عن العراق ومؤتمر ميونخ للأمن2026م. محاولة للفهم.

د هوشيار مظفر علي امين: منذ أن دخل العراق فضاء مؤتمر ميونخ للأمن في نسخه السابقة لم يكن حضوره ترفا سياسيا ولا محاولة تجميل صورة بل كان ضرورة فرضتها طبيعة الدولة العراقية التي وجدت نفسها بعد 2003 في قلب معادلات أمنية إقليمية ودولية معقدة هذا المؤتمر الذي يعد أحد أقدم وأهم المنتديات العالمية في قضايا الأمن تحوّل بالنسبة للعراق إلى ساحة تعريف بالنفس وإعادة سرد للتاريخ القريب والبعيد وتأكيد على أن العراق ليس ملفا أمنيا بل دولة ذات جذور حضارية عميقة ومصالح واضحة.

فبراير 14, 2026 - 17:10
عن العراق ومؤتمر ميونخ للأمن2026م. محاولة للفهم.

العراقة العراقية تظهر في كل مشاركة رسمية حين يتحدث ممثلو الحكومة عن دولة تأسست قبل أن تتشكل معظم الكيانات السياسية الحديثة في المنطقة وحين يربطون أمن العراق بأمن المشرق والخليج والبحر المتوسط وحين يصرون على أن بغداد لم تكن يوما هامشا في السياسة الدولية بل مركز ثقل حضاري وسياسي هذا الخطاب لم يكن خطاب حنين للماضي بل أداة سياسية واعية تستخدم التاريخ كعنصر قوة في معركة السرديات داخل مؤتمر يضم قوى كبرى تبحث عن نفوذ ومصالح ووسط ازمات الترامبية الجديدة وتهميش اوربا وصعود روسيا والصين انعزاليا وتهديدات الحرب مجددا ضد ايران.

في مشاركاتها السابقة ركزت الحكومات العراقية على تقديم تشخيص واقعي لأزمات البلاد الإرهاب والانقسام السياسي هشاشة الاقتصاد وتداخل الأدوار الإقليمية لكن هذا التشخيص كان مصحوبا دائما برسالة مفادها أن العراق يتغير وأن الدولة تتعلم من أخطائها وأن إدارة الأزمة باتت جزءا من خبرتها السياسية هذا التحول من خطاب مفتعل قبل2003 إلى خطاب الفاعل كان واضحا في جلسات ميونخ المغلقة والعلنية على حد سواء ولكل من مثل العراق مثل السيد محمد شياع السوداني رئيس الوزراء في مشاركته والسيد نيجيرفان بارزاني رئيس الاقليم.

الدورات السابقة من المؤتمر شهدت حضورا عراقيا متنوعا شمل رئاسة الوزراء  ووزراء خارجية ومستشارين للأمن القومي وفي أكثر من مرة شارك رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني بخطاب عراقي عراقي  إلى جانب قادة الحكومة الاتحادية ،و هذا الحضور لم يقدم بوصفه تمثيلا موازيا بل بوصفه جزءا من المشهد العراقي الموحز وقد استُثمر لإيصال فكرة أن التنوع السياسي داخل العراق يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أدارته الدولة بعقل بارد وحوار دائم.

نيجيرفان بارزاني في مشاركاته السابقة طرح رؤى تتقاطع مع خطاب الحكومة العراقية في قضايا إدارة الأزمات الداخلية وضرورة تغليب الحلول السياسية على منطق الصدام وقد استخدمت هذه الطروحات في سياق أوسع يعكس تعددية الرأي داخل الدولة العراقية لا انقسامها وهو ما أعطى انطباعا إيجابيا لدى دوائر غربية تبحث عن نماذج واقعية لإدارة النزاعات في الدول الهشة

على ما اشادت به رئاسات الحكومة العراقية في نسخ المؤتمر السابقة.

وأهمية دورة مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 تكمن في توقيتها قبل أي شيء آخر فهي تنعقد في عالم يشهد تآكلا واضحا في النظام الدولي القائم على القواعد وصعودا لسياسات القوة وتراجعا لفكرة الضمانات الأمنية التقليدية في مثل هذا السياق يصبح صوت الدول الاتحادية مثل العراق أكثر أهمية لأنها تمثل خطوط تماس بين الصراعات الكبرى وتتحمل كلفة الفوضى العالمية أكثر من غيرها.

العراق يدخل دورة 2026 وهو أكثر تماسكا خاصة بعد انتخابات2025، ورغم استمرار التحديات الداخلية إلا أن الدولة العراقية باتت أكثر قدرة على صياغة خطاب أمني متماسك يربط بين الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي وبناء المؤسسات هذا الخطاب يجد صداه في ميونخ حيث باتت قضايا الحكم الرشيد والاقتصاد السياسي للأمن جزءا أساسيا من النقاشات التي ادارها نيجيرفان بارزاني.

ما يميز المشاركة العراقية في هذه الدورة هو انتقالها من موقع الشرح إلى موقع التأثير فالعراق لا يكتفي بعرض مشكلاته بل يقدم نفسه كحالة دراسية في إدارة التعافي بعد الصراع وكشريك محتمل في استقرار المنطقة هذا التحول يعكس نضجا في التفكير الاستراتيجي داخل مؤسسات الدولة  الاتحادية، ويعكس أيضا فهما أعمق لكيفية استخدام المنابر الدولية لخدمة المصالح الوطنية.

العراقة العراقية هنا ليست شعارا بل ممارسة سياسية حين يتحدث المسؤول العراقي  الكردي في ميونخ عن بغداد بوصفها نقطة تلاق حضاري وحين يربط أمن الطاقة العالمي باستقرار العراق وحين يذكر أن طرق التجارة القديمة التي مرت عبر بلاد الرافدين تعود اليوم بأشكال جديدة هذا الربط بين التاريخ والجغرافيا والسياسة يمنح الخطاب العراقي وزنا خاصا في مؤتمر يبحث عن مقاربات شاملة للأمن

في المحصلة نجز أن مشاركات العراق في مؤتمر ميونخ للأمن تمثل مسارا تصاعديا في استعادة الدور لا قفزة إعلامية عابرة وهي تعكس إرادة دولة تريد أن تُعرف كما هي لا كما يُراد لها أن تكون دولة عريقة مثقلة بالعراقة ، لكنها أيضا دولة خبرت الصراع وتعلمت منه وتسعى اليوم إلى تحويل خبرتها المؤلمة إلى رؤية واقعية للأمن والاستقرار في منطقة لم تعرف الهدوء منذ عقود.

::::

::::