رئيس إقليم كوردستان العراق في ميونخ: دبلوماسية التهدئة في زمن الاستقطاب
بقلم: سيروان عبدالكريم علي
مشاركة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني في مؤتمر ميونخ للأمن ليست مجرد حضور بروتوكولي في محفل دولي رفيع، بل جاءت في لحظة إقليمية دقيقة تتطلب صوتاً عقلانياً يوازن بين المصالح ويعيد الاعتبار لنهج الحوار. ففي وقت يتسم بتصاعد الاستقطاب الإقليمي والدولي، برزت مشاركته باعتبارها تعبيراً عن رؤية سياسية متماسكة قوامها التهدئة، والشمول، والمسؤولية المشتركة.
يُعد مؤتمر ميونخ للأمن منصة مركزية للنقاشات الاستراتيجية العالمية، حيث تتقاطع رؤى القوى الدولية حول ملفات الأمن والنزاعات والطاقة. وفي هذا الإطار، يعقد الرئيس نيجيرفان بارزاني سلسلة لقاءات مع قادة دوليين ومسؤولين سياسيين وأمنيين، لتناول تطورات الأوضاع في العراق وسوريا، وسبل منع التصعيد، وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة.
ما يميز نهج رئيس إقليم كوردستان في العمل الدبلوماسي هو اعتماده على التواصل المستمر حتى في ظل الخلافات، يسعى دائماً إلى إيجاد مساحات مشتركة تسمح بإدارة التباينات دون انزلاق إلى صدامات مفتوحة. وفي هذا السياق، أكد خلال لقاءاته أن استقرار العراق يتطلب شراكة حقيقية بين أربيل وبغداد، ضمن الإطار الدستوري، وبعيداً عن منطق الغلبة السياسية.
لقد شكلت تجربة إقليم كوردستان في احتضان النازحين من مختلف المحافظات العراقية، إضافة إلى اللاجئين من سوريا، نموذجاً عملياً لهذه الرؤية. فالإقليم لم يميز بين كوردي وعربي أو بين مكون وآخر، بل تعامل مع الأزمة من منظور إنساني جامع. هذه السياسة عززت صورة الإقليم كمساحة للتعايش، ورسخت مكانة رئيس إقليم كوردستان كمدافع عن حقوق الأقليات وكرامة الإنسان.
ولا يمكن فصل هذا النهج عن الإرث السياسي الذي امتد من المرحوم إدريس بارزاني، الذي عمل في ثمانينيات القرن الماضي على توحيد الصف الكوردي وبناء جبهة معارضة عراقية موحدة. هذا التاريخ من السعي إلى الوحدة الداخلية والحوار الخارجي يشكل أحد المرتكزات التي يستند إليها الرئيس في تعاطيه مع القضايا الإقليمية.
تعكس تصريحات الرئيس نيجيرفان بارزاني إدراكاً عميقاً لطبيعة التحولات الجارية في الشرق الأوسط. فالمنطقة تعاني من هشاشة مؤسساتية وتراكم أزمات، وأي مقاربة أمنية لا تأخذ في الاعتبار البعد الاجتماعي والإنساني ستبقى قاصرة. من هنا، يشدد على أن حماية التنوع وترسيخ المواطنة المتساوية يمثلان شرطاً ضرورياً لأي استقرار مستدام.
إن دبلوماسية رئيس إقليم كوردستان لا تقوم على الاصطفاف الحاد، بل على إدارة التوازنات بحكمة. فهو يحافظ على علاقات بناءة مع الشركاء الأوروبيين والدوليين، وفي الوقت ذاته يسعى إلى تعزيز الاستقرار الداخلي عبر الحوار الوطني. هذه القدرة على الجمع بين البعدين الداخلي والخارجي تعكس فهماً متقدماً لدور القيادة في زمن الأزمات.
العراق وسوريا يمران بمرحلة مفصلية، وشعوبهما بحاجة إلى نماذج قيادية تعطي الأولوية للسلام على حساب المصالح الضيقة. وفي هذا السياق، تبرز مشاركة الرئيس نيجيرفان بارزاني في مؤتمر ميونخ للأمن باعتبارها امتداداً لدور إقليم كوردستان كفاعل يسعى إلى تقريب وجهات النظر، ودعم الحلول السياسية الشاملة، وتجنب الانزلاق نحو جولات جديدة من عدم الاستقرار.
في عالم تتسارع فيه الأزمات، تبدو دبلوماسية التهدئة التي ينتهجها رئيس إقليم كوردستان خياراً عقلانياً يستند إلى الواقعية السياسية والالتزام الأخلاقي في آنٍ واحد. وهي رسالة مفادها أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء الثقة وترسيخ ثقافة الحوار.