting-edge chips التي تصنعها الولايات المتحدة، وبقيت المنتجات الصينية مقتصرة على "الرقائق شبه المتقدمة" Near-Frontier chips.
تقييد الصادرات
سعت الولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة إلى استغلال نقاط الضعف الصينية عبر تقييد وصولها إلى الرقائق المتقدمة، غير أن هذه السياسة تعرضت لتغيير مهم مع قرار إدارة ترمب في ديسمبر (كانون الأول) 2025 السماح لشركة "إنفيديا" ببيع رقائق H200 إلى الصين مقابل رسوم بلغت 25 في المئة، مع الإبقاء على الحظر المفروض على الرقائق الأكثر تقدماً مثل "بلاك ويل"، وقدمت الإدارة القرار بوصفه فرصة لتحقيق عوائد مالية من الطلب الصيني المتزايد على الرقائق.
إلا أن منتقدي القرار يرون أن كلفته الاستراتيجية تفوق مكاسبه المباشرة، فرقاقة H200 ليست منتجاً عادياً، بل تعد أقوى بنحو ست مرات من أفضل رقاقة متاحة حالياً في الصين، ولذلك فإن السماح بتصديرها لن يساعد بكين على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً فحسب، بل قد يمكنها من مضاعفة قدرتها الحاسوبية مرات عدة خلال فترة قصيرة، وتوسيع مراكز البيانات لمنافسة الشركات الأميركية في الأسواق العالمية.
في المقابل، تكشف تجربة الأعوام الماضية عن أن ضوابط التصدير ليست حلاً سحرياً، فمنذ بدء تشديد القيود، ضخت الصين استثمارات ضخمة لتقليل اعتمادها على الخارج، وأنفقت نحو 47 مليار دولار على صناعة الرقائق خلال عام 2025 وحده. ونجحت الصين في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة مثل "ديب سيك"، وأظهرت شركات مثل "هواوي" قدرة على الالتفاف على بعض القيود بشراء الرقائق عبر شركات وهمية، ويتوقع أن تضاهي الرقائق الجديدة من "هواوي" أداء رقائق H100 التابعة لـ"إنفيديا" مقابل كلفة تقل بنسبة 30 إلى 40 في المئة، مما يؤكد الحجة القائلة إن الحظر قد يؤخر التقدم الصيني لكن لن يوقفه.
ومع ذلك، يرى المدافعون عن القيود أن نجاحها يُقاس بإبطاء الصين لا بمنعها بالكامل، فعلى رغم الاستثمارات الضخمة والجهود المتواصلة، لا تزال الصين متأخرة ما بين ثلاثة وخمسة أعوام عن الولايات المتحدة وحلفائها في إنتاج الرقائق الأكثر تقدماً بفضل الضوابط الصارمة على تصدير الرقائق والمعدات اللازمة لتصنيعها.
حرب الرقائق
على رغم التفوق الأميركي في تصميم الرقائق وتطويرها، فإن الولايات المتحدة لا تنتج سوى نحو 10 في المئة من الرقائق التي تحتاج إليها، بينما تصنع معظم رقائق "إنفيديا" المتقدمة في تايوان، ولهذا لا تنظر واشنطن إلى الجزيرة بوصفها مجرد قضية جيوسياسية، بل باعتبارها ركناً أساساً في أمنها التكنولوجي، فأي اضطراب في الوضع القائم، سواء بسبب حصار أو نزاع عسكري، قد يهدد سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الشركات الأميركية في إنتاج الرقائق.
ولا تقتصر نقاط الضعف الأميركية على التصنيع بالخارج، بل تشمل تأخر المصنعين في تبني الذكاء الاصطناعي، إذ لا تمتلك سوى 18 في المئة من الشركات الصناعية الأميركية استراتيجيات لتوظيف الذكاء الاصطناعي في عملياتها، في حين أنشأت الصين أكثر من 30 ألف مصنع ذكي، في مؤشر إلى السرعة التي تحاول بها تحويل تفوقها الصناعي إلى مكاسب في عصر الذكاء الاصطناعي.
وبلغت حرب الرقائق أوجها عندما ردت الصين على القيود الأميركية المفروضة على أشباه الموصلات بتقييد صادرات عدد من المعادن النادرة والحيوية المستخدمة في الصناعات الإلكترونية والعسكرية، وكشف هذا الرد عن مفارقة مهمة، فبينما تمتلك الولايات المتحدة اليد العليا في الرقائق المتقدمة، لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الصين في الحصول على مواد أساس تدخل في صناعة الإلكترونيات والبطاريات وأنظمة التسليح، وهكذا تحولت سلاسل الإمداد نفسها إلى ساحة مواجهة بين القوتين.
وتأتي هذه المواجهة في سياق أوسع من التنافس المتصاعد بين واشنطن وبكين، فمع النمو الاقتصادي السريع للصين وتزايد ثقتها بنفسها على الساحة الدولية، انتقلت الولايات المتحدة من سياسة دمج الصين داخل النظام الدولي إلى سياسة تهدف إلى الحد من صعودها التكنولوجي والاقتصادي. ولذلك، يرى عدد متزايد من الباحثين أن العلاقة بين البلدين باتت تحمل سمات حرب باردة جديدة، وإن اختلفت أدواتها عن تلك التي ميزت المواجهة الأميركية - السوفياتية.
فالحرب الباردة الجديدة لا تدور حول الصواريخ والأيديولوجيا وحدهما، بل حول التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والتجارة، فبعدما كان من المفترض أن يؤدي الترابط الاقتصادي إلى سلام مُستدام، أصبحت الروابط الاقتصادية العميقة اليوم مصدراً للضغط المتبادل ونقاط الضعف القابلة للاستغلال ولم تعد الرقائق والمعادن النادرة مجرد سلع تجارية، بل أدوات نفوذ وقوة تستخدمها الدول في صراعها على المكانة والتفوق.