دينيس ساسو نغيسو، «الإمبراطور» الذي يرفض مغادرة عرشه

مارس 15, 2026 - 17:54
دينيس ساسو نغيسو، «الإمبراطور» الذي يرفض مغادرة عرشه
دينيس ساسو نغيسو يغادر البرلمان بعد أدائه اليمين رئيسًا جديدًا للكونغو – برازافيل، في برازافيل في 25 تشرين الأول/أكتوبر 1997. جورج مولالا / رويترز

رئيس الكونغو – برازافيل، الذي يتولى السلطة منذ عام 1997، يترشح يوم الأحد 15 آذار/مارس لولاية خامسة متتالية. وعلى الرغم من الفساد والطابع السلطوي للنظام، فإنه لا يزال يعدّ شخصية محورية في القارة الإفريقية.

يطلق عليه الكونغوليون ونظراؤه الأفارقة ألقابًا مثل «الفيل» و«الإمبراطور» أو «الأب الروحي»، إذ إن العقود الطويلة التي قضاها في قيادة الكونغو، والتي تبلغ في مجموعها نحو اثنين وأربعين عامًا، جعلته أحد أطول رؤساء الدول بقاءً في الحكم وأكثرهم ترسخًا في القارة الإفريقية. ويسعى الجنرال دينيس ساسو نغيسو، البالغ من العمر 82 عامًا، إلى الفوز بولاية خامسة متتالية في الانتخابات الرئاسية المقررة يوم الأحد 15 آذار/مارس.

ويقف في مواجهته ستة مرشحين أوكلت إليهم مهمة إضفاء قدر من الشرعية على الانتخابات. غير أن أبرز معارضيه التقليديين غائبون بوضوح: إذ يقضي أندريه أوكومبي ساليسا وجان-ماري ميشيل موكوكو أحكامًا بالسجن لمدة عشرين عامًا، بعد إدانتهما في عامي 2019 و2018 بتهمة «تقويض أمن الدولة». كما تقاطع عدة أحزاب ما تعتبره «مهزلة انتخابية».

وعلى الرغم من الاتهامات المتكررة بالتزوير في جميع الانتخابات خلال العشرين عامًا الماضية، فإن دينيس ساسو نغيسو، المنتمي إلى أقلية مبوتشي العرقية والذي نشأ في أسرة من الصيادين في وسط البلاد، ما يزال في السلطة. ولإقناع سكان ازداد فقرهم في السنوات الأخيرة رغم ثراء البلاد بالنفط، تروج فرق حملته للاستقرار والسلام اللذين وفرهما نظامه.

وأشار مدير حملته، بيير موسى، في 28 شباط/فبراير خلال تجمع افتتاحي في بوانت-نوار جنوب البلاد، إلى «مهارة طيار متمرس». وكأنه يسعى إلى تبديد الشكوك بشأن سنه وقدراته، قام مرشح حزب العمل الكونغولي بسلسلة من الظهورات العلنية خلال الحملة، وشارك في خمسة عشر تجمعًا خلال ثلاثة عشر يومًا.

على الصعيد الدولي، لا يبدو أن أحدًا يبدي قلقًا كبيرًا إزاء الطابع السلطوي للنظام. فقد وصف دبلوماسي سابق خدم في برازافيل دينيس ساسو نغيسو بأنه «زعيم عشيرة يميل إلى الأساليب المافيوية إلى حد ما»، وأنه قام بـ«اختلاسات ضخمة لعائدات النفط لصالح أقاربه». إلا أن الرئيس الكونغولي يقود دولة تعد ثالث أكبر منتج للنفط في إفريقيا جنوب الصحراء، وقد نجح في جعل بلاده ضرورية لشركائها الأجانب. ويقول الدبلوماسي نفسه: «لم نوافق على نتائج الانتخابات المزورة، لكن لم يكن بوسعنا إدانة أي شيء رسميًا، وإلا لتم استبعاد شركة توتال [إنرجي، أكبر مشغل للنفط الخام في الكونغو]».

نظام أوليغارشي قائم على المحسوبية

دخل الضابط الشاب، الذي تلقى تدريبه في الجيش الفرنسي، الساحة السياسية في الكونغو عبر المؤسسة العسكرية عام 1968، عندما شارك في انقلاب ماريان نغوابي ضد الرئيس ألفونس ماسامبا-ديبا (1963–1968). وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين عامًا، فترقى تدريجيًا في السلكين العسكري والسياسي. رُقي إلى رتبة نقيب، وفي عام 1970 انضم إلى المكتب السياسي لحزب العمل الكونغولي، وهو حزب ماركسي كان قد شارك في تأسيسه.

وبصبر وهدوء انتظر لحظته. وقد جاءت في 18 آذار/مارس 1977، عندما اغتيل ماريان نغوابي، فأصبح دينيس ساسو نغيسو وزيرًا للدفاع ونائبًا لرئيس اللجنة العسكرية المؤقتة. وبعد إطاحته بالرئيس جواكيم يومبي أوبانغو عام 1979، وصل إلى أعلى منصب في الدولة، ومنح لقب «أوتشومبي»، أي «الفهد» بلغة مبوتشي، في إشارة إلى صبر هذا المفترس قبل الانقضاض على فريسته.

وقد أدرك العسكري أكثر من غيره أن العرش الذي اعتلاه يشبه المقعد القاذف الذي قد ينهي حياته في أي لحظة. وللحفاظ على سلطته، أنشأ نظامًا أوليغارشيًا قائمًا على المحسوبية ما يزال قائمًا حتى اليوم: إذ يحتفظ المقربون منه، بمن فيهم أفراد عائلته وأبناء طائفة مبوتشي، بمواقع رئيسية في الجيش وقطاع المالية والحزب. فابنه دينيس كريستيل ساسو نغيسو يشغل منصب وزير التعاون الدولي، وابن أخيه جان-دومينيك أوكيمبا يرأس أجهزة الاستخبارات، كما تشارك ابنتاه كلوديا ليمبومبا ساسو نغيسو وجوليان نغوونيمبا في هيكل السلطة.

ومنذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، استفادت الدائرة الرئاسية من عائدات النفط التي تمثل اليوم نصف دخل البلاد. وفي عام 1990 خرج الطلاب والنقابات إلى الشوارع احتجاجًا على الفساد والفقر. ومع تراجع أسعار النفط ودخول الدولة في حالة تعثر مالي، اضطر دينيس ساسو نغيسو إلى تقديم تنازلات، فأجاز الانتقال إلى نظام التعددية الحزبية. وقال في الفيلم الوثائقي «السلطة والحياة» للمخرجين فرانسوا سودان وجان-باتيست فاران عام 2016: «لم يكن من مصلحتنا أن نعارض التيار. فالتحول نحو التعددية الحزبية كان مسارًا لا رجعة فيه في العالم».

وبعد ثلاثة عشر عامًا من الحكم دون منازع، ترشح في أول انتخابات رئاسية تعددية في الكونغو، التي جرت في آب/أغسطس 1992. لكنه هُزم في الجولة الأولى بحصوله على 17% من الأصوات، ليصبح باسكال ليسوبا، المنتمي إلى مجموعة الكونغو الكبرى في جنوب البلاد، رئيسًا للدولة.

ويقول أندريا نغومبيت: «كان التصويت ذا طابع مناطقي». ويرى منسق جماعة «ساسوفِت» المعنية بمراقبة الحوكمة في الكونغو أن الضابط السابق أدرك حينها أن «الديمقراطية لن تسمح أبدًا لرجل من أقلية عرقية في الشمال بالوصول إلى قمة السلطة»، وأن «سلطته تكمن في فوهة البندقية».

وفي المنفى، بدأ دينيس ساسو نغيسو التحضير للعودة المسلحة. وبعد محاولة فاشلة عام 1993، دخل برازافيل منتصرًا بعد أربع سنوات إثر حرب أهلية أودت بحياة عدة آلاف. وفي عام 1997 عاد «الإمبراطور» إلى العرش، ولم يغادره منذ ذلك الحين.

فضائح مالية

يقول الأكاديمي والمرشح في انتخابات 15 آذار/مارس فيفيان رومان مانانغو: «منذ ذلك الحين شهدنا تصاعدًا غير مقيد للفساد. ظهر متملقون أخذوا مع مرور السنوات يفعلون ما يشاؤون. وهذا هو تآكل السلطة».

ومنذ مطلع الألفية الجديدة تكاثرت الفضائح المالية. ومن أبرزها قضية اختفاء 14 ألف مليار فرنك إفريقي (21.3 مليار يورو) من صندوق مخصص للشباب، وهي قضية ما تزال حاضرة في ذاكرة الكونغوليين. وكذلك ما يعرف بقضية «الممتلكات غير المشروعة». ففي عام 2007 استهدف القضاء في فرنسا عشيرة ساسو نغيسو بدعوى رفعتها عدة منظمات غير حكومية تتهم رؤساء دول أفارقة بشراء عقارات واسعة بأموال عامة مختلسة.

وفي عام 2015 أمر القضاء الفرنسي بمصادرة عدة ممتلكات منسوبة إلى عائلة الرئيس الكونغولي، ووضع بعض أفرادها قيد التحقيق، بينهم ابن أخيه ويلفريد. وقد أثرت هذه القضية سلبًا في العلاقات مع باريس. وفي مقابلة مع قناة «فرانس 24» في حزيران/يونيو 2023، انتقد دينيس ساسو نغيسو «فرنسا التي تدير شؤون الكونغو عبر قضائها ووسائل إعلامها».

وقد غذت هذه القضية الاستياء الشعبي تجاه الحكومة، التي اعتمدت في عام 2015 دستورًا جديدًا صُمم خصيصًا للسماح لـ«الأب الروحي» بالترشح مجددًا في انتخابات 2016، بعد ولايتين في الحكم، كما فعل سابقًا عام 2002. وقد عبّر الشعب آنذاك عن غضبه في الشوارع ثم في صناديق الاقتراع.

ورغم إعادة انتخابه من الجولة الأولى، فإن دينيس ساسو نغيسو حصل على «60% فقط» من الأصوات، وهي أدنى نسبة له حتى الآن، في انتخابات اعتُبرت مزورة. واندلعت احتجاجات عنيفة في إقليم بول جنوب البلاد، وأسفرت حملة القمع عن سقوط عشرات القتلى بحسب منظمة العفو الدولية. كما شهدت البلاد موجة اعتقالات استهدفت شخصيات معارضة.

ومنذ ذلك الحين نددت منظمات غير حكومية بانتهاكات ضد المعارضة، مثل اختطاف وتعذيب المعارض لاسي مبويتي في أيار/مايو 2025. وكان ينوي الترشح في انتخابات 15 آذار/مارس، لكنه أعلن في شباط/فبراير انسحابه. وفي مؤشر على تشدد النظام قبيل الانتخابات، تم تعليق نشاط خمسة عشر حزبًا معارضًا في حزيران/يونيو 2025.

خلافة محرّمة

وللمحافظة على قبضته الحديدية، يحرص دينيس ساسو نغيسو على ترسيخ «مكانته كرئيس وسيط» يلعب على التنافس بين فرنسا وقوى الشرق الأوسط وروسيا والصين لكسب الشرعية، بحسب المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في مذكرة نشرها في حزيران/يونيو 2025. فالرئيس الذي حافظ على علاقات وثيقة مع فرنسا، يواصل في الوقت ذاته تطوير علاقاته التاريخية مع الصين وروسيا.

ويشير المعهد إلى أن «فرنسا والولايات المتحدة، بفضل هذه الاستراتيجية، تتجنبان توجيه أي انتقاد مباشر للنظام، مفضلتين الحفاظ على علاقات براغماتية مع زعيم يرونه عنصرًا محتملًا للاستقرار الإقليمي ولا يرغبان في دفعه أكثر نحو الصين وروسيا».

وبذلك ينجح دينيس ساسو نغيسو في البقاء في قلب المشهد، بوصفه أحد آخر تجليات نموذج «فرانسافريك» الذي يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تجديده. وقد قال ماكرون في آذار/مارس 2023 عقب توقفه لساعات في برازافيل: «الرئيس ساسو نغيسو يتولى رئاسة بلاده منذ زمن طويل؛ وهذا ليس خيار فرنسا».

ومن أبرز الملفات المطروحة في النقاش مع فرنسا حماية غابات الكونغو، التي تُعد «الرئة الخضراء» الثانية للكوكب. وقد روّج دينيس ساسو نغيسو طويلًا لمفهوم الدبلوماسية الخضراء، الذي ساعده في تحسين صورته وجذب التمويل. وتستضيف برازافيل بانتظام منتديات دولية حول إدارة غابات حوض الكونغو. غير أن هذا النموذج يكشف أحيانًا عن تناقضات، كما حدث عام 2024 عندما مُنحت شركة صينية ترخيصًا للتنقيب عن النفط في منتزه كونكواتي-دولي الوطني، وهو منطقة محمية.

وعلى مستوى القارة الإفريقية، يلعب الزعيم المخضرم دور الوسيط بين نظرائه المتنازعين. غير أن مبادراته الرسمية نادرًا ما نجحت، كما حدث في محاولاته لنزع فتيل النزاعات في جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2014، وفي ليبيا منذ عام 2017، وكذلك في الحرب في أوكرانيا عام 2023.

ويقول أحد المقربين منه، وهو الوحيد الذي وافق على الرد على استفسارات صحيفة «لوموند»: «إن الأب الروحي ما يزال يُستشار، بشكل غير رسمي، من قبل العديد من رؤساء الدول». ويضيف: «لدى ساسو تصور إفريقي تقليدي للسلطة؛ فقد أراد أن يصبح حكيم إفريقيا، وهو وضع يُعترف له به اليوم».

أما مسألة الخلافة فتظل موضوعًا محرّمًا. فبينما ينسب البعض طموحات سياسية إلى ابنه، يوجد العديد من المتنافسين داخل العشيرة. وللحفاظ على السيطرة حتى النهاية، رفض «الفيل» دائمًا مناقشة هذا الموضوع. وخلال مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية في مطلع آذار/مارس، تهرب الرئيس مجددًا من الإجابة، مكتفيًا بالقول: "لن نبقى في السلطة إلى الأبد".

المصدر: صحيفة لوموند (Le Monde)  

Denis Sassou Nguesso et le président français, Emmanuel Macron, à l’Elysée, à Paris, le 23 mai 2025.

دينيس ساسو نغيسو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه في باريس في 23 أيار/مايو 2025.
توماس سامسون / رويترز