النخب العالمية... قوة النفوذ الفتاكة.
من بين الأسئلة الكثيرة التي لا يمل الناس شرقاً وغرباً من طرحها على موائد النقاش، يتصدر سؤال "من يحكم العالم؟".
عادة تُستقبل علامة الاستفهام بطعم المؤامرة، والبحث عن تلك القلة التي تحكم الغالبية، وكأن الأمر يعيدنا إلى فكرة التضاد بين البلاشفة كأكثرية والمناشفة كأقلية.
لكن المؤكد أن التاريخ برمته، وإن لم يكن مؤامرة، لا يخلو من لمحات تُحاك فيها مؤامرات، فهو ليس فردوساً للأطهار دوماً، وليس مخطوفاً من رجالات النخب الظلامية إلى الأبد.
ما الذي فجر حديث النخبة أخيراً ويستدعي إعادة قراءة هذا الملف المثير؟
فتحت الأحاديث التي دارت بين المشاركين في قمة دافوس الأخيرة، ثم محادثات مؤتمر ميونيخ للأمن، الباب واسعاً أمام مساءلة الأيقونات، لا سيما العقول التي ترسم مسارات عالمنا المعاصر، وغيرهم ممن شكّلوا مدارات التاريخ في العصور الغابرة.
ويبرز هنا خطابان: الأول قدمه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن المفارقة بين العالم القديم ورؤيته للعالم الجديد، والثاني جاء على لسان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في شأن الحضارة الغربية وما يتصل بقدرتها على الصمود ومواجهة صحوة الشرق.
خُصص الخطابان لرؤساء وقيادات حكومية، وكبار رجال الرأسمالية العالمية، وقادة الجيوش، ورواد التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي.
وفي كل الأحوال، لا يمكن تجاهل دور المؤسسات الماورائية التي تجمع هؤلاء وأولئك في العلن والسر، مما يجعل العالم أكثر تعقيداً مما نظن، ويقدم رؤية مغايرة عن طبقة النخبة التي تدير أحوال عالمنا المعاصر.
من أين يبدأ المرء هذه المشاغبة الفكرية؟ ربما من تفكيك المعنى والمبنى لفكرة النخبة.
النخبة: المفهوم والتاريخ
يُقال النخبة، وفي أحيان أخرى يُستخدم مصطلح الصفوة، وكلاهما يؤدي المعنى نفسه: مجموعة منتقاة بعناية تمثل خيار الناس وأحسنهم، أو أجود الأشياء وأفضلها.
يُطلق وصف النخبة عادة على فئة قليلة داخل المجتمعات تتسم بالكفاءة والندرة، والمهارة والقدرة على القيادة سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، وتمارس نفوذاً يتجاوز حدود الأفراد إلى فضاء الجماعات.
لغوياً، يشتق لفظ النخبة من الفعل "نخب" الذي يعني الانتقاء والاختيار، ونخبة القوم خيارهم، وغالباً ما تمتاز النخبة بمواهب خاصة من نفوذ وثروة، وتسيطر على موارد بعينها.
وتعرّف اللغات الأجنبية النخبة بأنها الجماعة المختارة، وتشير إلى مجموعة صغيرة من ذوي النفوذ أو الثروة، الذين يمتلكون قدراً كبيراً من الامتيازات والسلطة السياسية أو المهارات في مجتمعاتهم.
ويصف قاموس كامبريدج النخبة بأنها أفضل مجموعة تعليمية أو تدريبية في المجتمع.
في أوروبا ما قبل الحداثة، كانت النخبة تُعرف بالوراثة: سلالات نبيلة، وإقطاعيون، وعائلات ملكية. وكانت السلطة في الغالب تجري بين أيدي هذه الفئات، فيما ظلّت ركائزها تعتمد على ثلاثية تقليدية: الأرض بوصفها ثروة، والسيف بوصفه قوة، والدين بوصفه شرعية.
ومع ذلك، فإن النظر إلى النخب يحتاج إلى مزيد من التدقيق، فعبر التاريخ بلورت الإنسانية ما يمكن تسميته اليوم نظرية سياسية للنخبة، ومرّ تحت قوسها غالبية الأفراد والجماعات الذين وصلوا إلى دوائر الحكم ومناصب النفوذ، مما يعني أن مفهوم النخب وجد حاضنات فكرية وسياسية استقبلت أفراداً من وسط المجتمع، وعملت على ترفيعهم ووضعهم في القمة، ثم أورث هؤلاء بدورهم بذورهم النخبوية إلى أجيال لاحقة.
تغيرت ملامح النخب من عصر إلى آخر، لكن نظرية النخبة ظلت فاعلة حتى اليوم.
نظرية النخبة من بوليبيوس إلى ميلز
في كتابه "التواريخ" أشار المؤرخ والسياسي اليوناني القديم بوليبيوس (200 ق.م -120 ق.م) إلى ما يُعرف اليوم بنظرية النخبة، وقدمها ببساطة باسم "الحكم المطلق".
افترض بوليبيوس أن مصادر السلطة السياسية الثلاثة الأصلية: رجل واحد (الملكية)، وقلة من الرجال (الأرستقراطية)، وكثرة من الرجال (الديمقراطية)، ستتحول في نهاية المطاف إلى أشكال منحطة إذا لم يتحقق التوازن بينها في "حكومة مختلطة".
فستتحول الملكية إلى استبداد، والديمقراطية إلى "حكم الغوغاء"، والأرستقراطية إلى حكم الأقلية.
ويرى أن ذلك يعود إلى فشل تطبيق الضوابط والتوازنات بين الأشكال الثلاثة المذكورة، وكذلك بين المؤسسات السياسية اللاحقة.
لاحقاً مرت نظرية النخبة بمدارس فكرية عدة، مثل المدرسة الإيطالية ورموزها فيلفريدو باريتو، وجايتانو موسكا، وروبرت ميشيلز، وقد اعتبر الثلاثة أن القوة تكمن في مناصب السلطة داخل المؤسسات الاقتصادية.
ورأوا أن ما يميز النخب نفسياً هو امتلاكها موارد شخصية كالذكاء والمهارات ومصلحة راسخة في الحكم، بينما يفتقر عامة الناس إلى الكفاءة والقدرة على إدارة شؤونهم.
ومن هنا اتصلت نظرية النخبة بواقعنا المعاصر عبر عالم الاجتماع الأميركي سي. رايت ميلز، الذي أصدر كتاب "نخبة السلطة" عام 1956، وقدم فيه منظوراً سوسيولوجياً جديداً حول أنظمة السلطة في الولايات المتحدة، ولخصها في ثلاث جماعات: سياسية واقتصادية وعسكرية، تشكل كياناً مميزاً وإن لم يكن موحداً، يمتلك السلطة في الولايات المتحدة.
وذهب ميلز إلى أن مجموعات النخبة نشأت عبر عملية ترشيد شائعة في المجتمعات الصناعية المتقدمة، فمنذ الصغر يُعد أبناء الطبقة العليا عبر مدارس تحضيرية مرموقة تفتح لهم أبواب جامعات النخبة المعروفة باسم رابطة آيفي (جامعات اللبلاب)، مثل هارفارد وييل وكولومبيا وبرينستون، إضافة إلى نوادٍ حصرية.
التعليم المميز وصناعة النخب
اعتمدت النخب الأرستقراطية في أوروبا القرون الوسطى على التعليم في الحاضنات الأسرية ثم الجامعات الناشئة، بوصفه طريقاً لإعداد نخب تمسك بمفاصل الدول الكبرى.
ومع اختلاف السياقات، اتبعت النخبة الأميركية، منذ بدايات القرن الـ20، نهجاً مشابهاً.
في عام 2025 أجرى معهد "بيو" في واشنطن تحليلاً لخلفيات تعليمية لـ6141 من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم، وخلص إلى أن عدداً محدوداً من الجامعات مسؤول عن تعليم النخبة العالمية، لا سيما جامعة هارفارد.
وبحسب عدد الخريجين الذين شغلوا مناصب رفيعة، جاءت هارفارد في المرتبة الأولى، تلتها ستانفورد، ثم إكسفورد، ثم بنسلفانيا، ثم كولومبيا، ثم ييل، ثم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ثم شيكاغو، ثم بيركلي.
وبحسب ميلز، يتلقى الرجال التعليم اللازم للحصول على امتيازات النخبة، بما يتيح لهم اكتساب خلفياتهم وعلاقاتهم، ويؤهلهم لدخول فروع النخبة الحاكمة الثلاثة:
- القيادة السياسية: تزعم ميلز أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح قادة الشركات أكثر بروزاً في العملية السياسية، مع تراجع دور صنع القرار المركزي لدى السياسيين المحترفين.
- الدائرة العسكرية: في خمسينيات القرن الـ20 تصاعد القلق في شأن الحرب، مما منح كبار القادة العسكريين وقضايا مثل تمويل الدفاع وتجنيد الأفراد أهمية بالغة.
وكان معظم قادة الشركات البارزين والسياسيين من المؤيدين للإنفاق العسكري.
- النخبة المؤسسية: وفقاً لميلز، حين كان التركيز على الجيش واضحاً، سيطر قادة الشركات العاملون مع ضباط عسكريين بارزين على وضع السياسات، وكانت المجموعتان تميلان إلى دعم بعضهما بعضاً.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى فكرة النخبة في دولة إمبراطورية كالولايات المتحدة؟
يعني أن النخبة الحاكمة في أميركا تتكون في المقام الأول من قادة سياسيين، بمن فيهم الرئيس وعدد قليل من أعضاء مجلس الوزراء الرئيسين، إضافة إلى مستشارين مقربين، ومالكي ومديري الشركات الكبرى، وكبار الضباط العسكريين، وتميل النخب إلى التنقل بين القطاعات المختلفة، بما يعزز سلطتها.
ويبقى سؤال: هل النخبة العالمية الفاعلة واضحة على الصعيد الدولي، أم أن هناك ما ورائيات تبقى غير واضحة للعامة، ومساحة رمادية يجري العمل منها بالتنسيق بين النافذين وغير الظاهرين للعيان؟