من سايكس–بيكو إلى خطاب التحريض كيف وحّد إعلام الجزيرة وأخواتها الكورد… وأسقط الدفاع خطاب الجولاني وفرض الحوار؟

يناير 21, 2026 - 14:06
من سايكس–بيكو إلى خطاب التحريض كيف وحّد إعلام الجزيرة وأخواتها الكورد… وأسقط الدفاع خطاب الجولاني وفرض الحوار؟

بقلم: د.سيروان أنور

لم تكن كوردستان يومًا كيانًا طارئًا أو فكرة عاطفية، بل حقيقة تاريخية ضاربة في الجغرافيا والسياسة، تمزّق جسدها بقرار خارجي منذ اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916، لا بإرادة أبنائها. ومنذ ذلك التاريخ، يعيش الفرد الكوردي مأساة التقطيع السياسي، فيما ظلّ وعيه الجمعي موحّدًا: القضية واحدة، وإن اختلفت الخرائط.

ما يجري اليوم في غرب كوردستان ليس استثناءً عن هذا المسار، بل امتداد له، مع فارق خطير يتمثّل في تزاوج خطاب العنف الديني مع التضليل الإعلامي، في محاولة جديدة لإعادة تعريف الكوردي كـ«خطر» بدل كونه صاحب حق.

من فتاوى استحلال الدم إلى هندسة الكراهية في كل محطة تاريخية اقترب فيها الكورد من تثبيت حقوقهم، أُعيد إنتاج خطاب يُشرعن إقصاءهم: بعد ثورة أيلول (1961) كان الاتهام “التمرد”. بعد اتفاقية آذار (1970) كان الاتهام “الانفصال”. بعد انتفاضة 1991 كان الاتهام “تهديد وحدة الدولة”.

واليوم، تُستدعى تهم “الإرهاب” و”الانحراف العقدي”. هذا الخطاب لم يكن وليد الصدفة، بل جزءًا من بنية سياسية–أيديولوجية ترى في الكورد عقبة أمام الدولة المركزية المتصلّبة، لا شريكًا في بناء دولة حديثة.

الإعلام المُسيَّس: حين تتحوّل الأرقام إلى أداة تضليل في موجات التصعيد الأخيرة، كشفت قراءات تحليل المضمون الإعلامي عن اختلال بنيوي في التغطية لدى قنوات كبرى، في مقدّمتها الجزيرة وأخواتها. فمن خلال رصد عيّنات من البرامج السياسية والتقارير الميدانية، يظهر بوضوح: تفوّق نسبة الضيوف المعادين للرواية الكوردية مقارنة بالممثّلين الكورد أو المحايدين. استخدام توصيفات سلبية عند الحديث عن قوات كوردية، مقابل توصيفات مائعة أو حيادية لأطراف متطرفة.

تغييب شبه كامل لانتهاكات موثّقة بحق المدنيين الكورد، رغم توفّر المواد المصوّرة والشهادات. في دراسات سابقة لتحليل تغطيات النزاعات، ثبت أن هيمنة اتجاه واحد على أكثر من 60–70٪ من الخطاب الإعلامي تفقد أي مادة صفة المهنية، وتحوّل الإعلام من ناقل للخبر إلى صانع للعدو. وهذا ما انعكس بوضوح في الملف الكوردي.

التحريض الإعلامي… ونتيجته المعاكسة

الأخطر أن هذا الخطاب لم يكتفِ بالتشويه، بل أسهم في تحريض الشارع العربي ضد الكورد، عبر ربطهم الممنهج بمشاريع التقسيم أو التطرف، ما جعل أي حديث عن تعايش حقيقي داخل دولة تُدار بعقلية الإقصاء أمرًا بالغ الصعوبة.

لكن المفارقة التاريخية أن هذه الحملات الإعلامية أدّت إلى نتيجة معاكسة تمامًا: بدل تفكيك الموقف الكوردي، وحّدته. 

الكوردي في أربيل، والسليمانية، وقامشلو، وكوباني، ودياربكر، شاهد الخطاب ذاته، والاتهام ذاته، والتشويه ذاته. فتكرّس إدراك جماعي بأن الاستهداف واحد، وأن كوردستان – كقضية وهوية – واحدة، مهما اختلفت الحدود.

وحدة الخطاب السياسي: التاريخ يتكلم بالأرقام

إلى جانب هذا الالتفاف الشعبي، برز عامل مفصلي تمثّل في وحدة الخطاب السياسي الكوردي. فمن خطاب الرئيس مسعود بارزاني، الذي استحضر ذاكرة المآسي وحذّر من عودة داعش ومن تكرار الكوارث، إلى مواقف مختلف القيادات الكوردية على اختلاف مواقعها، بدا الصوت واحدًا: الهوية الكوردية خط أحمر، والوجود لا يُساوَم.

هذه الوحدة لم تكن لحظة انفعالية، بل خلاصة قرن من التجارب المريرة:

-حملات التعريب القسري في السبعينيات.

-الأنفال (1988) التي راح ضحيتها أكثر من 182 ألف كوردي.

-قصف حلبجة الكيماوي (16 آذار 1988).

-التهجير، والإلغاء، والحرمان من اللغة والاسم.

أين تلك الأنظمة اليوم؟

نظام صدام حسين سقط عام 2003.مشاريع الإقصاء انهارت تباعًا.حكومات رفعت شعار “طمس الكورد” ذهبت إلى مزابل التاريخ. بينما بقي الكورد.

بل أكثر من ذلك، تطوّر حضورهم السياسي، وتحوّلت أربيل من مدينة مستهدفة بالقصف والحصار في التسعينيات، إلى عاصمة للسلام والتعايش والقرار السياسي في الإقليم، ونقطة توازن إقليمي يُحسب لها الحساب.

قرار الدفاع: حين فرض الكوردي لغة الحوار...

في هذا السياق التاريخي، جاء قرار القيادة الكوردية في شمال وشرق سوريا بالدفاع عن مناطقها. لم يكن مغامرة عسكرية، بل خيارًا استراتيجيًا واعيًا.

فشل رهان الحسم، وارتفعت الكلفة، واضطرت دمشق – رغم خطابها – إلى إعلان وقف النار والقبول بالوساطة.

هنا تحوّل الدفاع من فعل ميداني إلى لغة سياسية فرضت الحوار. فالقاعدة التي كرّستها التجربة كانت واضحة:

عندما تُغلق أبواب الحقوق، يصبح الدفاع المشروع هو الطريق الوحيد إلى التفاوض. التعايش لا يُبنى في دولة التطرف

لا يمكن بناء تعايش حقيقي في دولة: تُكفّر جزءًا من شعبها، تُحرّض عليه إعلاميًا، ثم تطالبه بالصمت والثقة.

الدولة التي تُدار بعقلية الفتوى لا بعقد المواطنة، وبمنطق السيف لا القانون، لا تنتج استقرارًا، بل تؤجّل الانفجار.

وبقي ٲن نقول:

ما وحّد الكورد اليوم ليس حزبًا ولا ظرفًا طارئًا، بل ذاكرة تاريخية مشتركة واستهداف متكرّر بأدوات مختلفة. وما أفقد بعض القنوات صدقيتها لدى المشاهد الكوردي لم يكن موقفًا واحدًا، بل تراكمًا من التضليل والتحريض وتزييف الحقائق. في السياسة، كما في التاريخ، الأنظمة المتطرفة إلى زوال، أما الشعوب التي تعرف كيف تدافع عن هويتها بوعي،فهي الباقية… وتفرض الحوار بدل أن تُستجدى.