الصومال على صفيح ساخن... بونتلاند تتحدى مقديشو يقف على حافة الخطر بعد اعتزام المعارضة تنظيم احتجاجات متتالية وإعلان حكومة بونتلاند عدم اعترافها بحسن شيخ محمود رئيساً شرعياً
محمود ابو بكر
علنت حكومة إقليم بونتلاند الصومالية أنها لم تعد تعترف بالرئيس حسن شيخ محمود رئيساً شرعياً للصومال، معلنة أن الحكومة الاتحادية فقدت الانتداب القانوني الذي انتخبت بموجبه، بخاصة بعد انتهاء فترته الرئاسية في مايو (أيار) الجاري. ورحبت في بيان بالقرارات الصادرة عن "مجلس إنقاذ الصومال" المعارض وسط تصاعد التوترات السياسية بين بونتلاند ومقديشو.
وكان "مجلس الإنقاذ" أعلن عن بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من الرابع من يونيو (حزيران) المقبل، تنظم كل خميس لحين التوصل إلى اتفاق سياسي في شأن سير الانتخابات المزمع إجراؤها عبر التصويت المباشر للمرة الأولى منذ عقود.
ووفقاً لمسؤولي حكومة إقليم بونتلاند، اتفقت الحكومة الإقليمية على أن يجتمع أصحاب المصلحة الصوماليون، بخاصة القادة السياسيون والمجتمعيون المؤثرون، بصورة عاجلة لمناقشة ما وصفته بـ"المستقبل غير المؤكد للبلاد" والاتجاه السياسي المتفاقم سوءاً
كذا حذرت بونتلاند الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية من الدخول في اتفاقات مع ما سمته "إدارة غير شرعية"، مدعية أن مثل هذه الصفقات قد تضعف مصالحها الطويلة الأمد وشرعيتها في الصومال، منددة بأعمال الحكومة الاتحادية "التي تشمل مصادرة الأراضي والنزوح القسري وحجز الأفراد ذوي الآراء السياسية المعارضة".
ويمثل الإعلان الأخير تصعيداً كبيراً في النزاع الطويل الأمد بين بونتلاند والحكومة الاتحادية، مما يثير مخاوف جديدة في شأن التفتت السياسي والتوترات الدستورية في الصومال.
تحذير من الفوضى
بحسب ما نقل عن وكالة الأنباء الصومالية، فإن الرئيس حسن شيخ محمود أعلن البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، مما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً، وذلك بعد أيام من انتقاده دعوة المعارضة لتنظيم احتجاجات وبخاصة في ولاية جنوب غربي الصومال، ومطالبته إياها بفتح النقاش العام من خلال طرح رؤية سياسية بديلة عوض "التحريض على الفوضى"، على حد وصفه.
بدوره وجه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الصومالية علي يوسف علي، انتقادات شديدة إلى رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبدالله دني، متهماً إياه بأنه "عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها".
وقال يوسف في بيان نشرته الصحافة المحلية، إن "البيان الصادر عن رئاسة بونتلاند لا يخدم شعب بونتلاند ولا المجتمع الصومالي عموماً، بل هو جزء من سلسلة من الإنكار والتضليل التي يمارسها دني منذ فترة طويلة بغرض عرقلة قيام دولة الصومال". وأوضح أن "هذا النهج التخريبي يستند إلى مقومين أساسيين: عرقلة كل ما ينمي البلاد، ودعم كل ما يقسمها أو يؤخرها"، متهماً رئيس بونتلاند بمعارضة خطط سابقة، من بينها إلغاء ديون الصومال، وإجراء انتخابات بنظام صوت واحد لكل شخص، واستغلال موارد البلاد، وبناء جيش وطني محترف، وواصفاً إياه بأنه "يدعم مصالح أجنبية ويستخدم بونتلاند لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الفيدرالية".
من جهته دعا الرئيس الصومالي السابق شريف شيخ أحمد، إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق وطني شامل قبل الشروع في تنظيم انتخابات رئاسية في البلاد، مشيراً إلى أن الذهاب نحو الانتخابات من دون تحقيق التوافق سيعني إجراءً غير شرعي. وأشار في مؤتمر عقدته أحزاب المعارضة الصومالية، إلى أن ولاية الرئيس حسن شيخ محمود والحكومة والبرلمان قد انتهت، مؤكداً أن "أحزاب المعارضة والشخصيات الوطنية الوازنة بذلت جهوداً حثيثة للتوصل إلى اتفاق في شأن التدابير الخاصة بالانتخابات، بما في ذلك تعيين اللجان والإجراءات التي تضمن نزاهة الاستحقاق الانتخابي، لكن تلك الجهود لم تكلل بالنجاح نظراً إلى عدم تجاوب السلطة الحاكمة التي تسعى إلى سيطرة حزب واحد على العملية الانتخابية". وحذر شيخ أحمد من عواقب هذا النهج.
صيف ساخن
من جهة أخرى قال المتخصص في الشؤون الصومالية عبدي محمد إن البلاد مقبلة على صيف سياسي ساخن في ظل الانقسامات القائمة بين السلطة الحاكمة والمعارضة الملتفة تحت مظلة "مجلس إنقاذ الصومال". ويرى عبدي أن الانقسام لا ينحصر في آليات تنظيم الانتخابات فحسب، بل في مضمون الدستور المعدل، إذ تمت الإجراءات من دون التوصل إلى توافق وطني شامل، موضحاً أن المؤشرات توحي بتفاقم الأزمة السياسية، بخاصة بعد فشل المحادثات الأخيرة بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة الصومالية حول آلية الانتخابات وطبيعتها. وأضاف أن المعارضة قلقة من تزوير قد يشوب الانتخابات المقبلة، بخاصة بعد الانتخابات الجزئية التي جرت في بيدوا، إذ كشفت عن مستوى عالٍ من الفساد الإداري، مما يدفع الأوضاع إلى مزيد من الانقسام السياسي الذي قد ينجم عن انتخابات غير قائمة على اتفاق.
وشدد عبدي على أن ثمة ضرورة للتعاطي مع مطالب المعارضة بمزيد من الحكمة، محذراً من لجوء الحكومة الصومالية إلى القوة في تفريق الاحتجاجات المزمع تنظيمها من قبل "مجلس إنقاذ الصومال" المعارض بعد إجازة عيد الأضحى المبارك.
ونوه بأن وصف الرئيس الصومالي للاحتجاجات السلمية التي دعت إليها المعارضة بأنها "دعوة إلى التحريض والفوضى" أمر بالغ الخطر ويشير إلى إمكان مواجهتها بالقوة، مما يرشح الأوضاع لمزيد من الانقسام.
وقال عبدي إن الاحتجاجات السلمية حق يكفله الدستور الفيدرالي الصومالي، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها دعوة إلى الفوضى إلا في حال نزوعها نحو العنف واستهداف الأرواح والممتلكات الخاصة والعامة، مؤكداً أن دور قوات الأمن والشرطة ينحصر في ضمان سلمية الاحتجاجات وعدم تجاوزها.
ويرى المحلل السياسي الصومالي أن ثمة فرصاً سانحة لاستئناف الحوار خلال الأسبوع المقبل بين الحكومة والمعارضة، وإحباط أية محاولات قد تقود لمواجهات بين مناصري الطرفين، مشيراً إلى أن إجازة العيد قد تمثل فرصة لتوفير أجواء مناسبة لتوسط رجال الدين والشخصيات الوطنية المحايدة.
أخطار التدويل
بدوره يرى السياسي الصومالي سلطان شيخ هاشم أن اللجوء إلى الشارع عوض الاستمرار في جولات المحادثات بين السلطة والمعارضة يشي بتصعيد يجلب أخطار كبيرة في البلد الذي طالما عانى الانقسامات السياسية والقبلية والعشائرية، موضحاً أن أي خلاف سياسي في الصومال يخفي خلفه منطلقات قبلية وعشائرية مما يعرض السلام الهش لأخطار جمة.
ويرى سلطان أن السلطات لا تولي الأهمية الكافية لتلك الأخطار المحدقة، بخاصة بعد إعلان إقليم بونتلاند سحب الاعتراف من الرئيس حسن شيخ محمود، إلى جانب الأخطار المتعلقة بإمكان اعتراف عدد من الدول باستقلال صوماليلاند، إضافة إلى التحديات الأمنية والعسكرية التي تمثلها الحركات المتطرفة. وأشار إلى أن أية مواجهات بين السلطة والمعارضة في شوارع العاصمة ستعرض وحدة الصومال للخطر، إذ سيتم استغلال حال عدم الاستقرار من قبل الدول الداعمة لانفصال أرض الصومال، بخاصة أن الحجج السياسية التي تكررها هرجيسا تتعلق بعدم استقرار الأوضاع، وبأن الإقليم يمثل حالاً استثنائية في السلم والاستقرار وانتظام الاستحقاقات الانتخابية والتداول السلمي للسلطة.
ويضيف أن اعتماد حكومة مقديشو على القوات الدولية العاملة في الصومال لتفريق الاحتجاجات قد يسهم في تصاعد وتيرة الانقسام ويدخل عناصر جديدة في الخلاف السياسي، بخاصة أن الصوماليين حساسون بدرجة عالية من أي تدخل للقوات الأجنبية في النزاعات الداخلية، مذكرا ً بتجربة القوات الأميركية في بداية تسعينيات القرن الماضي في الصومال، والتي انتهت بطريقة مأسوية.