عيون إسرائيلية في شوارع موسكو
سعيد طانيوس
أثار تقرير روسي مثير قلقاً على الأمن القومي في موسكو، وجاء التقرير البحثي استجابة لما نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" أخيراً حول اختراق المخابرات الإسرائيلية لأنظمة المراقبة بالفيديو الإيرانية.
وفصلت الصحيفة البريطانية كيف تمكن الموساد من الوصول إلى أنظمة المراقبة في مدينة طهران لسنوات، إذ تعرضت جميع كاميرات المرور في طهران تقريباً للاختراق على مر السنين، وجرى تشفير صورها وإرسالها إلى خوادم في تل أبيب. وقد سمحت البيانات الناتجة ببناء ما يسمى بنمط الحياة، وهو ملف تعريف رقمي لعادات حراس الأمن وأنماط تنقلهم.
تعالت أصوات خبراء تقنيين روس، محذرين من تحول الكاميرات المصممة لضمان الأمن إلى أدوات تجسس على البلاد وقادتها وكل وزراء الحكومة وكبار المسؤولين، لا سيما بعد أن كشف صحافيو موقع "ماش" عن أن برامج تحليل المراقبة بالفيديو الإسرائيلية المماثلة تستخدم منذ عقود في روسيا، ولا تزال تستخدم حتى اليوم.
ويقول هؤلاء إن التقنيات المدنية تتفوق حالياً على نظيراتها العسكرية، وقد أكدت الصراعات العسكرية الأخيرة سواء في إيران أم في أوكرانيا هذه الحقيقة مجدداً. ففي البداية تطورت طائرات الاستطلاع من دون طيار من طائرات سلمية بحتة، ثم تطورت هذه الطائرات إلى أسلحة فتاكة، ثم بلغت منظومة "ستارلينك" الأميركية ذروتها.
ولا يستطيع أي من جنرالات الجيش ابتكار بديل مماثل أو حتى مقارب، لكن هذا لم يكن الحال دائماً. ففي منتصف القرن الـ20، كان المجمع الصناعي العسكري هو المحرك الرئيس لتطوير التقنيات المدنية، ولولا الحرب الباردة وسباق التسلح، لما سافر البشر إلى الفضاء، ولما تطورت الدوائر المتكاملة. أما الآن فقد تغير الوضع، فالتطورات العسكرية تبدو معقدة ومكلفة للغاية، بينما تتطلب الحرب تقنيات أبسط وأقل كلفة.
"آمل ألا تتمنى موسكو الأذى لإسرائيل"
سأل صحافيو راديو "آر بي سي" الروسي آنا أوكولوفا المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، عما إذا كان من الممكن تكرار سيناريو طهران في موسكو؟ فردت "أن تصفية شخصيات بالغة الأهمية، وكبار قادة هذه الجماعات الوكيلة، بمن فيهم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تظهر بالفعل أن لدينا قدرات كبيرة، وأننا لن نترك من دون عقاب كل من يريد لنا الشر. ومرة أخرى، يبقى السؤال: من يريد لنا الشر؟ آمل ألا تكون موسكو تريد الشر لإسرائيل في هذه المرحلة، أريد أن أصدق ذلك". بحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، كان اغتيال المرشد الأعلى الإيراني ثمرة سنوات من العمل الدؤوب لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وكان من أبرز عناصر هذه العملية اختراق نظام كاميرات المراقبة في مدينة طهران، الذي تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من الوصول إليه قبل سنوات من أحداث الـ28 من فبراير (شباط) 2026.
برمجيات إسرائيلية في الكاميرات الروسية
بحسب موقع "ماش" الشهير في روسيا، عثر أيضاً على برنامج BriefCam الإسرائيلي، الذي ساعد في تتبع تحركات خامنئي في طهران، في كاميرات منصوبة في العاصمة الروسية وغيرها من كبريات المدن. يتخصص هذا البرنامج في تحليل الفيديو بدقة عالية، إذ يتعرف على حركات البشر، ويسجل تحركات المركبات، ويحلل أنماط السلوك.
ظهر هذا البرنامج للمرة الأولى في السوق الروسية في العقد الثاني من الألفية الثانية، وفي عام 2018 استحوذت شركة BriefCam على شركة Canon ودمجته في نظام إدارة الفيديو XProtect الخاص بها، الذي طورته شركة Milestone Systems الدنماركية المملوكة أيضاً لشركة Canon، ومنذ ذلك الحين استمر توزيع هذه التقنية من خلال شركاء رسميين.
يؤكد موقع ماش أن موردي نظام إدارة الفيديو XProtect قد فازوا بعدد من المناقصات الحكومية في روسيا. وبحلول مارس (آذار) 2026، رصد النظام في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات في معهد الفيزياء الحيوية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، وناطحة سحاب أوراسيا المكونة من 72 طابقاً، ومركز زوتوف الثقافي.
على رغم مغادرة شركة Milestone Systems لروسيا رسمياً في عام 2022 بعد بدء الحرب في أوكرانيا، إلا أن الموزعين، وفقاً لقناة "ماش"، يواصلون بيع البرامج من خلال شركات وهمية ونسخ مقرصنة، وعن طريق إخفاء أصلها في الوثائق.
لماذا حدث هذا؟
على رغم أن المبرمجين الروس يعدون من بين الأقوى في العالم، إلا أن موسكو اعتمدت لسنوات على حلول أجنبية في قطاع تكنولوجيا المعلومات لديها. ويرى المحللون سبباً واحداً فقط: حتى عام 2022، لم ينظر إلى جزء كبير من البرمجيات في روسيا على أنه تهديد أمني محتمل، بل كانت المنتجات الأجنبية تعتبر أمراً طبيعياً.
ويقول الخبراء هذا هو أصل "أجهزة التنصت" الإسرائيلية في سوق المراقبة بالفيديو لدينا، الذي تطور لفترة طويلة ضمن منطق الاقتصاد العالمي نفسه، فضل العملاء المنصات الدولية المجربة، التي تعتبر أكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية وأكثر ملاءمة.
كما لعبت مشكلة الموظفين دوراً في ذلك، لذا فضلت معظم شركات تكنولوجيا المعلومات الروسية شراء حلول جاهزة بدلاً من إنشائها من الصفر.
تفاصيل فنية دقيقة
من المحتمل اختراق أي كاميرا IP، ببساطة لأنها متصلة بالإنترنت وتبث الفيديو إلى الخوادم. حتى لو كان البلد الموجودة فيه هذه الكاميرا معزولاً تماماً عن العالم الخارجي، فمن الممكن محاولة اختراق الكاميرات من الداخل، ومن المؤكد أن أجهزة الاستخبارات المتقدمة لديها خطط محددة لهذا الغرض.
ولكن هناك أيضاً أجهزة معرضة للخطر بصورة خاصة، مثل أجهزة "هيكفيجن" و"داهوا"، التي تعاني ثغرات برمجية عديدة. صدرت تحديثات في وقت ما، ولكن من الواضح أنها لم تثبت على جميع الأجهزة، وهذا ما يجري استغلاله، على سبيل المثال، من الاستخبارات والأمن.
ويقول الخبير العسكري بافل دينكوف "العدو لا يقف مكتوف الأيدي، تمتلك روسيا ملايين الكاميرات، وليست جميعها محمية من الاختراق. مثال مأسوي: بعد الهجوم على غواصة في نوفوروسيسك، انتشرت لقطات مصورة لانفجار طائرة مسيرة تحت الماء، صورت بكاميرا في الشارع. تمكن العدو من الوصول ليس فقط إلى كاميرا مراقبة عبر بروتوكول الإنترنت في شارع ساراتوفسكايا المنصوبة فيه الكاميرا، بل إلى جهاز يطل على رصيف نوفوروسيسك. مع ذلك، هذا مجرد سيناريو واحد محتمل".
التكافؤ التكنولوجي
وفي محاولة لتهدئة روع القلقين، أعلن الخبير العسكري أناتولي ماتفييتشوك أن روسيا والولايات المتحدة والصين لديها قدرات مماثلة. وقال "لدينا التكنولوجيا نفسها التي لديهم، نعرف كيف نستخدمها لأننا جربناها بأنفسنا، وإذا عرفنا كيف نعطل شيئاً ما، فنحن نعرف كيف نصلحه وكيف نحمي أنفسنا من الهجمات"، لذا يعتقد الخبير أن "كل هذا الكلام من إسرائيل ليس إلا تضليلاً وخداعاً".
وأشار ماتفييتشوك إلى أن المتخصصين الروس لديهم خبرة في عمليات مماثلة "لقد حطمنا كاميرات في أوكرانيا، وقمنا بعمليات مماثلة خلال عمليات مكافحة الإرهاب في القوقاز، ولإجبار جورجيا على السلام".
وخلص أن المعلومات المتعلقة بمكان قضاء كبار المسؤولين الروس ومقربيهم لياليهم سرية تماماً، ولن تصبح أبداً معلومة عامة.
وأكد المحلل العسكري أنه منذ عام 2000، وبأمر مباشر من وزير الدفاع ومرسوم رئاسي، تم تحويل جميع الأنظمة الرئيسة - من قيادة القوات إلى توجيه الأسلحة وتنسيق الوحدات - بالكامل إلى برامج محلية الصنع.
هذا يعني أن البنية التحتية العسكرية الروسية تعمل بأنظمة تشغيل خاصة بها، لا تخضع لأية سيطرة خارجية. علاوة على ذلك، يوجد نظام أمني مزدوج. ففي حالات الطوارئ أو الهجمات الإلكترونية، تتوفر أنظمة احتياطية، طورت أيضاً في روسيا. تفعل هذه الأنظمة تلقائياً عند ظهور أي تهديد، مما يضمن استمرارية التحكم حتى في ظروف العزل التام عن الشبكات الخارجية.
نقاط الضعف
أما رومان روماشيف، الرئيس التنفيذي لشركة "آر - تكنو"، فنبه إلى أهمية التمييز بين أنواع الكاميرات. فالكاميرات المنزلية، كتلك المثبتة في المنازل أو بيوت العطلات الصيفية، توفر مستوى واحداً من الحماية. أما نظام "المدينة الآمنة"، فهو مختلف تماماً، إذ تدمج كاميراته في بنية تحتية مغلقة تخضع لمراقبة السلطات المختصة لرصد أي اختراق خارجي.
وأوضح روماشيف قائلاً "بالنسبة إلى كاميرات المستهلكين، فهذه كمية هائلة من المعلومات، التي للأسف، يمكن الوصول إليها أيضاً من القراصنة المخترقين. والحقيقة هي أن الكثير من الناس، عند شراء الكاميرات، لا يكلفون أنفسهم عناء تغيير كلمات المرور والإعدادات".
في مثل هذه الحالات، تشكل الكاميرات تهديداً خطراً، بحسب رأي الخبير، تخزن بياناتها عادة إما على بطاقة ذاكرة داخل الكاميرا نفسها أو في السحابة. ومن المعروف أن الحلول السحابية عرضة للاختراق، ويمكن استخدامها لمراقبة تحركات القوات أو الأفراد ذوي الأهمية.
ويعتقد روماشيف أن النهج المتبع هنا يجب أن يكون مماثلاً للنهج المتبع في توطين البرمجيات، فنحن نحتاج إلى موردينا الخاصين، ومطورينا الخاصين، وأنظمتنا الخاصة.
وعلق كيريل كابانوف، الناشط الحقوقي وعضو المجلس الرئاسي لحقوق الإنسان، على الوضع قائلاً "في ديسمبر (كانون الأول) 2020، وخلال اجتماع بين الرئيس وأعضاء مجلس حقوق الإنسان، قدمت تقريراً حول مشكلة تسريب البيانات الشخصية. وفي التقرير أعطيت رئيس الدولة فلاديمير بوتين مثالاً على مدى سهولة الحصول على المعلومات من كاميرات المراقبة في المدينة، كما ذكرت أن هذه الكاميرات يمكن أن يستخدمها أعداؤنا لأغراضهم الخاصة، لا سيما في ظل غياب الرقابة المناسبة من الدولة وأجهزة الاستخبارات على ما يسمى بنظام الأمن".
وأضاف "المفارقة هي أن نظاماً أنشئ ويصان بأموال عامة ضخمة، ظاهرياً لأغراض أمنية، أصبح هو نفسه تهديداً عالمياً لهذا الأمن. وحتى الآن، من المستحيل الجزم بأن أنظمة المراقبة بالفيديو، التي تحمل اسم ’المدينة الآمنة‘ الرنان، لا تستخدم من أجهزة استخبارات أجنبية ضدنا وضد بلدنا."
وختم "استخدام إسرائيل لكاميرات المراقبة الإيرانية لتعقب كبار قادة البلاد والقضاء عليهم ليس بالأمر الجديد، لكن هذا المثال تحديداً لاستخدام الاستخبارات الإسرائيلية للتكنولوجيا بفعالية يجب أن يكون دافعاً جدياً لحكومتنا وأجهزتنا الاستخبارية لإعادة النظر في مناهجها في التعامل مع البيانات الشخصية وإنشاء أنظمة أمنية عالمية أو محلية، خصوصاً إذا كانت توفر مراقبة مستمرة في الوقت الفعلي".
الحلول
يعتبر الخبير التقني الروسي يفغيني فيدوروف أن "حلول هذه التهديدات بسيطة للغاية: يجب عزل الكاميرات عن الإنترنت، هذا صعب ومكلف وغير عملي، لكن لا سبيل آخر لتقليل الأخطار، كما يجب علينا أن نكون أكثر جدية ونحدث برامجنا بانتظام. تصدر تحديثات لمعالجة الثغرات الأمنية المذكورة في الكاميرات، لكن لا يستفد منها جميع المستخدمين، وحتى الأمن الرقمي له عيوبه".
ويضيف "من يضمن أن التحديث الأجنبي لم يترك ثغرة أمنية تسهل على أجهزة الاستخبارات الأجنبية الوصول إلى البيانات؟ لا يوجد سوى مخرج واحد من هذا المأزق، يتمثل باستحداث كاميرات IP وبرامج سيادية بالكامل، لا سبيل آخر فنحن نعيش في زمن بعيد من السلام".