نيجيرفان بارزاني بين ازمة الحرب الاميركية على ايران وصراعات توازن القوى تطبيق سياسة الصبر الاستراتيجي في مواجهة العاصفة الاقليمية.

: د.زياد حمد الصميدعي ا. اكرم طالب الوشاح

يوليو 17, 2026 - 19:17
يوليو 17, 2026 - 19:18
نيجيرفان بارزاني بين ازمة الحرب الاميركية على ايران وصراعات توازن القوى تطبيق سياسة الصبر الاستراتيجي في مواجهة العاصفة الاقليمية.

لم تكن الحرب بين الولايات المتحدة وايران في جولتيها الاوليين وجولتها الجديدة هذه الايام مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متنافستين، بل تحولت الى اختبار بالغ التعقيد لجميع الفاعلين الاقليميين، وكان اقليم كردستان  في قلب هذا الاختبار، بحكم موقعه الجغرافي، وعلاقاته  مع واشنطن وطهران وبغداد ودول المنطقة، وفي هذا المشهد، وجد رئيس الاقليم نيجيرفان بارزاني نفسه امام واحدة من اصعب المعادلات السياسية منذ توليه رئاسة الاقليم، اذ كان مطالبا بالحفاظ على امن الاقليم، رغم تعرضه للقصف والتهديد، ومنع انزلاقه الى الحرب، مع الاستمرار في ادارة شبكة علاقات متوازنة مع جميع الاطراف.

لقد تميزت سياسة نيجيرفان بارزاني خلال الازمة بما يمكن تسميته بسياسة الصبر الاستراتيجي، وهي سياسة تقوم على الامتناع عن ردود الفعل الانفعالية، وتغليب الحسابات بعيدة المدى على المكاسب السياسية المؤقتة، فلم ينخرط الاقليم في خطاب التصعيد، ولم يتحول الى منصة لاستفزاز اي طرف ويط رجاحة راي نيجيرفان في هذه الواقعية السياسية، كما لم يتخل في الوقت نفسه عن شراكته الامنية والسياسية مع الولايات المتحدة، بل حاول الفصل بين العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن وبين رفض تحويل اراضي الاقليم الى ساحة حرب مفتوحة. وقد اكد مرارا ان الاقليم لا يريد ان يكون طرفا في الحرب الدائرة، وهو موقف انسجم مع سياسة تجنيب كردستان الانخراط المباشر في الصراع والتوحد مع الموقف العراقي  الرسمي تجاه الحرب .

وتكمن صعوبة هذا الموقف في ان الاقليم لم يكن بعيدا عن نيران الحرب، فكلما تصاعدت المواجهة بين واشنطن وطهران، كانت اربيل ودهوك والسليمانية  ومناطق كردستان تعيش حالة استنفار امني، نتيجة تعرضها لصواريخ او طائرات مسيرة، او بسبب مرور موجات التصعيد العسكري فوق اجوائها. ومع ذلك، حافظت مؤسسات حكومة الاقليم على استمرار عملها، ، واستمرت في ادارة الازمة بهدوء واقعي، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية والنفسية وذلك يحسب لنيجيرفان بارزاني.

لقد تعرض الاقليم خلال فترات التصعيد الى هجمات متكررة استهدفت مواقع عسكرية ومدنية، ووصل الامر الى استهداف منزله ، الامر الذي شكل رسالة سياسية تتجاوز البعد العسكري، لكنها لم تدفع القيادة الكردية الى تغيير نهجها، بل استمرت في الدعوة الى احتواء الازمة ومنع توسعها.

ومن منظور استراتيجي، ادرك نيجيرفان بارزاني ان ايران تنظر الى اقليم كردستان باعتباره جزءا من البيئة الامنية المحيطة بها، بسبب وجود المصالح الاميركية والقواعد العسكرية ومراكز التحالف الدولي. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة ان الاقليم يمثل شريكا مستقرا نسبيا في منطقة تعاني من اضطرابات مستمرة. وبين هذين التصورين، كان على رئيس الاقليم ان يحافظ على ادارة واقعية للازمة مع الجميع.

ولم يكن هذا التوازن سهلا، فالعلاقة مع واشنطن توفر للبيشمركة دعما عسكريا واقتصاديا، كما تمنح الاقليم ثقلا دوليا، في حين ان العلاقة مع ايران تمثل ضرورة جغرافية واقتصادية وامنية لا يمكن تجاوزها، بسبب الحدود الطويلة، والتبادل التجاري، والروابط  الموجودة،

ولهذا، كان الانحياز الكامل لاحد الطرفين يعني خسارة الطرف الاخر، وهي خسارة لا يستطيع الاقليم تحملها خاصة مع بدء رئاسة رئيس وزراء متوازن قيادي ناجح هو علي الزيدي والذي جمعته بنيجيرفان علاقة صداقة مميزة.

ومن هنا، يمكن تفسير السياسة الهادئة التي اتبعها نيجيرفان بارزاني، فقد حرص على استمرار قنوات الاتصال مع المسؤولين الايرانيين، بالتوازي مع لقاءاته المستمرة بالمسؤولين الاميركيين والاوروبيين، واضعا هدفا رئيسيا يتمثل في ابعاد العراق عموما والاقليم خصوصا عن دائرة الحرب، وعدم السماح بان يتحول الى ميدان لتصفية الحسابات الاقليمية.

كما ان قراءة سلوك  حكومته تكشف فهما عميقا لطبيعة توازن القوى في الشرق الاوسط، ولذلك، كان الخيار الواقعي هو ادارة العلاقة مع الطرفين، بدلا من الدخول في سياسة المحاور الحادة.

ومن الجوانب اللافتة في هذه الازمة ان القيادة الكردية لم تسمح للضربات المتكررة بان تتحول الى مبرر لتغيير خطابها السياسي، فرغم القصف، ورغم استهداف بعض المواقع الحيوية، بقيت الرسائل الصادرة من نيجيرفان تدعو الى التهدئة، والحوار، واحترام سيادة العراق، وكردستان وعدم جر الاقليم الى مواجهة لا تخدم مصالح سكانه.

وقد انعكس هذا النهج ايضا على العلاقة مع بغداد، اذ حرص نيجيرفان بارزاني على التنسيق مع الحكومة الاتحادية، برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، باعتبار ان حماية السيادة العراقية مسؤولية مشتركة، وان استمرار استهداف الاقليم لا يمثل مشكلة كردية فقط، بل تحديا للدولة العراقية كلها.

وفي الجانب الاقتصادي، ادركت القيادة الكردية ان استمرار الحرب يهدد الاستثمار، والطاقة، وحركة التجارة، ويؤثر في ثقة الشركات الاجنبية، لذلك كان الحفاظ على الاستقرار الامني يمثل ضرورة اقتصادية، وليس مجرد خيار سياسي. ولهذا استمرت مؤسسات الاقليم في العمل، واستمرت الرسائل الموجهة للمستثمرين بان الاقليم ما زال قادرا على ادارة ازماته، رغم الظروف الاقليمية المعقدة وازمات هرمز وازمات تصدير النفط العراقي.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول ان نيجيرفان بارزاني لم يخض معركة سهلة سياسيا، بل خاض معركة سياسية ودبلوماسية صعبة وشديدة الحساسية، كان عنوانها حماية العراق والاقليم من الانجرار الى حرب لا يملكان قرارها، ولا يستطيعان تحمل نتائجها. فقد اثبتت الاحداث ان قوة القيادة لا تقاس فقط بقدرتها على الرد العسكري، بل بقدرتها على تجنيب شعبها كلفة الصراعات الكبرى، والمحافظة على التوازن وسط بيئة اقليمية شديدة الاضطراب.

لقد كان صبر نيجيرفان واقليم كردستان خلال هذه المرحلة وسط القصف بالمسيرات لاربيل جزءا من استراتيجية محسوبة، وليس تعبيرا عن ضعف. فالصبر هنا كان اداة لاحتواء الازمة، ومنع توسعها، والمحافظة على شبكة العلاقات الدولية والاقليمية التي تشكل اساس الاستقرار الكردي. ومن المرجح ان هذه السياسة ستظل الخيار الاكثر واقعية، ما دامت المنطقة تعيش على وقع تنافس القوى الكبرى، وما دام الاقليم يقع في قلب هذا التنافس، جغرافيا وسياسيا وامنيا، وهو ما برع فيه نيجيرفان بارزاني من قبل ومن بعد ،في تطبيق سياسة الصبر الاستراتيجي في مواجهة العاصفة الاقليمية....