تحذير من التاريخ: رؤية مصطفى بارزاني الخالد في زمن تصاعد التوترات

فبراير 3, 2026 - 13:38
تحذير من التاريخ: رؤية مصطفى بارزاني الخالد في زمن تصاعد التوترات

بقلم: د. سيروان عبدالكريم علي

في الأزمنة التي تتجه فيها العلاقات السياسية والاجتماعية نحو التشنج، لا يكون الخطر الحقيقي في الخلاف نفسه، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الخلاف. فحين يتحول الاختلاف السياسي إلى قطيعة اجتماعية، ويُستبدل النقاش بالعنف الرمزي أو الفعلي، يصبح المجتمع كله على حافة الانكسار. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الرجوع إلى التاريخ ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. من بين النصوص التي تكتسب أهمية استثنائية اليوم خطاب ألقاه المرحوم مصطفى بارزاني عام 1967، ليس لأنه ينتمي إلى الماضي، بل لأنه كُتب في لحظة أزمة مشابهة، وطرح أسئلة لا تزال مطروحة بقوة: كيف تُدار السلطة؟ كيف تُحفظ كرامة الناس؟ وكيف يمكن منع الصراع السياسي من التحول إلى عداء قومي؟

يبدأ الخطاب من نقطة جوهرية: تعريف القيادة. فالقائد، في رؤية بارزاني الخالد، ليس صاحب امتيازات، بل حامل مسؤولية ثقيلة. السلطة ليست حقًا طبيعيًا ولا مكافأة، بل تكليف يفرض التضحية بالمصلحة الشخصية لصالح المصلحة العامة. هذه الفكرة تبدو بديهية نظريًا، لكنها في الواقع نادرة التطبيق، خصوصًا في البيئات التي تهيمن فيها المحسوبية والفساد. اليوم، ومع تصاعد التوترات بين العرب والكورد، يشعر كثير من الناس أن السياسة لم تعد وسيلة لتحقيق العدالة، بل أداة لإعادة توزيع الظلم. حين تُختزل الدولة في نخبة، تبدأ المجتمعات في الانكفاء على هوياتها الضيقة طلبًا للحماية. خطاب بارزاني الخالد يذكّرنا بأن أصل الأزمة ليس في التعدد القومي، بل في فشل النخب في أداء واجبها الأخلاقي.

من أهم ما يميّز هذا الخطاب هو موقفه من النقد. بارزاني الخالد لا يهاجم أشخاصًا، ولا يحوّل الخلاف إلى تصفية حسابات، بل يدعو إلى نقد السلوك والسياسات، ويضع نفسه ضمن دائرة المساءلة. هذه الروح غائبة إلى حد كبير اليوم، حيث يُنظر إلى أي نقد بوصفه تهديدًا أو خيانة. في بيئة متوترة، يصبح النقد مسؤولية مضاعفة. فإما أن يكون أداة إصلاح، أو وقودًا للتصعيد. الخطاب يدعو إلى نقد يهدف إلى تصحيح المسار، لا إلى إذلال الخصم. يؤكد بارزاني الخالد أن أي حركة سياسية أو ثورية لا يمكن أن تنجح دون تنظيم ومؤسسات وانضباط. هذه ليست دعوة حزبية ضيقة، بل رؤية سياسية عميقة: الدولة لا تُبنى بالعواطف، بل بالقوانين والهياكل القادرة على إدارة الخلاف.

في ظل التوترات الحالية، كثيرًا ما يُستدعى الخطاب القومي بوصفه بديلًا عن ضعف المؤسسات. لكن التجربة التاريخية تُظهر أن غياب المؤسسات لا يؤدي إلا إلى تضخيم المخاوف، وتحويل الهوية إلى أداة صراع. كلما ضعفت القوانين، اشتدت العصبيات. من أكثر مقاطع الخطاب تأثيرًا تركيزه على الإنسان العادي: الفلاح، الراعي، التاجر، المرأة، الطفل. يحذر بارزاني الخالد من كسر خواطر الناس، أو إهانتهم، أو أخذ ممتلكاتهم ولو كانت بسيطة. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل جوهر السياسة. في أوقات التصعيد، تُختبر الأنظمة لا بخطاباتها، بل بسلوكها اليومي. كيف يُعامل المواطن في الدائرة الرسمية؟ في الشارع؟ في الخطاب الإعلامي؟ الإهانة الصغيرة قد تخلق شرخًا كبيرًا، والظلم البسيط قد يتحول إلى نقمة عامة. الشرعية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالاحترام.

يطرح الخطاب فكرة مركزية: لا توجد قوة قادرة على الصمود دون ثقة الناس. حتى أقوى سلطة يمكن أن تنهار إذا شعرت الأغلبية أنها مُهمَّشة أو مُحتقرة. وفي المقابل، لا يمكن كسر مجتمع يشعر أن الدولة تحميه. هذه الفكرة بالغة الأهمية اليوم. تصعيد الخطاب العدائي، سواء في الإعلام أو السياسة، لا يعزز الأمن، بل يقوّضه. حين يشعر الناس أن الدولة لا تمثلهم جميعًا، يتحول كل خلاف إلى تهديد وجودي.

يرفض بارزاني الخالد الحرب على أساس قومي، ويؤكد أن الصراع ليس بين العرب والكورد بوصفهم شعوبًا. لكنه في الوقت نفسه يرفض مفهوم الأخوة الشكلية التي تُستخدم لتبرير الظلم. الأخوة، في نظره، لا تقوم إلا على العدالة والمشاركة والكرامة المتساوية. هذه نقطة حساسة في الواقع الحالي. الدعوة إلى الوحدة دون معالجة الاختلالات البنيوية لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان. لا يمكن مطالبة طرف بالصبر الدائم، ولا بطرف آخر بالسيطرة الدائمة. التوازن والعدالة هما أساس أي تعايش مستقر.

ينتهي الخطاب بدعوة واضحة لدولة ديمقراطية عادلة، يحكمها القانون لا السلاح، وتُدار بالمحاسبة لا بالإكراه. هذه الرؤية عملية. ففي المجتمعات المتعددة، لا بد أن تكون الدولة حكمًا محايدًا، لا أداة بيد جماعة ضد أخرى. تجارب الدول الحديثة تُظهر أن القوانين التي تحمي المواطنين من التمييز، وتضمن المساواة أمام القضاء، هي صمام الأمان عند تصاعد الخلافات. حين يشعر المواطن أن القانون يحميه، لا يحتاج إلى الاحتماء بهويته القومية ضد جاره.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو انتقال التوتر من السياسة إلى المجتمع. حين يصبح الجار خصمًا، والكلمة سلاحًا، والهوية تهمة، نكون قد تجاوزنا نقطة الخطر. خطاب بارزاني الخالد ليس دعوة إلى التنازل عن الحقوق، بل إلى إدارتها بعقلانية. ليس دعوة إلى النسيان، بل إلى عدم تحويل الذاكرة إلى وقود للكراهية. التاريخ هنا لا يُستحضر للتفاخر، بل للتحذير. التصعيد ليس قدرًا محتومًا. هو نتيجة خيارات. وكذلك التهدئة، والعدالة، وبناء الثقة… كلها خيارات. والتاريخ، حين يُقرأ بوعي، يساعدنا على اختيار الطريق الأقل كلفة على الجميع.