القوة القاهرة... عندما تصبح العقود الدولبة اسيرة للنزاعات

مارس 9, 2026 - 17:11
القوة القاهرة... عندما تصبح العقود الدولبة اسيرة للنزاعات

تتوالى التطورات الميدانية في منطقة الخليج العربي، حيث أعلنت شركة الطاقة الرئيسية في البحرين -المسؤولة عن المصفاة الوحيدة في البلاد- حالة «القوة القاهرة» على العمليات المتأثرة بالحرب الدائرة. وتأتي هذه الخطوة لتنضم إلى سلسلة إعلانات مماثلة من «قطر للطاقة» بخصوص شحنات الغاز الطبيعي المسال، ومن دولة الكويت فيما يتعلق بمبيعات النفط بعد بدء خفض الإنتاج في حقولها ومصافيها.

هذه الإعلانات تأتي متوافقة مع تحذيرات سابقة أطلقها وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، سعد شريدة الكعبي، الذي حذر من أن استمرار الحرب أسابيع قد يدفع جميع المصدرين في الخليج لإعلان «القوة القاهرة»، وهو سيناريو يرجح أن يدفع أسعار النفط نحو حاجز 150 دولاراً للبرميل، مع التسبب في اضطرابات هيكلية بالاقتصاد العالمي.

ولكن ما هي «القوة القاهرة»؟

يعود أصل مصطلح «القوة القاهرة» إلى القانون المدني الفرنسي، وتحديداً من «قانون نابليون» والذي ينص على أنه «لا مجال للتعويضات عندما يكون المدين، نتيجة للقوة القاهرة... قد مُنع من القيام بما هو ملزم به».

وتُعرف «القوة القاهرة» بأنها بند قانوني يتيح للطرف المتعاقد تعليق التزاماته (مثل توريد شحنات النفط والغاز) دون تحمل تبعات قانونية ولا غرامات تعويضية. ويتم اللجوء لهذا الإجراء عندما تقع أحداث استثنائية خارجة عن سيطرة الشركة، تجعل تنفيذ العقد أمراً مستحيلاً أو شديد الخطورة.

متى يتم تفعيل هذا البند؟

لا يمكن للشركات إعلان «القوة القاهرة» إلا إذا توفرت 3 أركان أساسية هي:

  • عدم التوقع: أن يكون الحدث (مثل الحرب أو إغلاق الممرات الملاحية) غير متوقع وقت توقيع العقود.
  • استحالة التنفيذ: أن يكون الحدث عائقاً فعلياً لا يمكن تجاوزه، مثل استهداف المواني أو إغلاق الممرات البحرية الحيوية.
  • خارج الإرادة: أن يكون الحدث ناتجاً عن عوامل خارجية لا علاقة للشركة بها، كالنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية.

لماذا تلجأ إليها شركات الطاقة الآن؟

تستخدم الشركات هذه الإعلانات كوسيلة دفاعية تهدف إلى تجنب دفع غرامات تأخير أو تعويضات للمشترين الدوليين نتيجة توقف الشحنات، وإبلاغ الأسواق العالمية رسمياً بأن سلاسل الإمداد معطلة، مما يمنح الشركة غطاءً قانونياً للتعامل مع الأولويات الداخلية الطارئة، إضافة إلى منح الشركة مرونة في إعادة تخصيص ما تبقى من إنتاج لتغطية الاحتياجات المحلية الملحة في ظل أزمة الحرب.

التداعيات على أسواق الطاقة

لا يقتصر التأثير القانوني لـ«القوة القاهرة» على تعليق الالتزامات التعاقدية فحسب؛ بل يمتد ليشكل محركاً أساسياً لعدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية؛ حيث أصبحت هذه الإعلانات تشكل صدمة هيكلية تعيد صياغة قواعد التجارة الدولية للطاقة من خلال الآثار التالية:

  • يمثل إعلان «القوة القاهرة» من قبل منتجين بحجم قطر والكويت والبحرين اعترافاً رسمياً بنقصٍ حقيقي في المعروض العالمي، وهو ما يتجاوز في تأثيره مجرد المخاوف السوقية. هذا العجز في الإمدادات يُجبر المشترين الدوليين على الاندفاع نحو السوق الفورية لتأمين احتياجاتهم، وهي سوق تتميز بأسعارها المرتفعة جداً وتقلباتها الحادة، مما يؤدي بالتبعية إلى إشعال الأسعار عالمياً.
  • تضع إعلانات «القوة القاهرة» عقود الطاقة طويلة الأجل -ولا سيما بنود «خذ أو ادفع»- تحت ضغوط قانونية غير مسبوقة. فبينما تُلزم هذه العقود المشترين بالدفع حتى في حال تعذر التسلُّم، تفتح «القوة القاهرة» باباً للنزاعات القضائية المعقدة حول مدى أحقية المشترين في التحلل من التزاماتهم المالية، مما يحول الالتزامات التعاقدية من أداة استقرار إلى مصدرٍ للتوترات المالية بين الدول والشركات.
  • تؤدي إعلانات «القوة القاهرة» إلى موجة من القضايا الدولية المعقدة التي تتصارع فيها الشركات حول تفسير مفهوم «توقع الأحداث»، وما إذا كانت الحرب أو الكوارث الطبيعية أحداثاً متوقعة أم لا.
  • هذه النزاعات تزيد من مخاطر السوق المالية، وتُدخل الشركات في دوامة طويلة من التقاضي الدولي، مما يعيق اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل، ويُبقي الأسواق في حالة ترقب وقلق دائم.