عُزلة الجدران الصمَّاء: رواية "النفق" لساباتو والركض في المتاهة الإنسانية

مقال: احمد العتبي

يوليو 21, 2026 - 19:06
عُزلة الجدران الصمَّاء: رواية "النفق" لساباتو والركض في المتاهة الإنسانية

● مقدمة: الجريمة كمدخلٍ للوعي

تفتح روايةُ النفق للأرجنتيني إرنستو ساباتو سِتارتها على اعترافٍ صادم ويقيني: "يكفي أن أقول إنني خوان بابلو كاستيل، الرسام الذي قتل ماريا إيريبارنه". من هذا الهامش المأساوي، لا يأخذنا ساباتو في رحلة بوليسية للبحث عن القاتل، فالقاتل واقفٌ أمامنا يلوّح بذنبه، إنه يقودنا في رحلة سيكولوجية وفلسفية مرعبة داخل العقل البشري.

وبذلك تكون الروايةُ تأملاً في العزلة، وتشريحاً دقيقاً لـ "اللا تواصل" الإنساني، مكتوبة بلغة أدبية رصينة تحوّل الهوس الذاتي إلى مرآة تعكس أزمة الوجود المعاصر.

● هوس التفسير: مصيدة العقل العقلاني

في عالم البطل كاستيل، لا شيء يمر سهلاً. كل إيماءةٍ، كل صمتٍ، وكل نظرةٍ هي شفرةٌ بحاجةٍ إلى تفكيك. هذا المنزَع العقلي الصارم يتحول في الرواية من أداةٍ للفهم إلى زنزانةٍ تحيطُ بصاحبها. يتساءل ساباتو على لسان أبطاله تساؤلاً يحمل في طياته يأس المعرفة:
علامَ هذا الهوسُ في محاولة تفسير كل أحداث الحياة؟.
إنّ فلسفة الرواية تنطلق من هذه المعضلة: رغبة الإنسان الحديث في إخضاع الوجود الصاخب، العشوائي، واللامعقول لمنطقٍ رياضيٍّ صارم. بيدَ أنَّ الحياة ترفض الامتثال لهذا المنطق. إن كاستيل، كفنان، يرى العالم من خلال تفاصيلٍ مجهرية. هذا التحديقُ المفرطُ في تفاصيلِ العلاقاتِ الإنسانيةِ لا يمنحه اليقين، وإنما يُغرق بيئته بالشكوك. إن ساباتو يخبرنا عبر هذا الهوس أنّ محاولة تفسير كل شاردةٍ وواردةٍ في السلوكياتِ البشريةِ هي بدايةٌ للجنون، لأنها تلغي عفويةَ الوجودِ، وتحيل العلاقات إلى حقلِ ألغامٍ مرعِب.

● الكاريكاتير البشري: الخوف من تكرار المسخ

يمتدُّ هذا الهوس السيكولوجي عند كاستيل ليتحول إلى فوبيا من التماثل البشري. يلوذُ الرسام بالفرار من المجتمعات المصغرة والأسر، خائفاً من أن يرى في المجموع تشويهاً للفرد الذي اختاره. ينقل ساباتو بدقة متناهية هذا الاغتراب على لسانِ بطلهِ في ملاحظة كم هو مقيتٌ أن يجتمعَ المرءُ بشخصٍ لا ينفكّ يغمز بعينيه... وكيف حدث للبطل أن وقع في حبّ امرأة، وهرب مذعوراً من مجرد احتمال أن يتعرّفَ إلى أخواتها... فالملامحُ ذاتها التي بدت جميلة في تلك، ظهرت في أختها بارزةً ومشوهةً بشكلٍ يكادُ يكون كاريكاتورياً.
وكل ما تقدّم يجسد ذروة الرعب الفلسفي من "الآخر".

وبذلك يبحثُ كاستيل عن كائنٍ فريد، مطلق، ومنفصلٍ عن العالم لكي يخرجه من عزلته. لكن بمجرد أن يرى امتداد هذا الكائن في شقيقةٍ أو عائلة، ينهار الوهم. يرى الجمالَ الذي قدّسه وقد استُنسخ على نحوٍ مشوّهٍ وساخر. هذا النُفور هو انعكاسٌ لخوفٍ وجوديٍّ من اكتشافِ كونِ المحبوب ليس نسيجاً وحده، ولكنه جزءٌ من قطيعٍ بشرىٍّ يكرّر ذاتَ الحركاتِ والإيماءاتِ المبتذلة. إنه الخجل من أن تسلط النسخة المشوهة ضوءاً ساخراً يكشف زيْفَ التميّز الذي توهّمه في محبوبته.

● وهمُ النفقِ الموازي: مأساةُ العزلةِ الأبدية

تصلُ الروايةُ إلى ذُروتها الفلسفية عند تفكيك الاستعارة الكبرى التي يحملها العنوان: النفق. يعتقدُ الإنسانُ في لحظاتِ حبّه وهَيامَه أنّهُ عثرَ على الروح التوأمِ التي تسيرُ معه في ذاتِ الدربِ المظلم، لكن ساباتو يكسرُ هذا الوهم بمرارةٍ لا ترحم إذ رأى خوان بابلو كاستيل نفقاً واحداً مظلماً وموحشاً، هو نفقه... وكان قد رأى هذه الفتاةَ من خلالِ إحدى القطعِ الشفافةِ في الجدارِ الحجريّ للنفق، واعتقدَ بسذاجةٍ، أنّها كانت آتيةً من نفقٍ آخرٍ موازٍ لنفقه، بينما هي في الواقع، تنتمي إلى العالم الواسع!

وهنا تتبدّى الوجودية في أصفى تجلياتها وأكثرها قسوة. يعترفُ كاستيل بسذاجته، إذ لم تكن ماريا شريكة نفق، ولم تكن تعيش ذاتَ العزلةِ المطبِقة. لقد كانت تنتمي إلى "الخارج"، إلى ذلك العالمِ اللامحدود، الصاخبِ بالتفاهةِ، والمرحِ، والمجونِ، والحفلاتِ العادية.
لقد كانت ماريا، بشكلٍ ربما اقتربَ إلى اليقين، مجردَ عابرةٍ استرعى انتباهها فضولٌ عابر، فنظرتْ عبرَ فجوةِ الجدارِ لتشاهدَ مشهدَ عزلتِه الأبدية، بينما كانت هي تستمرُّ في ممارسة حياتِها الطبيعية.
إنّ المأساةَ تكمنُ في الوهم الذي يوهمُنا للحظة أن شخصاً ما يشاركُنا عتمةَ النفق، وليست في كونِنا نعيشُ في أنفاق الجدرانِ السميكة، حيث النوافذُ شفافةٌ تمنحنا رؤية الآخر ولكنها تمنعنا من لمسه أو الاندماج معه.

● خاتمة: الركضُ نحو الظلامِ الكلي

تمثّلُ روايةُ النفق لإرنستو ساباتو صرخةً أدبيةً رصينةً ضدّ التفاؤلِ السطحيّ بالتواصل الإنساني.. تخبرنا أنّ الحبّ في كثيرٍ من الأحيان محاولةٌ بائسةٌ لامتلاكِ الآخر وسحبه إلى داخل نفقنا الخاص، وعندما يفشل هذا الامتلاك، يتحول الحب إلى عنفٍ مدمّر.

يظل خوان بابلو كاستيل، قابعاً في زنزانته، يرسُمُ جدرانَ نفقهِ المظلم، يذكرنا بأنّ عزلته ليست طارئة، بل أبدية.. وأن محاولاتنا لتفسير الحياة أو العثور على ذواتنا في الآخرين، قد لا تكون سوى قفزاتٍ في الفراغ، تنتهي بنا دوماً إلى الجدار الحجريّ الصارمِ لنفقِنا الذاتي.