روانكة وادريس، عندما يتحول المشروع الى ما بعد الحلم.

قاسم محسن شفيق الخزعلي طالب كاظم سعداوي

يوليو 20, 2026 - 06:32
يوليو 20, 2026 - 06:38
روانكة وادريس، عندما يتحول المشروع الى ما بعد الحلم.

" نعمل لاجل كوردستان واهلها"

ادريس نيجيرفان بارزاني"

::::

::::

في التجارب السياسية والاجتماعية، كثيرا ما يرتبط اسم الشخص بالموقع الذي يشغله، أو بالمنصب الذي يتقلده، لكن هناك نماذج معاكسة يبدأ فيها الحضور من المجتمع قبل أن يصل إلى السياسة. هذه النماذج لا تبني صورتها عبر الخطابات، وإنما عبر الأثر الذي تتركه في حياة الناس. ومن بين هذه التجارب تبرز تجربة إدريس نيجيرفان بارزاني، التي ارتبطت منذ بداياتها بمؤسسة “روانكة”، حتى بات من الصعب الحديث عن أحدهما بمعزل عن الآخر.

لم تكن فكرة روانكة مجرد إنشاء منظمة خيرية جديدة في إقليم كردستان، فالإقليم عرف خلال العقود الماضية عشرات المؤسسات المدنية والإنسانية، لكن أغلبها بقي محكوما ببرامج موسمية أو مشاريع محدودة. أما روانكة فقد انطلقت بفلسفة مختلفة، تقوم على الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في أي شيء آخر، وعلى التعامل مع الشباب بوصفهم طاقة ينبغي إطلاقها، لا مشكلة ينبغي احتواؤها.

هذه الفلسفة لم تأت من فراغ، بل جاءت في لحظة كان المجتمع الكردستاني، والعراقي عموما، يواجه تحديات متراكمة. البطالة تتسع، والهجرة أصبحت حلما لدى آلاف الشباب، والقطاع الخاص ما زال عاجزا عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، فيما فرضت الأزمات الاقتصادية والحروب ضغوطا إضافية على المجتمع. في مثل هذه الظروف، لم يكن الحديث عن التنمية يكفي، بل كان المطلوب مشاريع قادرة على إحداث تغيير ملموس.

هنا ظهرت روانكة، ليس باعتبارها جهة تقدم مساعدات، وإنما باعتبارها منصة لإعادة بناء الثقة بين الشباب ومستقبلهم. فالفكرة الجوهرية التي قامت عليها المنظمة هي أن المجتمع لا يمكن أن يتطور إذا ظل شبابه ينتظرون الوظيفة وحدها، بل ينبغي أن يمتلكوا المهارة، والمعرفة، والثقة بالنفس، والقدرة على المبادرة.

منذ تأسيسها في أربيل عام 2013، أخذت المنظمة تتوسع بصورة تدريجية، لكنها لم تتخل عن هويتها الأساسية. فقد جمعت بين العمل الإنساني، والتعليم، والثقافة، والرياضة، وريادة الأعمال، والبيئة، والتنمية المجتمعية، لتقدم نموذجا أقرب إلى مؤسسات التنمية الحديثة منه إلى الجمعيات الخيرية التقليدية.

إدريس نيجيرفان بارزاني بارث ابيه وجده واسرته، كان حاضرا في هذا المشروع بوصفه صاحب الرؤية، لا مجرد رئيس لمجلس إدارة. ولذلك ارتبط اسمه بكل المبادرات الكبرى التي أطلقتها المنظمة، سواء تلك المتعلقة بالتعليم، أو تشغيل الشباب، أو دعم الموهوبين، أو الإغاثة الإنسانية، أو الشراكات الدولية.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو أنها لم تتعامل مع البطالة بوصفها رقما في الإحصاءات، وإنما بوصفها قضية تمس مستقبل المجتمع كله. فالمنظمة أطلقت برامج واسعة لربط الباحثين عن العمل بالشركات والمؤسسات، وأنشأت قواعد بيانات، ونظمت معارض للتوظيف، وقدمت دورات تدريبية في المهارات المهنية، وركزت على تأهيل الخريجين بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل.

هذه البرامج لم تكن مجرد نشاط إعلامي، بل أسهمت في فتح مئات الآلاف من فرص التوظيف المباشرة وغير المباشرة، وأوجدت شبكة واسعة من التعاون مع القطاع الخاص، الأمر الذي جعل كثيرا من الشركات تنظر إلى روانكة بوصفها شريكا في إعداد الكفاءات، وليس مجرد وسيط للتوظيف.

لكن المنظمة أدركت مبكرا أن الوظيفة ليست النهاية، ولذلك توسعت في مجال ريادة الأعمال، وشجعت الشباب على تأسيس مشاريعهم الخاصة، وقدمت لهم برامج تدريبية في الإدارة والتسويق والابتكار، وربطتهم بخبراء ومستثمرين، حتى يتحول بعضهم من باحثين عن عمل إلى صانعي فرص عمل لغيرهم.

وفي الجانب التعليمي، أولت المنظمة اهتماما كبيرا بالطلبة. فقد نظمت برامج للقراءة، والمسابقات العلمية، والمخيمات التعليمية، وورش تطوير المهارات، كما عملت على تشجيع البحث العلمي، وإبراز المواهب الأكاديمية، لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من المدرسة والجامعة قبل سوق العمل.

أما في المجال الثقافي، فقد حاولت روانكة أن تقدم صورة مختلفة عن الثقافة بوصفها أداة لبناء المجتمع، لا مجرد نشاط للنخبة. لذلك نظمت مسابقات في القصة، والشعر، والرسم، والتصوير، وصناعة الأفلام القصيرة، ودعمت عشرات المبادرات الشبابية، وأتاحت للمواهب الجديدة فرصة الظهور أمام الجمهور، وربطتها بمؤسسات ثقافية محلية ودولية.

وقد أسهم هذا التوجه في خلق مساحة للحوار بين الشباب والمثقفين والفنانين، بعيدا عن الاستقطابات السياسية، وهو ما جعل المنظمة تتحول إلى بيئة حاضنة للإبداع أكثر من كونها مؤسسة مانحة للجوائز.

وفي الرياضة، اتخذت المنظمة مسارا مكملا للفكرة نفسها. فالرياضة بالنسبة إليها ليست منافسة على البطولات فقط، بل وسيلة لبناء الشخصية، وتعزيز العمل الجماعي، وإبعاد الشباب عن العنف والمخدرات والتطرف. لذلك دعمت البطولات المحلية، والأنشطة المدرسية، وبرامج اكتشاف المواهب، وساعدت العديد من الفرق الشبابية على الاستمرار.

وخلال السنوات التي شهد فيها العراق وإقليم كردستان موجات نزوح واسعة نتيجة الحرب على تنظيم داعش، برز الوجه الإنساني للمنظمة بصورة أوضح. فقد شاركت في إيصال المساعدات الغذائية، وتأمين المياه، ودعم العائلات النازحة، ورعاية الأطفال، وتنفيذ برامج الإغاثة الطارئة، ثم انتقلت تدريجيا إلى مرحلة التعافي وإعادة دمج المجتمعات المتضررة.

ما يميز هذه الأعمال باستراتيجيات ادريس نيجيرفان أنها لم تكن معزولة عن رؤية طويلة المدى، إذ حرصت المنظمة على الانتقال من الإغاثة إلى التنمية، ومن معالجة آثار الأزمة إلى بناء القدرة على تجاوزها.

ومع مرور السنوات، اتسعت شبكة علاقات روانكة مع عدد كبير من المؤسسات الدولية والإقليمية. فقد تعاونت مع منظمات أممية، ومؤسسات إنسانية، وهيئات تعليمية، وشركاء من دول أوروبية وآسيوية، الأمر الذي منحها فرصة للاستفادة من الخبرات العالمية، وفي الوقت نفسه تقديم صورة مختلفة عن المجتمع الكردستاني بوصفه مجتمعا قادرا على إنتاج مبادرات ناجحة، لا مجرد متلق للمساعدات.

هذا الحضور الدولي لم يكن هدفا بحد ذاته، وإنما وسيلة لنقل الخبرة، واستقطاب الدعم للمشاريع، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب، ولذلك شاركت المنظمة في مؤتمرات ومنتديات ومبادرات دولية، وأصبحت جزءا من شبكات العمل المدني العالمية.

وإذا كانت السنوات الأولى قد ركزت على تثبيت هوية المؤسسة، فإن السنوات اللاحقة شهدت توسعا واضحا في مجالات عملها، سواء عبر إطلاق مبادرات بيئية، أو برامج للتطوع، أو حملات توعية صحية، أو مشاريع تعزز المسؤولية المجتمعية لدى القطاع الخاص، وهو ما جعل روانكة تنتقل من منظمة تنفذ مشاريع منفصلة إلى مؤسسة تنموية متعددة الاختصاصات.

ومن اللافت أيضا أن المنظمة استطاعت الحفاظ على حضورها خلال سنوات الأزمات الاقتصادية التي مرت بها المنطقة، وهو أمر لم يتحقق لكثير من المؤسسات المدنية التي تقلص نشاطها أو توقفت بالكامل. ويعود ذلك إلى اعتمادها على التخطيط المرحلي، وتنويع الشراكات، والبحث المستمر عن برامج قابلة للاستمرار، بدلا من الاكتفاء بالمبادرات قصيرة الأجل.

وفي السنوات الأخيرة، واصلت روانكة تطوير برامجها بما ينسجم مع التحولات الجديدة في سوق العمل، فزادت اهتمامها بالتقنيات الحديثة، والمهارات الرقمية، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال الرقمية، إدراكا منها أن الأجيال الجديدة تواجه تحديات تختلف عما كان قائما قبل عقد من الزمن.

أما إدريس نيجيرفان بارزاني، فقد ظل حريصا على الظهور داخل هذه المشاريع بوصفه جزءا منها، لا بوصفه شخصية بروتوكولية. حضوره بين المتطوعين، والطلبة، والرياضيين، ورواد الأعمال، منح المشروع بعدا إنسانيا، ورسخ صورة مختلفة للقيادة، تقوم على الاقتراب من المجتمع، والاستماع إليه، والعمل معه.

وهذا ما جعل كثيرين ينظرون إلى تجربته باعتبارها تجربة بناء اجتماعي قبل أن تكون تجربة إعداد سياسي. فالسياسة في نهاية المطاف لا تقوم على الخطابات وحدها، وإنما على القدرة على فهم احتياجات المجتمع، وصناعة المبادرات، وتحويل الأفكار إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار.

لقد أثبتت روانكة خلال أكثر من عقد من العمل أن المؤسسة المدنية يمكن أن تكون شريكا حقيقيا في التنمية، وأن الشباب عندما تتوافر لهم البيئة المناسبة يصبحون جزءا من الحل، لا جزءا من المشكلة. كما أثبتت أن الاستثمار في الإنسان يظل أكثر المشروعات استدامة، لأنه يترك أثرا يتجاوز حدود الزمن والظروف.

واليوم، وبعد سنوات من انطلاقها، لم تعد روانكة مجرد منظمة تحمل اسما معروفا في كردستان والعراق، بل أصبحت مدرسة في العمل المجتمعي، ونموذجا لكيفية تحويل المبادرة الفردية إلى مؤسسة ذات حضور محلي وإقليمي ودولي. وإذا كانت الأحلام تبدأ عادة بفكرة، فإن قيمة هذه التجربة تكمن في أنها لم تتوقف عند حدود الحلم، بل حولته إلى مشروع يتطور عاما بعد آخر، ويواصل توسيع أثره في المجتمع، حتى أصبح الحديث عن روانكة حديثا عن رؤية متكاملة للتنمية، وعن إدريس نيجيرفان بارزاني بوصفه أحد الوجوه التي اختارت أن تبدأ ببناء الإنسان، قبل التفكير في أي دور آخر.

العرب يقولون:" ومن يشابه أبه فما ظلم" ولقد شابه ادريس نيجيرفان كما شابه نيجيرفان ادريس اباه...