إدريس بارزاني(1944–1987) وتاريخيته المستحضرة في الوسام الايطالي لابنه نيجيرفان.

د هوشيار مظفر علي امين

يوليو 8, 2026 - 14:44
إدريس بارزاني(1944–1987) وتاريخيته المستحضرة في الوسام الايطالي لابنه نيجيرفان.
إدريس بارزاني(1944–1987) وتاريخيته المستحضرة في الوسام الايطالي لابنه نيجيرفان.

إن سيرة إدريس بارزاني تشكّل مفتاحاً إبستيمولوجيا لقراءة التحولات البنيوية فيمسار حركة التحرّر الكوردية خلال الربع الأخير من القرن العشرين، ذلك أن فهم النضالالكوردي بوصفه سلسلة من الانتفاضات العسكرية المتقطعة يظل قاصراً ما لم نقفطويلاً عند تلك المحطة الفارقة التي تحوّل فيها العمل الكوردي من  القيادة الكاريزمية ،المتمثّلة بالزعيم مصطفى بارزاني، إلى أفق سياسي كاريزمي آخر يستند إلى مشروعيةالمؤسسة واستراتيجية التراكم، وفي قلب هذه اللحظة الانتقالية يقف إدريس بارزانيبوصفه العقل المخطط، لا وريثاً للقيادة الكاريزمية فحسب، بل مفكّرا ثوريا أعاد صياغةالعلاقة بين الثورة بوصفها فعلاً آنياً والتحرّر بوصفه امتداداً تاريخياً طويل الأمد. وقدسبق لي أن عالجتُ أبعاد هذه النقلة في أطروحتي للدكتوراه عن والده مصطفىبارزاني، عليهما رحمات الله، حيث تبيّن لي أن الجيل الثاني من القيادة البارزانية لميحمل الإرث بوصفه امتيازاً، بل بوصفه مسؤولية أخلاقية وتاريخية في آن.

ولد إدريس بارزاني في سياق سياسي لم يعرف الاستقرار قط، حيث كانت الحياةالكوردية تتأرجح بين ثنائية الثورة والمنفى، وأسرة بارزاني تمثّل المركز الاستراتيجيللقرار النضالي المتحرك بين القبيلة والحركة الوطنية. لكنّ إدريس، منذ وعيه المبكّر،تعامل مع هذا الموروث بوصفه أرضية للفعل، لا سقفاً له، إذ أدرك أن الصراع الكوردي لاجل كوردستان ليس مجرد نزاع على حدود جغرافية، بل صراع اعتراف سياسي ووجودقومي في دولةٍ مركزية تنكر التعدّد. وهكذا بدأت تتشكّل فلسفته السياسية على قاعدةأن بقاء القومية لا يتحقّق باستدامة الحرب، بل بإدارة الصراع عقلياً وتحويل الطاقةالثورية إلى رأسمال سياسي قابل للاستثمار. وفي بقاع الثورة، حيث امتزج التعليمبالتجربة المبكّرة، تعلّم أن القوة العسكرية تمنح الصمود، لكنّ الشرعية الدولية تُمنحفقط لمن يملك خطاباً موازياً لبندقيته، ولذلك انفتح باكراً على ثنائية التنظيم والعملالميداني، مانحاً حضوره طابعاً مغايراً داخل القيادة الكوردية، إذ ظهر وسيطاً بين عزيمةجيل الثورة وروح العصر.

وفي رحاب ثورة أيلول، قرأ إدريس طبيعة الصراع المركزيالكوردي قراءة مركّبة،فالدولة المركزيةفي عهودها الملكية والقاسمية عند الثورة والعارفية ، والبكريةوالصدامية بعدها، لم تكن خصماً عسكرياً فقط، بل منظومة أيديولوجية تسعى إلىمحو الهوية الكوردية على حساب التعدّد، والبيئة الإقليمية كانت أسيرة توازنات الحربالباردة. ومن هنا نبتت قناعته بأن النضال لا يمكن أن يرتهن لتحالفات مؤقتة، بل يحتاجإلى استقلالية قرار تحفظ القضية من التحوّل إلى ورقة تفاوض في لعبة الكبار. تلكالقناعة تجسّدت في أدائه التفاوضي البارع خلال مفاوضات أوائل السبعينيات، حولبيان آذار والاتفاقات التي نقضها البعث لاحقاً، حيث أظهر قدرة استثنائية على قراءةحدود الممكن السياسي، فلم ينظر إلى المفاوضات باعتبارها نهاية، بل مرحلة في صراعممتد، وكان يميل إلى تثبيت المكاسب الواقعية بدلاً من رفع السقف إلى درجة الانهيار،وهذه المقاربة كانت إيذاناً بانتقال الفكر الكوردي من منطق الثورة الدائمة إلى منطقالتراكم السياسي، وهو تحول مفصلي نجح فيه قادة البارتي في الجمع بين مكاسبالحرب والسلم.

جاءت ازمة 1975 بعد اتفاق الجزائر لتشكّل اختباراً وجودياً عنيفاً، للحركة بخيانة من خان الحركة من اعدائها، وانهارت فيه الجبهات وتفكّكت البنى وتشرّد المجتمع، لكنّإدريس رفض أن يقرأ المشهد بوصفه نهاية، بل نظر إليه باعتباره لحظة مراجعةتاريخية، فبدأ مشروع إعادة بناء الحزب الديمقراطي الكوردستاني على أسس مؤسسيةجديدة تقوم على الشخص الاعتباري لا الشخص الطبيعي، وعلى العمل المجتمعيالموازي للعمل العسكري وحوّل رؤيته نحو بناء مجتمع سياسي قادر على الاستمرار فيغياب السلاح، فاستقدم الكوادر الشابة، وشجّع التعليم السياسي، وربط الحزب بالحياةاليومية في المدن والمخيمات، فنقل الحركة من فضاء الجبل إلى فضاء المجتمع، وهوتحول جوهري في فلسفة التحرر المعاصرة، جرى بالتوازي مع رؤية شقيقه الزعيممسعود بارزاني، ليكتمل بذلك نموذج القيادة المزدوجة التي جمعت بين الحسمالعسكري والمرونة السياسية.

امتلك إدريس واقعية سياسية مغايرة للبراغماتية المحضة، إذ لم تكن الواقعية عندهتنازلاً، بل أداة لحماية البعيد، فكان يقرأ التحولات الإقليمية بدقة متناهية، ويتجنّبالانخراط في صراعات تفوق قدرة الحركة، مؤمناً بأن الحفاظ على القوة أهم مناستنزافها في مواجهات غير محسوبة، ولهذا اتسمت قراراته بحذر استراتيجي صوناستمرارية الحركة في ظل بيئة إقليمية بالغة التعقيد. وفي علاقاته الخارجية تبنّى مبدأتحييد الخصوم بدلاً من صناعة عداوات دائمة، إذ أدرك أن تحالفات الشرق الأوسطمتقلّبة، والاعتماد المطلق على طرف يؤدي إلى فقدان الاستقلال، فسعى إلى بناء شبكةعلاقات متعددة تحفظ هامش المناورة للقضية الكوردية، وهذا النهج أسهم في نقلهامن العزلة الجغرافية إلى الحضور السياسي الإقليمي.

أمّا في تعامله مع نظام البعث، فقد أدرك مبكراً أنه نظام شوفيني بوليسي يشبه دولةجورج أورويل في "1984 ولم يراهن على تسوية نهائية مع سلطة تقوم على الإقصاء،بل أدار الصراع بأدوات متعدّدة: السياسة، الإعلام، التوثيق، مع التفاوض حيثما أمكنوالقتال حيثما اقتضى، خصوصاً في مواجهة من يغزون كوردستان ويغيبون شعبها فيعمليات إبادة استبقت أنفال الثمانينيات ، فدعم جهود فضح الانتهاكات أمام الرأيالعام الدولي، محوّلاً معاناة المجتمع الكوردي إلى قضية حقوق إنسان تتجاوز حدودالعراق، ممهّداً لتدويل القضية بشكل تدريجي، رغم تعرّضه لعدة محاولات اغتيال، ممايؤكد أنه كان يُعتبر خطراً معرفياً قبل أن يكون خطراً عسكرياً.

ايقن إدريس بأن المعركة الحقيقية تمتد إلى الحقل الثقافي، فالدولة التي تفقد لغتهاوذاكرتها تفقد قدرتها على الاستمرار، لذا دعم التعليم الكوردي، وشجّع الكتابة والتوثيقالتاريخي، وسعى إلى ترسيخ هوية ثقافية جامعة تتجاوز الانقسامات المناطقيةوالعشائرية، معتبراً أن بناء الوعي القومي شرط أساسي لأي مشروع تحرري. كان يرى أنالزمن السياسي لا يقاس بانتصارات آنية، بل بتراكمية القضية عبر الأجيال، فتركّز علىإعداد قيادات شابة داخل البارتي والبيشمركة، وحتى بين المحايدين، مدركاً أن القائدالحقيقي هو من يجعل وجوده غير ضروري لاستمرار المشروع، وقد أثبتت لاحقاً صحةهذا التصور حين استمرت المؤسسات التي شارك في تأسيسها رغم التحولات الإقليميةالعنيفة.

غير أن الأثر الأعمق لإدريس يظهر في شخصية ابنه نيجيرفان بارزاني، الذي نشأ داخلمدرسة سياسية ترى التفاوض امتداداً للنضال لا بديلاً عنه، وتعتبر الاعتدال قوةسياسية لا ضعفاً. انعكست مبادئ إدريس في أسلوب نيجيرفان القائم على بناء علاقاتدولية وتقديم نموذج حكم يستند إلى الاستقرار والتنمية والانفتاح، وهو امتداد واضحللفلسفة التي جمعت بين الواقعية السياسية وثوابت الهوية. ورث نيجيرفان من والدهفكرة أن الشرعية تُبنى عبر خدمة المجتمع قبل إدارة السلطة، وأن القيادة ليست خطاباًجماهيرياً بل قدرة على إدارة التوازنات المعقدة، لذا يمكن قراءة تجربة إقليمكوردستان في مراحله اللاحقة باعتبارها استمراراً عملياً للمدرسة الإدريسية التي أعادتتعريف القيادة الكوردية بوصفها عملاً مؤسسياً طويل الأمد.

تتأسس فلسفة إدريس التاريخية على ثلاث ركائز مترابطة: أولها أن المجتمع هو أساسالشرعية، وثانيها أن الواقعية أداة بقاء، وثالثها أن المؤسسة ضمان استمرار. وقدانتقلت هذه الركائز إلى الجيل اللاحق، متمثّلة في نيجيرفان الذي جسّد انتقال القيادةمن زمن الثورة المسلحة إلى زمن الإدارة السياسية والانفتاح الدولي. وهكذا، لا يظهرإدريس بارزاني كشخصية عابرة، بل كمرحلة فكرية كاملة أعادت صياغة العلاقة بينالنضال والسياسة، والهوية والدولة، والقيادة والمجتمع، وهو أثر يتجاوز حدود حياتهالزمنية ليصبح جزءاً من الذاكرة السياسية الكوردية الحديثة، إذ أن كثيراً من ملامحالاستقرار السياسي الذي عرفته كوردستان لاحقاً يمكن ردّ جذوره إلى تلك الرؤيةالجمعية بين الصمود والمرونة، والحلم وإدارة الواقع، والحوار مع المخالفين، وهو ماظل حاضراً في الأب والابن على السواء.

إن قراءة مسار حركة التحرر الكوردي من منظور تاريخي مقارن تقود إلى نتيجة واضحة: أن إدريس بارزاني كان حلقة التحول من القيادة الثورية التقليدية إلى القيادة السياسيةالمؤسسية، وأن أثره لم يتوقف عند إعادة بناء الحزب أو تنظيم المجتمع، بل امتد إلىتشكيل مدرسة سياسية استمرّت عبر نجله نيجيرفان، الذي حمل جوهر تلك الفلسفةإلى مرحلة جديدة من العمل الكوردي المعاصر، فأصبح إدريس أحد العقول المؤسسةللمرحلة الحديثة من التاريخ السياسي الكوردي؛ مرحلة انتقلت فيها القضية من حدودالصراع إلى أفق الاعتراف الدولي. فلسفته لا تُفهم من خلال الأحداث المنفصلة، بل منخلال أثرها التراكمي في مسار التحرر، إذ أسّس لنمط قيادة يرى المستقبل امتداداًللماضي دون أن يبقى أسيراً له، ويجعل الواقعية السياسية وسيلة لحماية الهوية لاللتخلي عنها، وهذا الإرث ما زال حاضراً في تجربة نيجيرفان وفي تطور مشروعهالسياسي الكوردي حتى اليوم وهكذا عندما نال نيجيرفان بارزاني ارفع وسام ايطالي ، حبث اليوم تمنح الدولة الإيطالية، في مراسم خاصة بمدينةأربيل، أرفع درجات التكريم الرسميةلنيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان فهو اعتراف دولي بنيجيرفان وارث ابيه ادريس.

في المراسم، التي ستقام اليوم الأربعاء، (8 تموز 2026)،سيقوم نيكولو فونتانا، السفيرالإيطاليلدى العراق، نيابةعن سيرجيو ماتاريلا، رئيس جمهورية إيطاليا، بتقليدنيجيرفانبارزاني، رئيس إقليم كوردستان، (وسام نجمةإيطاليا). ويعد هذا الوسام أرفع وسامإيطالي يُمنح للأشخاص الذين على قيد الحياة وكانه وسام ادريس الاب لنيجيرفان الابن لادريس الحفيد.