موقف إقليم كوردستان من الحرب: بين الحقيقة وتحيّن المتربصين
بقلم: لاوان عثمان
باحث وكاتب سياسي
لا أقول إنها لعنة، لكنها حقيقة جيوسياسية مرة تجعل جغرافيا إقليم كوردستان، في كل مرة، على فوهة النار مع اندلاع أي حرب أو اقتتال في المنطقة. فمنذ لحظة سقوط النظام السابق، مروراً بالحرب على الإرهاب بموجتيها الأولى والثانية بين أعوام 2005 و2017، تتكر النغمة ذاتها بين فترة وأخرى إذ تكون لستة الاتهامات جاهزة للتوجيه والترديد. وما أكثر مردودها ممن يصرفون النظر عن المواقف الرسمية، ويركنون إلى نظرية المؤامرة التي تعفي الإنسان من مسؤولية التقصي والتحري عن الحقائق والوقوف عليها.
اليوم يتكرر هذا المشهد مع التصعيد العسكري الدائر في المنطقة. فمنذ اللحظة الأولى لانتشار خبر الاتصالات التي أجراها قبل أيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قادة بعض الأحزاب الكوردية المعارضة الإيرانية، ومن ثم تواصله مع قيادات في إقليم كوردستان، عاد الخطاب الاتهامي للواجهة سريعاً. وقبل أن تتضح طبيعة هذه الاتصالات أو سياقها السياسي، سارع البعض متيقناً إلى إطلاق استنتاجات جاهزة، وكأن الإقليم بمواطنه وبصفته الاعتبارية والرسمية بات طرفا في ترتيبات عسكرية تستهدف الداخل الإيراني!
وما أسهل التصديق بمثل هذه الروايات التي تُرجمت لاحقاً إلى سلسلة من الهجمات المتفرقة خلال الفترة الممتدة من 28 شباط إلى 9 آذار، جاءت على النحو الآتي: 183 طائرة مسيّرة وصاروخاً استهدفت مناطق ضمن حدود محافظة أربيل و23 هجوما في السليمانية، و4 طائرات مسيّرة في دهوك، إضافة إلى طائرتين مسيّرتين في حلبجة! روايات لا تحتاج في الغالب إلى أدلة لتتحول إلى فعل ميداني بقدر ما تحتاج إلى بيئة سياسية ملائمة توفر لها فرصة التداول ومن ثم الاعتماد.
ويتناسى بذلك مروّجو هذه الاتهامات هشاشة النسيج الاجتماعي الذي قد يهددونه بهذا الخطاب، حين يندفعون إلى ترديد روايات غير موثقة، فيقعون – من حيث لا يشعرون – في مكيدة صيغت أصلاً عبر منصات إعلامية تابعة لمن يعتبرونهم أعداء لهم! أليست شبكة Fox News، القريبة من المزاج اليميني في الولايات المتحدة الداعم لإسرائيل، هي التي نشرت إشاعة عن توافد آلاف من مواطني إقليم كوردستان إلى الحدود مع إيران بقصد العبور والانخراط في عمليات ميدانية لتأتي قناة Israel Hayom لاحقاً وتتبنى نفس الرواية معتمدة على مصادر Fox News وتأتي بعدها أنت وتبني عليها مواقفك و اصطفافاتك!؟
وبذلك لا يبقى إقليم كردستان بين فكي كماشة: التهديد الإيراني الذي عبّر عنه مسؤولون إيرانيون بكل وضوح من جهة، ومخاطر ردود الفعل الأميركية التي قد تترتب على رفض الإقليم للمقترح الذي قدموه من جهة أخرى؛ بل سنكون عندئذٍ أمام خطرٍ محليٍ آخر يتمثل في حالة الاحتقان التي طفت إلى السطح بمجرد انتشار الخبر، حتى قبل التثبت من صحته أو الوقوف على حقيقته.
هذا في حين أن مراجعة الموقف الرسمي المعلن تكشف عن واقع مغاير. فمنذ الأيام الأولى للتصعيد العسكري، سواء في الجولة الاولى من الحرب والمعروفة بحرب الـ" الاثني عشر يوماً" أو في التطورات الحالية حرص إقليم كوردستان على إعلان موقف واضح. فقد كثف رئيس الاقليم السيد نيجيرفان بارزاني اتصالاته مع المسؤولين في بغداد، بالتزامن مع التواصل مع الجانب الإيراني، إذ عبّر في السياق نفسه بوضوح عن موقف الإقليم، مؤكداً رفض الاعتداءات العسكرية التي تهدد استقرار المنطقة.
كما شدد على موقف تضامني مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها دولة جارة، ترتبط بالعراق وإقليم كوردستان بعلاقات جغرافية وسياسية لا يمكن تجاهلها. وجاءت هذه التصريحات لتؤكد أن الإقليم لا ينظر إلى ما يجري من زاوية الانحياز إلى أحد طرفي الصراع، بل من زاوية الحفاظ على الاستقرار وتجنب توسيع دائرة الحرب.
كما أكد رئيس الإقليم في أكثر من مناسبة، سواء خلال حرب الأيام الاثني عشر أو في التصعيد الجاري اليوم، موقفاً ثابتاً يقوم على تجنيب إقليم كوردستان والعراق الانجرار إلى الحرب. فقد شدد على أن مصلحة البلاد تكمن في الابتعاد عن منطق الصراع، والعمل بدلًا من ذلك على التهدئة والحفاظ على الاستقرار. ومن هذا المنطلق قال بوضوح أن الأراضي العراقية، بما فيها إقليم كوردستان، يجب ألا تتحول إلى ساحة حرب أو نقطة انطلاق للاعتداء على دول الجوار.
علماً أن مواقف متقاربة أخرى صدرت من قادة سياسيين آخرين، من بينهم رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني، الذي أكد بدوره أهمية تجنيب الإقليم والعراق تداعيات الصراعات الإقليمية، والعمل على حماية الاستقرار الداخلي!
لكن ومع كل ذلك، فإن هذه المواقف غالباً ما تضيع أو تُغيّب وسط هوجاء الاتهامات. فبدل أن تكون التصريحات الرسمية بوصلة لفهم ما يجري، يتم عمداً تجاهلها لصالح روايات أكثر إثارة تحقق رغبة تواقّي الترندات في مواقع التواصل الاجتماعي!
وبناء على كل ما ذُكر لا يمكن على الأقل بالنسبة لي تفسير الأمر دائماً على أنه سوء فهم قد يحصل في مثل هذه المواقف الحرجة بل أرى بأن الأمر يتجاوز ذلك أحياناً إلى حالة من التربص؛ فبمجرد وقوع أي تطور إقليمي أو داخلي، يصبح الإقليم حاضراً في قائمة الاتهام قبل أن تتضح حتى مواقفه أو خطواته.