أحداث ١٤ تموز بين الانقلاب والثورة

يوليو 14, 2026 - 20:20
يوليو 14, 2026 - 20:23
أحداث ١٤ تموز بين الانقلاب والثورة

بقلم: د. سيروان عبدالكريم علي

لا تزال أحداث الرابع عشر من تموز ١٩٥٨ من أكثر المحطات إثارةً للانقسام في الذاكرة العراقية الحديثة. فهناك من يراها ثورةً وطنية أنهت النظام الملكي، وأعلنت الجمهورية، ووسّعت دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، ينظر إليها آخرون بوصفها انقلاباً عسكرياً دموياً دشّن مرحلةً أصبح فيها الجيش وسيلةً للاستيلاء على السلطة، وأصبح قتل الخصوم وإقصاؤهم جزءاً من الممارسة السياسية. وبين هاتين القراءتين، تبرز الحاجة إلى إعادة دراسة الحدث بعيداً عن التمجيد المطلق والإدانة العاطفية غير المنضبطة. إعادة قراءة التاريخ لا تعني محاكمة الماضي بمعايير الحاضر وحدها، ولا تعني استبدال رواية رسمية برواية انتقامية مضادة. إنها محاولة لفحص الوقائع، والاستماع إلى أصوات الضحايا، ودراسة النتائج التي ترتبت على الحدث، ثم ربط ذلك كله بالتحديات السياسية والأخلاقية التي يواجهها العراق اليوم. فالتاريخ ليس مجموعة تواريخ وأسماء فحسب، بل هو أيضاً سرديات تنتجها السلطة، وتقرر من يستحق أن يُسمّى بطلاً، ومن يُدفع إلى هامش الذاكرة.

من هذا المنظور، لا يكفي أن نسأل عمّا حققته حركة الرابع عشر من تموز من تغييرات سياسية واجتماعية، بل ينبغي أن نسأل أيضاً عن الوسائل التي استُخدمت لتحقيقها. لقد انتهى النظام الملكي العراقي بمقتل الملك فيصل الثاني، وولي العهد الأمير عبد الإله، وعدد من أفراد العائلة الملكية والمرافقين لهم. كما قُتل رئيس الوزراء السابق نوري السعيد، وتعرض جثمانه للتمثيل والإهانة في مشهد بقي حاضراً في الذاكرة العراقية. وبغض النظر عن الاختلاف مع سياسات النظام الملكي وتحالفاته، فإن قتل أفراد عائلة غير مسلحة والتمثيل بجثة مسؤول سابق لا يمكن تبريره باعتباره نتيجةً طبيعية للتغيير السياسي. ينبغي هنا التمييز بين سقوط النظام وسقوط القيمة الإنسانية. فقد يكون النظام الملكي قابلاً للنقد، وقد تكون حكوماته قد أخفقت في معالجة الفقر والتفاوت الاجتماعي وضعف المشاركة السياسية. غير أن الاعتراض على نظام الحكم لا يمنح الثائر أو العسكري حق قتل أفراده خارج القضاء. إن شرعية التغيير لا تُستمد فقط من الشعارات المعلنة، بل من الوسائل المستخدمة ومن النظام الذي يُبنى بعد سقوط السلطة السابقة.

وتظهر أهمية المقارنة مع مصر في هذا السياق. فالحركة التي قادها الضباط الأحرار في مصر وقعت في الثالث والعشرين من تموز ١٩٥٢. وكانت في أصلها تحركاً عسكرياً أدى إلى إجبار الملك فاروق على التنازل عن العرش ومغادرة البلاد، قبل إلغاء الملكية رسمياً في العام التالي. ورغم أن النظام المصري الذي نشأ بعد ذلك اتجه بدوره إلى الاستبداد وتقييد التعددية السياسية، فإن لحظة إسقاط الملكية لم تتضمن تصفية العائلة الملكية أو قتل الملك والتمثيل بجثته. ولا تعني هذه المقارنة أن التجربة المصرية كانت ديمقراطية أو خالية من القمع. فقد شهدت مصر الاعتقالات السياسية والتعذيب والمحاكمات الاستثنائية وتضييق المجال العام في مراحل مختلفة. لكن المقارنة تكشف أن تغيير النظام الملكي لم يكن يفرض بالضرورة قتل أفراده، وأن الانتقال السياسي كان يمكن أن يتم بدرجة أقل من الوحشية. ومن هنا، تبدو دموية الرابع عشر من تموز خياراً سياسياً وأخلاقياً، لا نتيجةً حتمية للتغيير.

وقد أسهمت تلك البداية العنيفة في ترسيخ نموذج تكرر لاحقاً في العراق: ضباط يستولون على السلطة، وحاكم جديد يتهم السابقين بالخيانة، ومحاكم استثنائية تصدر الأحكام تحت ضغط الشارع أو الحزب، ثم تُعاد كتابة التاريخ وفقاً لرؤية المنتصر. وبمرور الزمن، تبدلت الأيديولوجيات، لكن العلاقة بين السلطة والعنف بقيت ثابتة إلى حد بعيد. مرةً أُهدر دم الشباب باسم القومية والوحدة العربية، ومرةً باسم الشيوعية والأممية، ثم باسم الثورة والاشتراكية أو الدفاع عن الوطن. وفي مراحل لاحقة، استُخدمت الشعارات الإسلامية والطائفية والمذهبية لتبرير القتل والتعبئة والحروب الداخلية. وفي معظم هذه الحالات، كانت الأيديولوجيا تمنح السلطة لغةً أخلاقية، بينما ظل الوصول إلى الحكم أو الاحتفاظ به هو الغاية العملية.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال تاريخ العراق كله في الرابع عشر من تموز، ولا تحميل ذلك الحدث وحده مسؤولية كل ما جاء بعده. فقد شهد العراق، بعد نحو نصف قرن، ولا سيما عقب عام ٢٠٠٣، مرحلةً أكثر اتساعاً وتعقيداً من العنف. أدت الحرب وسقوط مؤسسات الدولة وتفكك الأجهزة الأمنية إلى انتشار الإرهاب والميليشيات والقتل الطائفي والاختطاف والتهجير القسري والاغتصاب والتمثيل بالجثث والقتل على الهوية. وفي أوقات كثيرة بدا القانون غائباً، بينما حل السلاح والانتماء الحزبي والطائفي محل الدولة والمواطنة. إن الاعتراف بوحشية مرحلة ما بعد ٢٠٠٣ لا ينبغي أن يتحول إلى تبرئة لما سبقها، كما أن نقد الرابع عشر من تموز لا يمكن أن يعني الدفاع عن الأنظمة الجمهورية اللاحقة أو عن حكم صدام حسين. فالعراق شهد في تلك العقود الإعدامات الجماعية، والحروب، وحملات الأنفال، والقصف الكيميائي، والمقابر الجماعية، واضطهاد المعارضين والمكونات المختلفة. المشكلة إذن ليست في نظام ملكي أو جمهوري وحده، بل في ثقافة سياسية متكررة أخضعت القانون لإرادة الحاكم والحزب والسلاح.

وكان من الممكن أن تمثل نهاية النظام السابق عام ٢٠٠٣ بدايةً لمرحلة مختلفة، تُبنى فيها العدالة على المؤسسات والمحاكم المستقلة، لا على التشفي والثأر. غير أن محاكمة صدام حسين وتنفيذ حكم الإعدام بحقه أثارا انتقادات واسعة تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، وبالظروف السياسية والطائفية التي أحاطت بالإجراءات والتنفيذ. وقد رأت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن المحاكمة والإعدام شكّلا فرصةً ضائعة لإثبات قدرة العدالة على العمل وفق القانون حتى في مواجهة مسؤول عن انتهاكات جسيمة.

أما محاكمة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك فقد جرت ضمن مسار قضائي مدني أطول، وانتهت إلى أحكام وقرارات متعددة، من بينها السجن والبراءة في قضايا مختلفة. ولم تكن المحاكمة المصرية مثالية؛ فقد وُجهت إليها انتقادات تتعلق بضعف التحقيقات وبنية الاتهام ومدى مساءلة الأجهزة الأمنية. ومع ذلك، فإن صورة الرئيس السابق داخل قفص المحكمة، ثم استمرار الإجراءات القضائية من دون إعدامه أو تحويل محاكمته إلى مشهد ثأري، قدمت نموذجاً مختلفاً نسبياً عن المشهد العراقي. وللشعب المصري حق الاعتزاز بتاريخ دولته واستمرار مؤسساتها، لكن ذلك لا يعني تجاهل ما تعرض له المصريون من استبداد وقمع. كما أن القول إن المصريين لم يتعرضوا لما تعرض له العراقيون ينبغي فهمه بوصفه مقارنةً في درجة انهيار الدولة واتساع الحروب والقتل الجماعي، لا إنكاراً لضحايا القمع في مصر. فالهدف من المقارنة ليس تفضيل شعب على آخر، بل بيان أن الدولة، حتى عندما تكون سلطوية، قد تحافظ على حدود مؤسسية تحول دون الانهيار الشامل للمجتمع.

ويكتسب قرار عدم إدراج الرابع عشر من تموز ضمن العطل الرسمية الاتحادية في قانون العطلات الرسمية العراقي دلالةً سياسية ورمزية. فالقانون الاتحادي الجديد حدد مجموعة من المناسبات الدينية والوطنية ولم يتضمن ذكرى إعلان الجمهورية في الرابع عشر من تموز ضمن العطل العامة. ويمكن قراءة ذلك باعتباره انعكاساً لغياب الإجماع الوطني حول المناسبة، لا حكماً نهائياً على التاريخ ولا دعوةً إلى محو الحدث من الذاكرة. فالمناسبة الوطنية التي تستحق الاحتفال ينبغي أن تجمع المواطنين حول قيمة مشتركة، لا أن تفرض رواية المنتصر على عائلات الضحايا أو على جماعات سياسية واجتماعية ترى في اليوم نفسه بدايةً لدورة العنف. وقد يكون الانتقال من الاحتفال الرسمي إلى الدراسة النقدية فرصةً لفهم الحدث بدلاً من تقديسه أو محوه.

إن استحضار فاجعة كربلاء في هذا النقاش يمكن أن يكون مفيداً بوصفها مرجعية أخلاقية تدين قتل الأعزل والتمثيل بالموتى وإهانة الجسد الإنساني. لكن المقارنة ينبغي ألا تتحول إلى مساواة تاريخية مباشرة بين أحداث وشخصيات مختلفة. فالدلالة الأساسية هنا هي أن الموقف الأخلاقي من الجريمة لا ينبغي أن يتغير وفق هوية الضحية أو انتمائها السياسي. إن إعادة قراءة الرابع عشر من تموز لا تستهدف الدفاع عن الملكية أو مهاجمة الجمهورية، بل تسعى إلى تحرير التاريخ من لغة الانتصار والهزيمة. والسؤال الأهم ليس أي نظام كان أفضل بصورة مطلقة، بل لماذا عجز العراق عن بناء طريقة سلمية وقانونية لتداول السلطة، ولماذا تحولت الإعدامات والانقلابات والمحاكمات الثورية إلى وسائل متكررة لتصفية النزاع السياسي.

لقد أثبت تاريخ العراق أن تغيير الشعارات لا يوقف العنف ما دامت بنية السلطة قائمة على إلغاء الخصم. ولذلك فإن نهاية العنف لا تبدأ بانتصار حزب جديد أو سقوط زعيم سابق، بل تبدأ عندما يصبح القانون أعلى من المنتصر والمهزوم معاً؛ وحين تُصان حياة المتهم، لا احتراماً لأفعاله، بل احتراماً للدولة التي تحاكمه. ومن هنا، فإن المراجعة الموضوعية للرابع عشر من تموز ينبغي أن تقود إلى موقف واضح: الاعتراف بالإصلاحات التي أعقبت إعلان الجمهورية لا يبرر الدم الذي رافق سقوط الملكية، وإدانة ذلك الدم لا تبرئ الأنظمة التي جاءت لاحقاً، كما أن جرائم ما بعد ٢٠٠٣ لا تمنح شرعيةً لجرائم ما قبله. إن بناء المستقبل يتطلب ذاكرةً لا تقدس الانقلابات، وعدالةً لا تتحول إلى ثأر، ودولةً لا تسمح لأي قومية أو عقيدة أو طائفة بأن تجعل من دم الشباب جسراً إلى السلطة.