القرن الأفريقي: فرص الحرب في ظل التحولات الإقليمية
اماني الطويل
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بإيران والحرب عليها، عقدت إثيوبيا اتفاقية دفاعية مع أذربيجان اهتمت بمجالات الحرب الحديثة المتضمنة الأساليب السيبرانية وغيرها من آيات مؤثرة في الصراعات العسكرية راهناً، وهو تطور يعني أن منطقة القرن الأفريقي تشهد تحولات تحالفية متسارعة تعيد رسم خريطة الاصطفافات الإقليمية بصورة جذرية.
يتبلور في المشهد الراهن محوران متقابلان: الأول يجمع مصر وإريتريا والجيش السوداني في إطار تنسيق أمني - دبلوماسي متصاعد، والثاني يضم إثيوبيا والإمارات مع حضور موثق لعلاقات وظيفية بقوات "الدعم السريع". وهكذا فإن هناك عدداً من المؤشرات التي ترفع احتمالية المواجهة المسلحة، وما تستدعيه من استجابة دبلوماسية منسقة وعاجلة.
في هذا السياق، لا يمكن فهم التطورات الجارية في القرن الأفريقي خلال الفترة 2025 - 2026 بمعزل عن ثلاثة عوامل متشابكة: تداخل النزاعات الداخلية مع التوترات البينية والتدخلات الخارجية في آنٍ، والتحول الحاد في مواضع الفاعلين الإقليميين الذي ينتج تحالفات مؤقتة قابلة للتغير السريع، وضعف آليات إدارة الأزمات على المستويين الإقليمي والدولي. هذه العوامل الثلاثة مجتمعة تجعل المشهد الراهن في منتهى التعقيد.
وطبقاً لذلك تكتسب الأزمة الإثيوبية - الإريترية خصوصية استثنائية، لأن التصعيد يجري على خلفية أزمات تاريخية، وتنافس مباشر على النفوذ في البحر الأحمر، وهو ما يربط الديناميكيات الإقليمية بمصالح القوى الدولية الكبرى، ويعقد أي محاولة للاحتواء. ولعل ما يضاعف المخاوف أن المتغير الانتخابي الإثيوبي، مع اقتراب انتخابات يونيو (حزيران) 2026، يفرز حوافز داخلية تدفع نحو التصعيد السياسي الذي ينزلق عادة نحو تصعيد فعلي في اللحظات الحرجة.
تتوافق تقييمات مراكز الإنذار المبكر على تصنيف الوضع الراهن في القرن الأفريقي ضمن أعلى بيئات الأخطار الإقليمية على مستوى العالم، في أعلى مستوياته منذ الحرب الإثيوبية - الإريترية 1998 - 2000. وتجمع هذه المراكز على نقطة جوهرية هي غياب آليات فعالة لمنع التصعيد، وأن التدويل المتصاعد للأزمة يقيد قدرة الفاعلين الإقليميين على الاحتواء. فقد صنف مؤشر السلام العالمي 2025 العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا ضمن أعلى درجات التصعيد السريع، معتمداً على غياب الترسيم الحدودي الرسمي، والتسليح المتواصل على الجانبين، وانعدام قنوات الاتصال المؤسسية المباشرة.
ويمكن رصد حالة التحالفات المتحركة في المنطقة في أن إثيوبيا وإريتريا كانتا حليفتين في الحرب على قوات الدفاع الشعبية لتيغراي بين 2020 و2022، لكن تحول البلدين إلى طرفي نزاع حاد لم يشهد اتفاقاً من نوعه في أي مرحلة سابقة. إريتريا تتحالف مع بعض قيادات من قوات الدفاع الشعبية لتيغراي، وتوفر لها أطراً تنظيمية، في حين تشير تقارير موثوقة إلى وجود قنوات دعم بين أديس أبابا وقوات "الدعم السريع" في السودان، خصوصاً في ضوء معسكرات التدريب التي جرى الكشف عنها أخيراً. هذه التحالفات المتحركة تجعل أطر الوساطة السابقة غير قابلة للفاعلية، إذ إن المبادئ والضامنين الذين أسسوا اتفاق 2018 لا يحتفظون بالموقع ذاته في الاصطفافات الراهنة.
ولعل ما يضاعف خطورة هذا الموقف أن إشكالية التفسير المتعاكس للإشارات الأمنية، إذ إن كل طرف يفسر إجراءات الطرف الآخر الدفاعية على أنها تحضير هجومي، مما ينتج معضلة أمنية كلاسيكية تغذي حلقة تصعيد لا يريدها أحد، لكن لا يستطيع أحد وقفها، ذلك أن الرد الإريتري الرسمي على المطالبة الإثيوبية بمفاوضات الوصول البحري بأنه جاء بلغة تضيق هامش التراجع لكلا الطرفين، إذ وصف المسؤولون في أسمرة المطالب الإثيوبية بأنها "ملفقة ومرفوضة كلياً"، وهو خطاب لا يتيح تراجعاً لأي من الجانبين.
في السياق ذاته، انهيار نموذج "الدولة المرساة" الواحدة في القرن الأفريقي، في ضوء وجود محورين متقابلين: الأول يضم الإمارات وإثيوبيا وصوماليلاند وقوات "الدعم السريع"، والثاني يضم مصر والصومال وإريتريا والجيش السوداني والسعودية وتركيا. هذا الانقسام يلغي عملياً إمكانية توافر وسيط إقليمي محايد، إذ تجد كل قوة إقليمية نفسها موضوعة في أحد المحورين سواء أرادت ذلك أم لم ترده.
لا يمكن فهم تحركات هذه التحالفات بمعزل عن الحرب السودانية الجارية، التي تحول السودان إلى ساحة تنافس بالوكالة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية متعددة ومتعارضة. فمنذ أواخر 2025، تصاعدت الاتهامات السودانية الرسمية لإثيوبيا بالسماح لمسيرات مرتبطة بقوات "الدعم السريع" بالعمل من أراضيها، وفي مارس (آذار) 2026 وجهت وزارة الخارجية السودانية اتهاماً صريحاً بالسماح لطائرات مسيرة بتنفيذ ضربات انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية استهدفت مواقع قرب كردفان وكرمك. وكشفت تقارير موثوقة أيضاً عن وجود مزعوم لمخيم تدريب لقوات "الدعم السريع" في منطقة بني شنقول - قمز الإثيوبية.
هذه المعطيات، حتى لو ظل بعضها في دائرة الادعاء غير المؤكد، تفرز واقعاً من التوتر الإثيوبي - السوداني يضيف طبقة جديدة من التعقيد فوق طبقات متراكمة. ويُضاف إلى ذلك أن إعلان إثيوبيا عام 2025 التشغيل الكامل لسد النهضة أشعل موجة غضب مصرية دفعت القاهرة نحو مزيد من التنسيق مع أسمرة والخرطوم، مما يجعل منطقة الفشقة الحدودية النزاعية ومحور النيل الأزرق وصولا ًإلى تيغراي وأفار قوساً كاملاً من التوترات المتشابكة.
يمكن القول، إن هناك ثلاثة مسارات رئيسة محتملة للمواجهة المسلحة تتباين في درجة احتمالها، لكنها تشترك في خاصية جوهرية: لا يشترط أي منها قراراً سياسياً مقصوداً بإعلان الحرب. الأول هو التصعيد غير المُتحكَم به: تبادل اشتباكات حدودية محدودة في تيغراي أو أفار يتصاعد بصورة تتجاوز قدرة الأطراف على ضبطها، في غياب خطوط اتصال عسكري مباشر وآليات إدارة أزمات فعالة. يصنف هذا المسار بأنه الأكثر احتمالاً، لاعتماده على الديناميكيات القائمة بالفعل من دون الحاجة إلى إرادة سياسية مستقلة. وقد نبهت مجموعة الأزمات الدولية إلى غياب "وسادات التهدئة" بين الجانبين، أي الآليات التي تحول دون تحول الحادثة الصغيرة إلى حرب كبيرة، فلا توجد خطوط اتصال مباشرة بين الجيشين الإثيوبي والإريتري على غرار الخطوط الساخنة التي أتاحت للقوى الكبرى تجنب التصعيد في حالات مماثلة.
أما المسار الثاني فهو تحول حرب الوكالة إلى مواجهة مباشرة: تتطور الاشتباكات بين الفصائل المسلحة المدعومة من الطرفين، لا سيما في تيغراي أو على الحدود الإثيوبية – الإريترية، إلى مواجهة تتجاوز قدرة الأطراف الراعية على ضبطها، وهو النمط الذي تجمع عليه الدراسات التاريخية للصراعات الإفريقية. أما المسار الثالث فهو العمل العسكري الاستباقي، إذ تقدم القيادة السياسية الإثيوبية على ضربة موضعية تستهدف ميناء مصوع أو منشآت عسكرية إريترية محددة، بوصفه أداة لفرض وقائع تفاوضية في ملف الوصول البحري.
يعد هذا المسار الأضعف علي المدى القريب، غير أنه يرتبط بالمتغير الانتخابي الداخلي الذي قد يحول التصعيد الخطابي، الذي تجسده تصريحات آبي أحمد بشأن امتلاك إثيوبيا نافذة على البحر الأحمر إلى تصعيد ميداني في توقيت غير محسوب. والقاسم المشترك بين السيناريوهات الثلاثة هو أن أي مواجهة إثيوبية - إريترية لن تبقى ثنائية الأطراف، مما يحول النزاع إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات تمتد تداعياتها لتتيح الفرصة لفاعلين دوليين يترصدون الفوضى.
يبقى السؤال الأهم: هل تملك المنطقة آليات احتواء كافية؟ الإجابة المباشرة هي لا، وهذا بحد ذاته تقدير الأخطار. فالاتحاد الأفريقي يعاني تراجع الشرعية ومحدودية الموارد التشغيلية، وهيئة إيغاد فقدت أحد أطرافها الرئيسين بانسحاب إريتريا منها في أواخر 2025. والقوى الغربية في مرحلة انكفاء دبلوماسي نسبي عن الملفات الأفريقية. وتشير التقييمات إلى أن دول الخليج تحتفظ بأكبر رصيد من العلاقات مع مختلف الأطراف، غير أن الانقسامات في هذا النطاق يعيق تحويل هذا الرصيد إلى وساطة فعالة.
في هذا السياق، لا يمكن فهم التحركات الخليجية بمعزل عن حقيقة أن الإمارات وثيقة الارتباط بإثيوبيا عبر استثمارات متشعبة تشمل ميناء بربرة وشبكة من الشراكات الاقتصادية، في حين تميل السعودية نحو بناء منظومة استقرار إقليمي تبقي على شراكاتها مع الجيش السوداني وإريتريا وجيبوتي. هذا التعارض الداخلي يضعف فعالية أي دور خليجي جماعي، ويفرز خطر التعامل الثنائي المتناقض الذي يُغذي التصعيد بدلاً من كبحه.
يضاف إلى ذلك أن آلية التنافس بالوكالة تضع فيها قوى إقليمية خارجية شروط التصعيد، في حين يمتلك فاعلون محليون القدرة على جر رعاتهم نحو مواجهة مباشرة خارج نطاق الحسابات الاستراتيجية الأصلية، والنتيجة هي فراغ في الإدارة يترك الديناميكيات المحلية تتفاعل من دون ضوابط خارجية كافية، وهو وضع لم ينتهِ تاريخياً إلى تفاعلات إيجابية.
تستلزم طبيعة هذه الأزمة استجابة استراتيجية تتجاوز مستوى التدخلات الثنائية نحو بناء أطر متعددة الأطراف، في ضوء أن استقرار البحر الأحمر مصلحة مشتركة لا خلاف عليها، ويمكن أن تشكل أرضية لبناء إطار خليجي مشترك يفصل سياسة موحدة تجاه أزمة القرن الأفريقي. وفي هذا الإطار، يمثل مجلس دول البحر الأحمر الذي أطلقته السعودية عام 2018 أداة جاهزة لم تصل بعد إلى طاقتها التشغيلية، ويمكن استثمار الأزمة الراهنة لتفعيله.
وهكذا، فإن المنطقة تعاني فراغاً في الإدارة الاستراتيجية يتراكم فوقه بنيان من التوترات المتشابكة التي وصلت بحكم تراكمها إلى مستوى حرج. وكما أثبتت تجارب الحرب في اليمن والسودان فإن القوى التي تهيئ شروط الصراع لا تملك في الغالب مفاتيح إطفائه. وكما يقول المثل الأمهري القديم، "المطر الطويل يبدأ بقطرة" وكذلك الحرب، فليس في إشعالها بلاغة، بل التبكير في صياغة بدائلها يكون هو المطلوب لمصلحة شعوب المنطقة .