غياب الرقابة واستغلال الأيدي العاملة

يونيو 11, 2026 - 17:02
غياب الرقابة واستغلال الأيدي العاملة

بقلم: د. سيروان عبدالكريم علي 

في السنوات الأخيرة، أصبح القطاع الخاص في العراق وإقليم كوردستان الوجهة الرئيسية لآلاف الشباب والشابات الباحثين عن فرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم وتؤمن لهم مستقبلاً أفضل. لكن خلف واجهات الأسواق الراقية، والمدارس الدولية، والشركات الحديثة، تختبئ قصص مؤلمة عن ظروف عمل قاسية ورواتب لا تتناسب مع أبسط متطلبات الحياة.

قبل أيام، حدثتني ابنة أخي عن مقابلة عمل في أحد المتاجر الراقية. عرض عليها صاحب العمل راتباً شهرياً قدره 300 ألف دينار عراقي مقابل دوام يومي من الساعة الثامنة صباحاً حتى الرابعة والنصف عصراً، مع يومين شهرياً بساعات عمل إضافية تمتد حتى منتصف الليل. عند حساب ساعات العمل الفعلية، يتبين أن الموظفة ستعمل ما يقارب 250 ساعة شهرياً، أي أن أجرها الفعلي لا يتجاوز 1200 دينار للساعة، وهو مبلغ يقل عن دولار أمريكي واحد.

لكن القصة التي أثرت في نفسي أكثر كانت قصة أم مكافحة تعمل في مدرسة تقدم نفسها لأولياء الأمور على أنها مؤسسة تعليمية ذات هوية عالمية وتطبق "المعايير الدولية". هذه السيدة تبدأ عملها في السابعة صباحاً داخل مطبخ المقصف المدرسي، حيث تقوم بإعداد الطعام وتوزيعه على الطلبة، ثم تنظيف الصحون وغسل أدوات الطبخ وتنظيف المطبخ حتى الرابعة عصراً.

وعندما سألتها عن راتبها الشهري، أجابتني بأنها تتقاضى أجورها أسبوعياً. في البداية اعتقدت أن الأمر إيجابي، لكن المفاجأة كانت عندما أخبرتني أن راتبها الأسبوعي لا يتجاوز خمسين ألف دينار عراقي، أي ما يعادل عشرة آلاف دينار فقط عن كل يوم عمل. وبحساب ساعات العمل، فإن أجرها لا يتجاوز نحو ألف ومئة دينار للساعة، أي أقل من دولار واحد مقابل تسع ساعات من العمل المتواصل في بيئة تتطلب جهداً بدنياً كبيراً ومسؤولية يومية تجاه مئات الطلبة.

المؤلم في هذه القصة أن المدرسة تروج لنفسها باعتبارها مؤسسة تعليمية حديثة تطبق المعايير العالمية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الحديث عن معايير عالمية في التعليم مع تجاهل المعايير العالمية في حقوق العاملين؟ وهل تبدأ الجودة من الأبنية والشعارات أم من احترام الإنسان الذي يعمل داخل المؤسسة؟

وفقاً لقانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، فإن ساعات العمل يجب أن تكون محددة، والعمل الإضافي يجب أن يقابله أجر إضافي، كما أن القانون يهدف إلى حماية العامل وضمان ظروف عمل إنسانية. غير أن الواقع يكشف وجود فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي، خصوصاً في بعض مؤسسات القطاع الخاص التي تستفيد من ارتفاع معدلات البطالة وضعف الرقابة والخوف من فقدان الوظيفة.

أما في الدول الغربية مثل أستراليا وألمانيا وفرنسا وغيرها، فإن الأجر لا يقاس فقط بعدد الساعات، بل يرتبط أيضاً بالحد الأدنى لمستوى المعيشة. فالعامل الذي يقضي يومه في تنظيف مطبخ مدرسة أو الوقوف خلف صندوق محاسبة في متجر كبير يحصل عادة على أجر يتيح له تغطية احتياجاته الأساسية، إضافة إلى حقوق أخرى تشمل الإجازات السنوية والمرضية والتأمينات المختلفة. كما أن العمل الإضافي والعمل في العطل الرسمية غالباً ما يُدفع عنه أجر أعلى من الأجر الاعتيادي.

ولا يقتصر الاستغلال على تدني الأجور فقط، بل يمتد أحياناً إلى الضغوط النفسية والإهانات اليومية وغياب فرص التطور المهني وحرمان العامل من الشعور بالأمان الوظيفي. فكثير من الشباب والشابات يقبلون بهذه الظروف ليس لأنها عادلة، بل لأن البدائل قليلة، ولأن الحاجة الاقتصادية تدفعهم إلى قبول أي فرصة مهما كانت مجحفة.

 إن المجتمعات لا تُقاس فقط بعدد الأبراج والمراكز التجارية والمدارس الخاصة، بل بمدى احترامها للإنسان العامل. فالعامل الذي يقف ساعات طويلة لإعداد الطعام للأطفال، أو الشابة التي تقضي معظم يومها في خدمة الزبائن، ليسا أرقاماً في سجلات الرواتب، بل مواطنون يساهمون في بناء المجتمع ويستحقون حياة كريمة.

إن تطوير القطاع الخاص هدف مشروع وضروري لأي اقتصاد حديث، لكن التنمية الحقيقية لا تقوم على الأرباح وحدها، بل على تحقيق التوازن بين مصالح أصحاب العمل وحقوق العاملين. فالمؤسسة الناجحة ليست تلك التي تحقق أكبر قدر من الربح فحسب، بل تلك التي تستطيع أن تنظر إلى موظفيها باعتبارهم شركاء في النجاح لا مجرد أدوات إنتاج.

 ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة صريحة من الجميع: كيف يمكن أن نبني جيلاً واثقاً بمستقبله، بينما يعمل بعض أبنائه وبناته تسع ساعات يومياً أو أكثر مقابل أجر لا يكفي لتغطية أبسط احتياجات يوم واحد؟