الشخصية الشرق أوسطية المسلمة في فلم Whiskey Tango Foxtrot بين التحقير الثقافي وتسليع الحرب
بقلم: د.سيروان عبدالكريم علي
يقدّم فيلم Whiskey Tango Foxtrot (٢٠١٦)نموذجاً واضحاً لكيفية اشتغال السينما الغربية على إعادة تشكيل صورة مناطق النزاع، ليس بوصفها واقعاً معقّداً، بل كفضاء سردي تُفرض عليه رؤية غربية مهيمنة. ومن اللافت أن عنوان الفيلم نفسه يحمل دلالة رمزية؛ إذ إن عبارة Whiskey Tango Foxtrot في الترميز العسكري تعادل التعبير الشائع "What the fuck"، وهو ما يعكس منذ البداية نبرة استغراب، وصدمة، بل واستخفاف ضمني بالواقع الذي يتم تصويره.
ينطلق الفيلم من شخصية صحفية أمريكية تنتقل من نيويورك إلى أفغانستان، ويقدّم هذا الانتقال بطريقة مبالغ فيها من حيث القدرة على التكيف السريع بل والاستمتاع بالخطر. هذه الصورة، وإن كانت قد تُفهم جزئياً في سياق الخطاب العسكري الذي يقوم على الثقة والانضباط، إلا أنها تبدو غير منطقية حين تُسند إلى شخصية مدنية. فالانتقال من بيئة آمنة (Green Zone) إلى مناطق عالية الخطورة (Yellow/Orange/Red Zones) عادة ما يتطلب زمنًا للتأقلم النفسي والمعرفي، ويكون مصحوباً بالخوف والتردد، لا بالحماسة واللذة كما يصوّر الفيلم.
في المقابل، يعاني تمثيل الشخصيات الأفغانية من اختزال حاد يميل إلى التنميط الاستشراقي. فالشخصيات الرسمية، مثل المدعي العام، تُعرض بصورة ساذجة وغير ناضجة، وهو تصوير يفتقر إلى المصداقية السياسية والمؤسساتية. كما أن تصوير المجتمع الأفغاني وكأنه منقسم بشكل مطلق بين مؤيد للحكومة أو لطالبان يتجاهل التعقيد الاجتماعي الحقيقي، ويحوّل المجتمع إلى كتلة مبسّطة بلا تنوع أو وعي سياسي مستقل.
وتبرز الإشكالية بشكل أوضح في تمثيل الشخصية المسلمة، وخاصة المرأة. فالفيلم لا يكتفي بإظهار المرأة المسلمة كضحية أو مضطهدة، بل يتجاوز ذلك إلى تقديمها بصورة سطحية أو غبية وفق تصوراته، وهو ما يُعد إهانة مباشرة وغير مبررة ثقافياً أو إنسانياً. كذلك، يُصوَّر الرجل المسلم في أفغانستان وكأنه ينتمي إلى عالم متخلف، أقرب إلى العصر الحجري، وهو خطاب يعيد إنتاج صور نمطية قديمة تعزز الفجوة الحضارية المتخيلة بين “الغرب المتقدم” و"الشرق المتخلف".
ولا يمكن فصل هذه التمثيلات عن السياق السياسي والإعلامي الأوسع، حيث أن مثل هذه الصور كانت حاضرة أيضاً في خطابات التهديد السياسي، بما في ذلك بعض التصريحات الأمريكية تجاه إيران، التي استخدمت لغة تقلل من شأن شعوب المنطقة وثقافاتها. وبالتالي، فإن الفيلم لا يعمل فقط كمنتج ترفيهي، بل كجزء من منظومة خطابية تساهم في ترسيخ الاستهانة بالشخصية الشرق أوسطية، خصوصاً المسلمة.
كما يتناول الفيلم موضوع العلاقات الجنسية داخل بيئة الحرب بطريقة تعكس ما يمكن وصفه بـ"تحلل أخلاقي مؤقت"، حيث تُقدَّم هذه العلاقات كجزء طبيعي من حياة المغتربين في مناطق النزاع. هذا الطرح لا يُقابل بتحليل نقدي حقيقي، بل يُستخدم كوسيلة لإضفاء طابع "إنساني" أو حتى ساخر على الشخصيات الغربية، في مقابل تغييب شبه كامل لأي تمثيل واقعي للثقافة المحلية وقيمها.
من زاوية الدراسات الثقافية، يمكن القول إن الفيلم يمارس نوعاً من تسليع الحرب، حيث تتحول المعاناة الإنسانية إلى مادة قابلة للاستهلاك، ويُعاد تقديمها ضمن إطار ترفيهي. هذا التحويل لا يقتصر على الأحداث، بل يشمل أيضاً إعادة تشكيل الهوية الثقافية للآخر بما يخدم السردية الغربية.
وفي الخلاصة، فإن فيلم Whiskey Tango Foxtrot يثبت أن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة قوية في تشكيل الوعي الثقافي والسياسي. فرغم ما يقدمه من حبكة جذابة وسرد مبسط، إلا أنه يساهم بشكل واضح في ترسيخ صور نمطية عن شعوب الشرق الأوسط، وخاصة المسلمين، باعتبارهم أقل وعياً أو تقدماً. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، خصوصاً مع إيران، من المتوقع أن تستمر هذه الأنماط التمثيلية في أفلام قادمة، مما يعزز الحاجة إلى قراءة نقدية واعية لهذه الأعمال وعدم التعامل معها كصور واقعية محايدة.