نيجيرفان بارزاني والسياسة الواقعية في زمن عواصف الحرب الامريكية الاسرائيلية - الايرانية.
رأي موقع hiwar بقلم: د هوشيار مظفر علي امين* و اكرم طالب الوشاح**
"الاقليم لن يكون طرفاً في الصراعات، وسيبقى كما هو عهده عاملاً للاستقرار... مع دعم الإقليم للجهود الدبلوماسية الرامية لتهدئة التوترات وإبعاد مخاطر الحروب عن شعوب المنطقة"
نيجيرفان بارزاني في اتصال هاتفي مع عباس عراقجي
::::
::::
منذ عام 2003 والعراق يعيد تعريف نفسه داخل شبكة معقدة من التوازنات الداخلية والاقليمية، حيث لم تكن الازمة مجرد اعادة بناء دولة بل اعادة صياغة هوية سياسية كاملة. وفي هذا السياق، برز نيجيرفان بارزاني بوصفه احد الفاعلين القلائل الذين استطاعوا الانتقال من منطق الادارة المحلية الى منطق الفعل الدولي، مقدما نموذجا مركبا يجمع بين الواقعية السياسية والمرونة الدبلوماسية.
لم يكن حضوره مجرد تمثيل لاقليم كوردستان، بل تطور تدريجيا ليصبح جزءا من صورة العراق في الخارج، خصوصا في الفترات التي عانت فيها بغداد من ارتباك القرار الخارجي وتضارب مراكزه بفعل الاحتلال، في تلك اللحظات، لم يملأ الفراغ بخطاب سياسي تقليدي، بل بمنهج قائم على التفاوض العملي، وتحييد التوترات، وبناء قنوات اتصال متعددة الاتجاهات.
لقد اعاد نيجيرفان تعريف العلاقة بين الاقليم والمركز عبر ما يمكن تسميته بالازدواجية الوظيفية، حيث دافع عن خصوصية كوردستان من جهة، وفي الوقت نفسه قدم نفسه والاقليم جزءا اساسيا من العراق الاتحادي من جهة اخرى. هذا التوازن لم يكن خطابيا فقط، بل انعكس في طبيعة تحركاته الدولية، وفي نوعية الملفات التي اشتغل عليها، من الطاقة الى الامن الى اعادة الاعمار لغاية الحرب اليوم.
ومع تصاعد التوترات الاقليمية ووصولها الى مرحلة الصدام المفتوح بين امريكا واسرائيل وايران في الشرق الاوسط، في ثاني حرب بينهم خلال اقل من عام، دخلت كوردستان مرحلة جديدة من التحديات المركبة، حيث لم تعد مجرد مساحة مستقرة داخل عراق اتحادي، بل اصبحت نقطة تماس غير مباشرة في صراع متعدد المستويات.
الحرب الحالية اعادت رسم خرائط النفوذ في المنطقة، ووضعت كوردستان امام اختبار وجودي حقيقي. فالموقع الجغرافي الذي منحها سابقا ميزة استراتيجية، تحول الى عامل ضغط، حيث تقع بين قوى متصارعة تمتلك القدرة على التأثير المباشر امنيا واقتصاديا وقصفها بالمسيرات انموذج لا يقبل التاويل.
القصف المتكرر بالطائرات المسيرة، والتوترات الحدودية، والاتهامات المتبادلة بين القوى الاقليمية، ومزاعم دعم كوردستان العراق لحراك كوردي لاكراد ايران ، كلها عوامل جعلت من الاقليم ساحة حساسة، حتى وان لم يكن طرفا مباشرا في الحرب. هذا الواقع فرض على القيادة الكوردية، وعلى رأسها رئيس الاقليم نيجيرفان بارزاني، اعتماد سياسة دقيقة تقوم على منع الانزلاق الى الصراع، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الاطراف.
في هذا السياق، تتجلى اهمية المقاربة التي اعتمدها، نيجيرفان، حيث لم ينجر الى سياسة المحاور، بل عمل على تثبيت موقع كوردستان كمساحة توازن لا كساحة صراع. فقد حافظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وابقى قنوات الاتصال مفتوحة مع ايران وتركيا، والخليج، وفي الوقت نفسه طور علاقات اقتصادية وسياسية مع دول العالم بعيدا عن الازمة الحالية ولا ننسى هاهنا ميونخ2026 ومشاركته فيه.
غير ان اثر الحرب لم يكن سياسيا فقط، بل امتد بعمق الى البنية الاقتصادية والاجتماعية للاقليم. فازمة الطاقة العالمية، وتهديد طرق تصدير النفط، واغلاق بعض الممرات الحيوية، كلها عوامل انعكست مباشرة على اقتصاد كوردستان الذي يعتمد بشكل كبير على الموارد النفطية وعلى الطاقة وعلى الامن الاجتماعي لكوردستان.
هنا برز تحدي مزدوج، واجهه نيجيرفان، يتمثل في ضرورة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الداخلي، وفي الوقت نفسه التنسيق مع بغداد لتأمين بدائل استراتيجية لصادرات الطاقة. هذا التحدي كشف مرة اخرى عن اهمية العلاقة بين الاقليم والمركز، حيث لم يعد الخلاف خيارا قابلا للاستمرار في ظل الضغوط الدولية والاقليمية.
ومن زاوية اجتماعية، خلقت الحرب حالة من القلق المستمر داخل المجتمع الكوردي، خصوصا مع تزايد احتمالات توسع الصراع وقد وجدنا ذلك في المسيرات التي قصفت اربيل والسليمانية واثرت على منظومة كهرباء الاقليم، ومنظومة اقتصاده، هذا القلق انعكس على حركة الاستثمار، وعلى ثقة الاسواق، وعلى المزاج العام، مما يفرض على صناع القرار العمل ليس فقط على ادارة الازمة، بل على ادارة التوقعات ايضا على ما يقوم به اليوم نيجيرفان بارزاني.
في هذا الاطار، يمكن قراءة تحركات نيجيرفان بارزاني كجزء من استراتيجية استباقية تهدف الى تحييد كوردستان عن تداعيات الحرب الحالية قدر الامكان، مع الاستفادة من موقعها كحلقة وصل محتملة في مرحلة ما بعد الصراع. فهو يدرك ان الحروب لا تعيد فقط رسم الخرائط العسكرية، بل تعيد ايضا تشكيل شبكات الاقتصاد والطاقة والنفوذ.
ومن هنا، عمل على تقديم كوردستان كمنصة للاستقرار، وكشريك محتمل في مشاريع اعادة الاعمار، وكجسر لوجستي بين اسيا واوروبا اقتصاديا واستثماريا وتحويليا، هذه الرؤية تتجاوز التعامل مع الازمة كخطر، لتراها ايضا كفرصة لاعادة التموضع الاستراتيجي للعراق وكوردستان على حد سواء.
كما ان اصراره على عدم انخراط الاقليم في الصراع مهما تعرض للقصف، يعكس فهما عميقا لطبيعة المرحلة، حيث ان اي انحياز مباشر قد يحول كوردستان الى ساحة مواجهة مفتوحة، وهو ما قد يقوض كل ما تحقق من استقرار خلال السنوات الماضية. لذلك، جاء تأكيده المتكرر على ان الاقليم لن يكون طرفا في الحرب، بل عاملا للاستقرار، كرسالة مزدوجة للداخل والخارج.
على ما أكد فيه لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، من أن الإقليم لن يكون طرفاًبالصراع الدائر بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى...خلال اتصال هاتفي تلقاه نيجيرفان بارزاني من عباس عراقجي جرى خلاله بحث العلاقات بين إيران وإقليم كردستان، بالإضافة إلى استعراض آخر التطورات في المنطقة وتداعياتها.
وحسب بيان سابق لرئاسة الإقليم، فقد شدد الجانبان على أهمية "الحفاظ على الأمنوالاستقرار"، كما أكد الطرفان على ضرورة "حماية أمن الحدود، بما يضمن التصديلأي محاولة تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة أو تفاقم الأوضاع الراهنة".
فيما جدد نيجيرفان بارزاني التأكيد على أن إقليم كردستان: "لن يكون طرفاً في الصراعات، وسيبقى كما هو عهده عاملاً للاستقرار" مشيراً إلى "دعم الإقليم للجهودالدبلوماسية الرامية لتهدئة التوترات وإبعاد مخاطر الحروب عن شعوب المنطقة.
وفق ما اوردته الوكالات تاكيدا عن بيان رئاسة الاقليم يومذاك...
على المستوى الدولي، ساهم هذا النهج في تعزيز صورة العراق عموما وكوردستان خصوصا كشريك يمكن الاعتماد عليه في بيئة اقليمية مضطربة. فالدول الكبرى تبحث في مثل هذه اللحظات عن نقاط ارتكاز مستقرة، ونيجيرفان بارزاني عمل على ترسيخ هذه الصورة من خلال خطاب معتدل، وتحركات محسوبة، والتزام واضح بالدبلوماسية كخيار اول خاصة بعد اتفاق الحكومة والاقليم على تصدير النفط العراقي عبر الاقليم.
وفي استشراف المستقبل، فهناك دلائل استشرافية تشير الى ان كوردستان ستبقى في قلب التحولات المقبلة، سواء استمرت الحرب او اتجهت نحو التسوية. ففي حال استمرار الصراع، ستزداد اهمية الاقليم كمنطقة عازلة نسبيا ومركز لوجستي، لكن مع ارتفاع مستوى المخاطر الامنية. اما في حال التهدئة، فقد تتحول جاذبية كوردستان الى بوابة رئيسية لمشاريع الطاقة والنقل واعادة الاعمار في العراق والمنطقة.
في كلا السيناريوهين، سيكون الدور الذي يلعبه نيجيرفان بارزاني حاسما، ليس فقط في حماية استقرار العراق والاقليم، بل في اعادة تعريف موقع العراق والاقليم في النظام الاقليمي الجديد. فهو لا يتحرك بمنطق رد الفعل، بل بمنطق بناء موقع تفاوضي طويل الامد، يستند الى شبكة علاقات متوازنة ورؤية سياسية عراقية عراقية واضحة.
ان التجربة التي يقدمها نيجيرفان اليوم تشير الى ان السياسة الخارجية لم تعد مجرد تمثيل دبلوماسي، بل اصبحت اداة لادارة الازمات المعقدة، وصناعة الفرص في قلب المخاطر. وفي زمن تتداخل فيه الحروب مع الاقتصاد والطاقة والجغرافيا، يصبح هذا النوع من القيادة اكثر من ضرورة، بل شرطا للبقاء والاستمرار.
وهكذا، لا يمكن فهم موقع كوردستان اليوم وسط هذه الحرب بمعزل عن هذه المقاربة، ولا يمكن قراءة تحولات العراق وكوردستان دون التوقف عند هذا النموذج الذي يحاول ان يوازن بين الواقعية والطموح، بين الانتماء الوطني العراقي والانفتاح الدولي، وبين تجنب الحرب والاستعداد لما بعدها.
ونيجيرفان له من خبرة الادارة السياسية ما يمكنه من ذلك...
*هوشيار مظفر علي امين: له كتاب عن نيجيرفان بارزاني مدير ازمة وقائد صراع.
**اكرم طالب الوشاح ، صدر له كتاب: السياسة الخارجية العراقية، بالمشاركة.