مستقبل السياسة الإيرانية في ظل الضغوط الاقتصادية والحسابات الإقليمية
بقلم: د.سيروان عبدالكريم علي
تُقاس قوة الدول في الشرق الأوسط اليوم ليس فقط بقدراتها العسكرية، بل بقدرتها على الاستمرار دون أن ينهار الداخل. ومن هذا المنطلق، تبرز الحالة الإيرانية كنموذج معقد يجمع بين عناصر الصمود وعوامل الضغط في آنٍ واحد. فإيران ليست دولة ضعيفة أو منهارة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات داخلية حقيقية تتعلق بالاقتصاد والمجتمع، مما يجعل مسألة الاستمرار في نهجها الحالي موضع تساؤل مشروع.
يبدأ فهم هذه المسألة من واقع المواطن الإيراني. فخلال العقود الثلاثة الماضية، عاش الإيرانيون تحت ضغوط اقتصادية متواصلة، تمثلت في ارتفاع الأسعار، تراجع قيمة العملة، وضعف القدرة الشرائية. ورغم أن الدولة لا تزال توفر خدمات أساسية، إلا أن جودة هذه الخدمات، سواء في قطاع التعليم أو الرعاية الصحية، لم تعد بالمستوى الذي كانت عليه في مراحل سابقة. هذا الوضع خلق حالة من التكيف القسري، حيث اعتاد المجتمع على الأزمات دون أن يعني ذلك زوال تأثيرها. إلى جانب ذلك، تلعب السياسة الخارجية دورًا مهمًا في تشكيل هذا الواقع. فقد اتجهت إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي من خلال دعم قوى حليفة في عدد من الدول، من بينها لبنان. ويمكن فهم هذا التوجه في سياق السعي إلى تحقيق توازن إقليمي وردع الخصوم، خاصة في ظل بيئة سياسية معقدة. لكن في المقابل، يطرح هذا النهج تساؤلات داخلية حول الأولويات، خصوصًا عندما يشعر المواطن بأن الموارد تُوجَّه إلى الخارج في وقت يحتاج فيه الداخل إلى دعم أكبر.
العقوبات الاقتصادية تمثل عاملًا أساسيًا آخر في هذه المعادلة. فقد أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد الإيراني، من خلال تقييد حركة التجارة والاستثمار، وتعقيد عمل النظام المصرفي. ورغم أن إيران نجحت في تطوير بعض آليات التكيف، إلا أن هذه الحلول لا تعوض بشكل كامل عن الخسائر، بل تبقي الاقتصاد في حالة ضغط دائم. وهذا الضغط ينعكس بدوره على حياة المواطنين ويحد من فرص النمو والاستقرار. أما البرنامج النووي، فيبقى أحد أكثر الملفات حساسية. فهو من جهة يُطرح كرمز للسيادة وأداة ردع، ومن جهة أخرى يرتبط بشكل مباشر باستمرار العقوبات والتوترات الدولية. وهذا يفتح بابًا للنقاش حول كلفة هذا الخيار، ومدى قدرته على تحقيق توازن بين الأهداف الاستراتيجية والاحتياجات الاقتصادية. المجتمع الإيراني نفسه يعكس صورة مركبة. فهناك شريحة تؤمن بالنظام وتدعمه، سواء لأسباب دينية أو سياسية، وترى في الصمود جزءًا من الهوية. وفي المقابل، توجد شريحة أخرى تعاني من الضغوط الاقتصادية وتبحث عن تحسين في ظروف المعيشة. هذا التداخل بين القناعة والضغط يجعل من الصعب اختزال المجتمع في موقف واحد، ويؤكد أن الواقع أكثر تعقيدًا من الصور المبسطة.
ورغم هذه الضغوط، فإن حدوث تغيير داخلي سريع ليس أمرًا محسومًا. فالتجارب الإقليمية، خاصة في العراق وأفغانستان، ما تزال حاضرة في الذاكرة. ففي العراق، أدى تغيير النظام إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار وضعف المؤسسات، بينما شهدت أفغانستان عودة قوى مشابهة لما كان قائمًا سابقًا. هذه النماذج تجعل كثيرين ينظرون بحذر إلى فكرة التغيير السريع، خوفًا من نتائج غير مضمونة. كما أن الدولة في إيران لا تزال تمتلك مؤسسات قوية قادرة على ضبط الوضع الداخلي، مما يقلل من احتمالات التحول المفاجئ. وفي الوقت نفسه، فإن جزءًا من المعارضة يعيش خارج البلاد، وهو ما يحد من تأثيره المباشر في الداخل. كل ذلك يضع المجتمع في حالة من الترقب الحذر، حيث تتداخل الرغبة في التغيير مع الخوف من الفوضى. في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن إيران نجحت في الاستمرار حتى الآن، لكنها فعلت ذلك بثمن داخلي واضح. فكلما طال أمد الضغوط، زادت الحاجة إلى إعادة النظر في التوازن بين الداخل والخارج. الاستمرار ليس مستحيلًا، لكنه ليس بلا حدود أيضًا.
وفي النهاية، يمكن تصور مسارين محتملين. الأول هو مسار التكيف الإيجابي، حيث تتجه إيران إلى تقليل التوترات والتركيز على التنمية الداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحسن مستوى المعيشة. أما المسار الثاني، فهو استمرار الوضع الحالي دون تغيير جوهري، مما يعني بقاء الضغوط الاقتصادية وتصاعد التوترات الإقليمية. الخلاصة أن القضية لا تتعلق فقط بالقوة أو الضعف، بل بكيفية إدارة الكلفة. فالدول تستطيع تحمل الصراعات لفترة، لكن الاستمرار الحقيقي يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين الطموح الخارجي والاستقرار الداخلي. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع إيران تحقيق هذا التوازن في الوقت المناسب؟