في السياق العام لمؤتمر ميونخ للأمن 2026 و موقع ودور نيجيرفان بارزاني في هذا المشهد

بقلم: قاسم محسن شفيق الخزعلي طالب كاظم سعداوي :::: :::: تنطلق أعمال مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام في مناخ دولي غير مسبوق من حيث حجم الاضطراب وتشابك الأزمات حيث بات واضحا أن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة لم تعد تعمل وفق المسلمات التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة بل أصبحت علاقة خاضعة للاختبار والمراجعة العلنية داخل أروقة السياسة الغربية نفسها المؤتمر ينعقد فيما لا تزال تداعيات خطاب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في دورة العام الماضي حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية الأوروبية وهو الخطاب الذي هاجم فيه السياسات الأوروبية واتهم قادتها بتقويض مجتمعاتهم عبر ملفات الهجرة ومنع صعود اليمين المتطرف وهو ما شكل صدمة حقيقية للتحالف عبر الأطلسي ولم يكن مجرد تباين خطابي عابر. تلك الصدمة تعمقت لاحقا مع سلسلة خطوات اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعادت رسم خطوط العلاقة مع أوروبا من فرض الرسوم الجمركية إلى التعامل البراغماتي مع الحرب في أوكرانيا وصولا إلى تصريحات تتعلق بغرينلاند وسخريته العلنية من القادة الأوروبيين في منتدى دافوس حين قال إن أوروبا لا يمكنها أن تكون شيئا من دون الولايات المتحدة هذه الوقائع خلقت شعورا أوروبيا واسعا بأن الضمانات الأمنية التقليدية لم تعد مضمونة وأن العلاقة مع واشنطن باتت مشروطة ومتقلبة.

فبراير 14, 2026 - 17:36
في السياق العام لمؤتمر ميونخ للأمن 2026 و موقع ودور نيجيرفان بارزاني في هذا المشهد

في هذا المناخ يتقدم مؤتمر ميونخ للأمن بوصفه مساحة مواجهة سياسية وفكرية لا مجرد منتدى حوار إذ يتساءل القادة الأوروبيون بوضوح عما إذا كان يمكن الوثوق بالولايات المتحدة مجددا وما هو البديل إن لم يعد ذلك ممكنا هذا السؤال يشكل الخلفية الاستراتيجية لكل النقاشات الدائرة في ميونخ هذا العام ويمنح المؤتمر طابعا وجوديا يتجاوز الملفات التقنية إلى إعادة تعريف معنى الشراكة والتحالف.

التقرير الأمني السنوي للمؤتمر يحمل عنوان العالم تحت الدمار  بصورة الفيل الرمزية، وهو توصيف يعكس قناعة لدى منظمي المؤتمر بأن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يتعرض اليوم لهجوم مزدوج من الخارج عبر قوى تنافسية ومن الداخل عبر سياسات غربية توصف بأنها هدامة هذا التوصيف لا يقتصر على نقد الخصوم التقليديين بل يمتد إلى سياسات داخل المجتمعات الغربية نفسها حيث تتقدم الصفقات النفعية على القواعد والمؤسسات وتتراجع فكرة المصلحة العامة لصالح الحسابات الآنية

ضمن هذا المشهد القاتم يحضر أكثر من ألف مشارك من نحو مئة وعشرين دولة بينهم عشرات من رؤساء الدول والحكومات وقادة المؤسسات الدولية وقادة عسكريون وخبراء وصناع قرار ويعقد المؤتمر بالتزامن مع اجتماعات وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي في بروكسل في دلالة على تشابك الملفات الأمنية الأوروبية والدولية وعلى شعور عام بأن مرحلة جديدة من إعادة التسلح وإعادة التموضع قد بدأت فعليا.

اللافت في هذه الدورة هو الحضور الأميركي الواسع على الرغم من أزمة الثقة إذ يشارك عدد كبير من أعضاء الكونغرس إلى جانب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو كما يحضر ممثلون بارزون عن التيار الديمقراطي في الولايات المتحدة في إشارة إلى أن الحوار مع واشنطن لم يعد محصورا بالإدارة التنفيذية بل بات يشمل طيفا أوسع من الفاعلين السياسيين الأميركيين وهو ما يعكس إدراكا أوروبيا بأن تقلب السياسة الأميركية لم يعد استثناء بل سمة بنيوية.

في هذا السياق المركب تبرز مشاركة رئيس إقليم كردستان العراق  السيد نيجيرفان بارزاني بوصفها مشاركة مختلفة في طبيعتها ودلالاتها كعادته في سابق مشاركاته فهو  يمثل اهمية عراقية كردية استراتيجية و جيوسياسية حساسة تقع عند تقاطع أزمات الشرق الأوسط ويتحرك ضمن هامش ضيق بين ضغوط إقليمية وتوازنات دولية معقدة وهو ما يمنح حضوره قيمة تحليلية تتجاوز الحجم الشكلي للتمثيل.

بارزاني يشارك في مؤتمر ميونخ للأمن 2026 بعد سلسلة مشاركات سابقة راكم خلالها نمطا ثابتا في الخطاب والممارسة يمكن توصيفه بالنهج الاستراتيجي الواقعي الذي ينطلق من قراءة دقيقة لموازين القوى ثم يدعو إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ بدل الرهان على شعارات كبرى أو مشاريع غير ناضجة هذا النهج تشكل عبر تجربة قاسية عاشها إقليم كردستان خلال العقد الأخير من مواجهة تنظيم الدولة إلى إدارة النزوح الجماعي إلى الصدام السياسي مع ازمات متعددة الى  مسار التفاوض عراقيا وفي نطاق الجوار العراقي.

وكما رصد كثيرون ومراكز دراسات فان  الاستراتيجية الأولى التي اعتمدها بارزاني في مشاركاته السابقة تقوم على تقديم إقليم كردستان بوصفه عنصر استقرار نسبي داخل بيئة فوضوية لا بوصفه حالة مثالية أو مشروعا مكتملا هذا التقديم الواقعي منح الإقليم مصداقية لدى صناع القرار الغربيين لأنه لم يعتمد على خطاب المظلومية ولا على خطاب التحدي بل على عرض عملي لتجربة إدارة الأمن المحلي والتنسيق مع التحالف الدولي وحماية خطوط الطاقة والحدود.

والاستراتيجية الثانية تمثلت في نقل قضايا الإقليم من خانة الشأن المحلي إلى خانة الأمن الدولي عبر الربط المنهجي بين استقرار شمال العراق وأمن أوروبا سواء في ملف الإرهاب العابر للحدود أو الهجرة أو الطاقة هذا الربط لم يكن دعائيا بل استند إلى وقائع ميدانية جعلت من أي ازمة في الإقليم تهديدا يتجاوز حدوده الجغرافية وهو ما منح بارزاني مساحة أوسع للتأثير في النقاشات الدولية.

الاستراتيجية الثالثة اعتمدت على إدارة التناقضات الإقليمية عبر الانخراط المتوازن مع أطراف متعارضة دون الانخراط في اصطفافات حادة ففي الوقت الذي حافظ فيه على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي أبقى قنوات التواصل مفتوحة مع تركيا وإيران وبغداد وهو توازن بالغ الصعوبة لكنه شكل ركيزة أساسية في منع تحويل العراق والإقليم إلى ساحة صراع بالوكالة.

ونجيرفان يوكد على عراقته العراقية قبل كرديته في كل خطاباته.

والاستراتيجية الرابعة أعادت تعريف مفهوم الأمن ذاته حيث لم يحصره نيجيرفان بارزاني في البعد العسكري بل وسعه ليشمل الاستقرار الاقتصادي والحكم الرشيد وإدارة التنوع والفرص المتاحة للشباب وهو طرح انسجم مع التحولات في التفكير الأمني الأوروبي وساهم في إدخال البعد الاجتماعي والاقتصادي ضمن نقاشات الأمن .

مشاركة بارزاني في مؤتمر 2026 كسابقاتها تأتي في لحظة تعيد فيها أوروبا النظر في اعتمادها الطويل على القوة الأميركية وفي وقت تتصاعد فيه الدعوات لبناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة وتعزيز الصناعات العسكرية وتطوير الأمن السيبراني والاستخباراتي في هذا السياق يقدم بارزاني رؤية تنطلق من تجربة إقليم يعيش في محيط جواري غير مستقر ويعرف أن بناء الأمن لا يتحقق بالإنفاق العسكري وحده بل بتكامل الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية.

الهوية التي يحملها بارزاني في ميونخ عراقية عراقية فهو يتحدث بصفته قائدا عراقيا وضمن إطار الدولة العراقية في آن واحد هذه الالية ليست عبئا بل مصدر قوة تحليلية لأنها تعكس جمالية تنوع  الدولة العراقية نفسها وتمنحه القدرة على التحدث عن تحديات الفيدرالية وإدارة التنوع والصراع بين المركز والأطراف بلغة خبرة لا لغة تنظير.

في النقاشات المتعلقة بالعلاقة عبر الأطلسي يجد بارزاني نفسه في موقع قريب من المزاج الأوروبي الحذر من تقلبات السياسة الأميركية لكنه في الوقت ذاته يدرك أهمية استمرار الشراكة مع واشنطن وهو ما يدفعه إلى خطاب يركز على تقاسم الأعباء وبناء القدرات المحلية بدل الاعتماد المطلق على الضمانات الخارجية.

الملف الأوكراني والشرق الأوسط يشكلان خلفية دائمة لهذه النقاشات إذ يرى بارزاني أن التعامل الانتقائي مع الأزمات يقوض مصداقية النظام الدولي وأن تجاهل أزمات الشرق الأوسط لا يقل خطورة عن تجاهل الحرب في أوروبا الشرقية وهو طرح ينسجم مع فكرة الأمن غير القابل للتجزئة التي يدافع عنها منظرو المؤتمر.

من منظورنا فإن حضور نيجيرفان بارزاني في مؤتمر ميونخ للأمن 2026 كحضوره السابق يجسد نموذجا لقيادة واقعية لا تراهن على الحسم ولا تنخرط في خطاب الهدم بل تسعى إلى التطبيق العملي ضمن هوامش ضيقة وتعمل على تحويل الخبرة المحلية في إدارة الأزمات إلى قيمة مضافة في النقاش الدولي هذا الحضور لا يقدم حلولا سحرية  بواقعية نيجيرفان لكنه يقدم مقاربة قابلة للعمل في عالم تتراجع فيه اليقينيات وتتصاعد فيه الحاجة إلى إدارة ذكية للصراع بدل الانجرار إلى انفجارات غير محسوبة.

نيجيرفان بارزاني سياسي عراقي واقعي غير حالم وتلك ميزته.