من رمزية السينما إلى واقع الفضائح العالمية
بقلم: سيروان عبدالكريم علي
تمنحنا السينما أحياناً صوراً بصرية لمخاوف يصعب التعبير عنها مباشرة، مثل الخوف من النفوذ الخفي، وعدم المساواة أمام القانون، واستغلال الفئات الضعيفة. فالأفلام التي تتناول الشبكات السرية، والتلاعب بالإدراك، والامتيازات الطبقية، تجد صدى واسعاً في المجتمعات التي تعاني من ضعف الثقة بالمؤسسات. وبالنسبة لشعوب شرق الأوسط، الذي شهد تحولات سياسية واقتصادية عميقة وتفاوتاً اجتماعياً متزايداً، تبدو هذه الموضوعات قريبة من الواقع. وعندما تكشف الفضائح الواقعية إساءة استخدام السلطة من قبل شخصيات نافذة، تكتسب هذه الأعمال السينمائية دلالة جديدة. وقد أعادت قضية جيفري إبستن، الممول الثري المدان بجرائم جنسية والمتهم بالاتجار بالقاصرات، النقاش العالمي حول نفوذ النخب، والمساءلة، وفشل المؤسسات في حماية الضحايا. لا تتنبأ الأفلام بالأحداث، لكنها تجسد مخاوف اجتماعية تظهر بوضوح عندما تكشف الفضائح عن خلل بنيوي.
يتناول فيلم Eyes Wide Shut (1999) سرية النخب وعزلة السلطة. يروي الفيلم قصة طبيب يدخل إلى تجمع حصري تحكمه الطقوس والتراتبية. وتحت سطحه النفسي، يقدم العمل صورة عن الامتيازات الاجتماعية والمعايير الأخلاقية المزدوجة، حيث يعمل أصحاب النفوذ ضمن قواعد مختلفة عن عامة الناس. يشير الفيلم إلى أن الثروة والنفوذ قد يخلقان مساحات محمية تغيب فيها المساءلة. وقد أثارت قضية إبستين مخاوف مشابهة، إذ كشفت التحقيقات الصحفية كيف يمكن للعلاقات الاجتماعية والنفوذ المالي أن تسمح باستمرار الانتهاكات. التشابه هنا لا يعني التطابق، بل يعكس قلقاً اجتماعياً مشتركاً: عندما تعمل النخب بعيداً عن الرقابة، تتآكل الثقة بالعدالة.
أما فيلم They Live (1988) فيعرض السلطة من خلال السيطرة الأيديولوجية. يصوّر الفيلم قوى خفية تتحكم بالمجتمع عبر رسائل إعلامية واستهلاكية خفية. وعندما يكتشف البطل نظارات تكشف أوامر مثل “أطع” و“استهلك”، يتحول الفيلم إلى استعارة عن تشكيل الوعي. ورغم طابعه الخيالي، يعكس الفيلم حقيقة أن الإدراك يمكن أن يتأثر بالخطاب الإعلامي والسرديات السائدة. في قضية إبستين، تطور فهم الجمهور عبر التقارير الصحفية وشهادات الضحايا ودور الإعلام الاستقصائي. وتُظهر القضية كيف يُشكّل تدفق المعلومات فهم المجتمع للعدالة والمساءلة. يشجع الفيلم المشاهد على التساؤل حول السرديات السائدة وإدراك دور الوعي في كشف الحقيقة.
يقدم فيلم Society (1989) استعارة مرعبة عن الاستغلال الطبقي. ففي الفيلم، تستهلك النخب الثرية الطبقات الدنيا حرفياً، في تصوير رمزي للامتيازات الطفيلية وعدم المساواة. وعلى الرغم من المبالغة، يعكس هذا التصوير مخاوف حقيقية من أن الأنظمة الاجتماعية قد تخدم الأقوياء على حساب الضعفاء. وتشير الادعاءات في قضية إبستين إلى استهداف فتيات من خلفيات اجتماعية واقتصادية هشة، مما يبرز كيف يمكن استغلال الهشاشة الاجتماعية من قبل أصحاب النفوذ. يستخدم الفيلم الرعب كوسيلة لانتقاد اختلال ميزان القوة داخل المجتمع.
أما فيلم The Matrix (1999) فيتناول السيطرة المنظومية من خلال فكرة الواقع المصطنع، حيث تعيش البشرية داخل نظام يخفي حقيقته للحفاظ على السيطرة. يعكس هذا الطرح مخاوف معاصرة حول الأنظمة المعقدة والرقابة والتأثير غير المرئي للسلطة. كشفت قضية إبستين عن إخفاقات متعددة في أنظمة قانونية ومالية واجتماعية، ما أثار تساؤلات حول كيفية عمل هياكل السلطة ولماذا قد يتم تجاهل مؤشرات الخطر. تؤكد رسالة الفيلم أن الوعي هو الخطوة الأولى نحو التحرر، وهي فكرة تتجلى في دور الصحافة الاستقصائية والرأي العام في كشف الانتهاكات.
يقدّم فيلم Parasite (2019) استكشافاً معاصراً للانقسامات الطبقية والاعتماديات الخفية داخل المجتمع. إذ يضع الفيلم ثراءً ظاهراً في مواجهة عملٍ غير مرئي وهشاشةٍ اجتماعية، كاشفاً كيف يمكن للازدهار أن يقوم على أشكالٍ من عدم المساواة غير المرئية. ويعكس تصويره للمسافة الاجتماعية الظروف البنيوية التي تسمح بحدوث الاستغلال في الواقع. كما أن العديد من ضحايا إبستين كانوا من خلفيات هشة، مما يبرز كيف يمكن للتفاوت الاقتصادي أن يزيد من قابلية الاستغلال. ويؤكد الفيلم حقيقة عالمية مفادها أن عدم المساواة ليست اقتصادية فحسب، بل اجتماعية ومكانية أيضاً، بما يخلق بيئات يصبح فيها الخفاء عاملَ خطر.
تشترك هذه الأفلام في موضوعات اجتماعية وسياسية تتقاطع مع ردود الفعل العامة تجاه الفضائح التي تطال النخب: شبكات النفوذ الخفية، تفاوت المساءلة، عدم المساواة البنيوية، وعدم رؤية الفئات الضعيفة. إن الربط بين السينما والواقع لا يعني وجود مؤامرات، بل يسلط الضوء على أنماط متكررة من القوة والهشاشة. فالسينما تختزل المخاوف الاجتماعية في رموز، بينما تكشف الفضائح الواقعية نقاط الضعف التي تستدعي الإصلاح.
أظهرت الاستجابة العالمية لقضية إبستين أن الثقة العامة تعتمد على الشفافية والمساءلة. وعندما يبدو أن أصحاب النفوذ محصنون من العقاب، تتراجع ثقة المواطنين في العدالة والمؤسسات. ومع ذلك، فإن كشف الانتهاكات يؤكد مبدأ أساسياً: لا أحد فوق القانون. وفي المجتمعات العربية، حيث تبقى مطالب الشفافية والعدالة في صلب النقاش العام، تعزز مثل هذه القضايا الدعوات إلى الإصلاح المؤسسي وحماية الفئات الضعيفة.
قد لا تغيّر السينما الواقع السياسي، لكنها تعزز الوعي الأخلاقي. فمن خلال تصوير الهياكل الخفية وإساءة استخدام السلطة، تدعو هذه الأفلام المشاهد إلى مساءلة النفوذ وفهم عدم المساواة وتقدير أهمية الشفافية. وعندما تكشف الفضائح الواقعية الانتهاكات، تبدو التحذيرات الرمزية في السينما أكثر إلحاحاً. إن الوعي والنقاش العام والمساءلة المؤسسية تبقى الأساس لتحقيق العدالة وحماية المجتمع.