نيجيرفان بارزاني يقابل العالم في ميونخ للأمن 2026م.

قاسم محسن شفيق زين العابدين العوادي ::::: :::: في ميونخ هذا العام لم يكن الحضور العراقي تفصيلا بروتوكوليا ضمن جدول مزدحم بالقادة والرؤساء بل كان تعبيرا عن لحظة سياسية ناضجة تعكس تحولا في طريقة تموضع العراق داخل النظام الدولي المتقلب وقد بدا نيجيرفان بارزاني وهو يتنقل بين قاعات المؤتمر واجتماعاته المغلقة وكأنه يمثل العراق بكل ثقله السياسي والجغرافي والتاريخي لا بصفته منصبا إداريا محددا بل بوصفه وجها لدولة تبحث عن توازن دقيق بين المصالح المتعارضة في عالم مضطرب كمثل مشاركاته السابقة.

فبراير 14, 2026 - 20:43
نيجيرفان بارزاني يقابل العالم في ميونخ للأمن 2026م.

لقد انعقد مؤتمر ميونخ للأمن 2026 في ظرف دولي معقد حيث تتراجع الثقة بالتحالفات التقليدية ويتآكل النظام القائم على القواعد وتتزايد النزاعات المفتوحة في أكثر من جبهة من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وفي مثل هذا المناخ يصبح حضور العراق وكردستان  ضرورة استراتيجية لا خيارا تكميليا لأن العراق يقف جغرافيا وسياسيا على تقاطع المصالح الكبرى بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة وإيران وتركيا وروسيا من جهة أخرى وبين الخليج وبلاد الشام من جهة ثانية

كما يرى الكاتبان.

منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى ميونخ تحرك بارزاني وفق إيقاع محسوب يعكس فهما لطبيعة المؤتمر بوصفه مساحة صناعة قرارات غير معلنة بقدر ما هو منصة تصريحات علنية وقد بدأ بسلسلة لقاءات ثنائية ركزت على إعادة تعريف موقع العراق في معادلة الأمن الإقليمي والدولي لا باعتباره ساحة تنافس بل شريكا يمكن الركون إليه في إدارة التوازنات

فلقاؤه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حمل أبعادا تتجاوز المجاملة الدبلوماسية إذ جاء في سياق بحث أوروبي أوسع عن شركاء مستقرين في الشرق الأوسط في ظل انشغال أوروبا بالحرب في أوكرانيا وتداعياتها وقد ركز النقاش على أهمية دعم مؤسسات الدولة العراقية وتعزيز قدراتها الأمنية والاقتصادية بما يضمن منع عودة الفوضى التي عانى منها العراق في العقدين الماضيين وفي هذا اللقاء ظهر العراق بوصفه ركيزة استقرار لا عبئا أمنيا

أما لقاؤه مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف فكان إشارة إلى أن العراق يسعى إلى تنويع علاقاته وعدم حصرها في المحورين الغربي أو الإقليمي التقليدي وقد تناول الطرفان آفاق التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والتنسيق السياسي وهو ما يعكس إدراكا عراقيا بأن أمن الطاقة بات جزءا من الأمن القومي الشامل وأن بناء جسور مع دول تمتلك موقعا جيوسياسيا حساسا يعزز هامش الحركة العراقية

في الجانب الأميركي برز اجتماع بارزاني مع وزير الخارجية ماركو روبيو وعدد من أعضاء الكونغرس بوصفه محطة مفصلية في سياق العلاقة بين بغداد وواشنطن حيث تم التطرق إلى مستقبل التعاون الأمني والعسكري وإلى آليات الانتقال من صيغة الدعم القتالي إلى صيغة الشراكة الاستشارية وبناء القدرات وقد شدد بارزاني على أن العراق يريد علاقة متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لا على منطق التبعية أو الإملاء

هذه الرسالة كانت موجهة ليس فقط إلى واشنطن بل إلى جميع العواصم الحاضرة في ميونخ إذ أكد في لقاءاته المتعددة أن العراق انتهج سياسة خارجية تقوم على مبدأ التوازن الإيجابي أي الحفاظ على علاقات بناءة مع الجميع من دون الانخراط في محاور متصارعة وهذا الطرح يعكس وعيا استراتيجيا بأن الانحياز الحاد في بيئة دولية مستقطبة قد يهدد الاستقرار الداخلي

في لقائه مع رئيس وزراء لبنان نواف سلام ووزراء خارجية ومسؤولين عرب وأوروبيين ركز بارزاني على البعد الإقليمي للأمن العراقي مشددا على أن استقرار بغداد لا ينفصل عن استقرار دمشق وبيروت وأن أي اهتزاز في دولة من دول المشرق ينعكس مباشرة على الأخرى وقد أعاد التأكيد على أن العراق يرفض أن يكون منصة صراع بالوكالة ويعمل على تثبيت مفهوم السيادة الوطنية بوصفه قاعدة لأي تعاون أمني

اللافت في تحركاته أنه لم يتعامل مع المؤتمر كفرصة خطابية بل كمساحة تفاوض صامتة حول ملفات حساسة تتعلق بالاقتصاد والطاقة وإعادة الإعمار والتكنولوجيا الأمنية وقد طرح في أكثر من اجتماع فكرة الربط بين الأمن والتنمية مؤكدا أن التجربة العراقية أثبتت أن غياب العدالة الاقتصادية يخلق بيئة خصبة للتطرف وأن الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والطاقة هو استثمار في الاستقرار طويل الأمد

هذا المنهج الواقعي للسيد نيجيرفان كنا يحلله الباحثان جعل منه محاورا مقبولا لدى أطراف متباينة الرؤى إذ تمكن من الجلوس مع قادة غربيين ومع مسؤولين من دول لها علاقات متوترة مع الغرب من دون أن يظهر كطرف منحاز وهذا التوازن هو جوهر الدبلوماسية العراقية الجديدة والسياسة الخارجية العراقية الجديدة  التي تسعى إلى تحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى فرصة.

في كواليس ميونخ 2026ترددت إشارات إلى لقاءات أخرى مرتقبة غدا مع رؤساء حكومات ووزراء دفاع واقتصاد من أوروبا وآسيا والخليج وهو ما يعكس استمرار الزخم العراقي في استثمار المؤتمر لتعزيز شبكة علاقاته الدولية وهذه اللقاءات المرتقبة لن تكون مجرد تبادل آراء بل ستشكل امتدادا لنهج قائم على تثبيت مصالح العراق في ملفات الطاقة والاستثمار ومكافحة الإرهاب وحماية حدوده

ومن منظور تحليلي يمكن القول إن مشاركة بارزاني في ميونخ 2026 تمثل تجسيدا لمرحلة جديدة في السلوك السياسي العراقي حيث لم يعد العراق ينتظر مبادرات الآخرين بل يبادر إلى صياغة أجندته الخاصة ويعرضها بثقة أمام القوى الكبرى وهذا التحول يعكس تراكم خبرة سياسية منذ سنوات المواجهة مع الإرهاب ومنذ مراحل التوتر الداخلي التي دفعت النخبة العراقية العربية والكردية وبقية نخب العراق إلى إدراك أهمية العمل الدبلوماسي الوقائي.

في كل لقاء كان  نيجيرفان يكرر أن العراق لا يبحث عن مظلات مؤقتة بل عن شراكات مستدامة وأنه قادر على لعب دور جسر بين الشرق والغرب وبين العرب وغير العرب وبين القوى المتنافسة وهذا الطرح يجد صدى في واقع جيوسياسي يجعل من بغداد نقطة التقاء طبيعية لخطوط الطاقة والتجارة والثقافة

ميونخ2026 هذا العام لم يكن مجرد محطة عابرة في جدول الدبلوماسية العراقية بل مساحة اختبار لقدرة العراق على مخاطبة العالم بلغة المصالح لا بلغة الشكوى وقد نجح بارزاني في أن يقدم صورة رجل دولة يتحرك بثقة بين قادة العالم واضعا أمامهم حقيقة بسيطة مفادها أن استقرار العراق ليس مصلحة عراقية فقط بل مصلحة إقليمية ودولية مشتركة

وهكذا يمكن قراءة هذه المشاركة بوصفها خطوة ضمن مسار أطول يسعى إلى ترسيخ حضور العراق في دوائر صنع القرار الدولي فالعالم الذي يقابله العراق في ميونخ 2026 هو عالم متغير سريع الإيقاع ولا مكان فيه للدول المترددة وقد أظهر العراق عبر نيجيرفان  في هذا المؤتمر أنه يدرك قواعد اللعبة الجديدة وأنه مستعد للدفاع عن مصالحه الداخلية والخارجية وفق تخطيط   وحسابات دقيقة وبإرادة سياسية تعكس ثقل دولة بتاريخها وموقعها ودورها في قلب الشرق الأوسط.

لقد فعلها نيجيرفان مرة اخرى.