شركات التكنولوجيا الكبرى وكبح الخوارزميات
جولبا أنغوين
لقد تحقق الأمر أخيراً، حيث تمت مساءلة شركات التواصل الاجتماعي عن السُّمية الناتجة من خوارزمياتها.
ففي حُكم هو الأول من نوعه، خلصت هيئة محلفين في محكمة كاليفورنيا العليا، يوم الأربعاء، إلى أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» قد ألحقتا الضرر بأحد المستخدمين نتيجة خيارات التصميم التي تحمل طابعاً إدمانياً.
وقد تكون تداعيات هذا الحُكم على القطاع كبيرة. فهذه القضية ليست سوى واحدة من آلاف القضايا المقرر نظرها في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وتسعى المحاكم إلى دمجها. وقد ينتهي الأمر بتسوية كبرى واحدة، شبيهة بالاتفاق الذي أبرمته أكبر أربع شركات مصنّعة للسجائر عام 1998 لتسوية دعاوى قضائية بقيمة تقديرية بلغت 206 مليارات دولار أميركي، ضمن اتفاق شامل تضمن 46 ولاية.
ويُعدّ تعويض الأفراد عن الأضرار التي تسببت فيها هذه المنتجات مجرد جانب إيجابي ثانوي، أما المكسب الحقيقي فيكمن في إجبار عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي أخيراً على تصميم منتجات أقل ضرراً.
وأعني بذلك ميزات مثل التمرير اللانهائي للمنشورات، الذي يجذب المستخدمين بمحتوى يبدو بلا نهاية، والتشغيل التلقائي الذي يبدأ تشغيل مقاطع الفيديو أمام أعيننا دون تدخل منا. وبالطبع، هناك الخوارزميات التي تنشر المعلومات المضللة وتُضخّم مشاعر الغضب. فهذه كلها تقنيات تعتمدها شركات التكنولوجيا الكبرى لإبقائنا محدّقين في الشاشات لأطول فترة ممكنة، ومن المؤسف أن ممارساتها المربحة تُكبّد مستخدميها والمجتمع ككل تكلفة باهظة.
ولسنوات، دافعت شركات التكنولوجيا الكبرى عن نفسها في مواجهة اتهامات الإضرار بالمستخدمين، مستندة إلى ما يشبه «بطاقة الخروج من السجن» التي منحها إياها قانون صدر عام 1996، والمعروف باسم المادة 230 من قانون آداب الاتصالات، والتي أعفت شركات التكنولوجيا من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون على منصاتها.
واستُخدمت هذه المادة لعقود درعاً قانونياً مكّن الكثير من الشركات من صد قائمة متنامية من الاتهامات، بما في ذلك تمكين بيع المخدرات القاتلة، والتحرش الجنسي، والاتجار غير المشروع بالأسلحة.
غير أن جيلاً جديداً من الدعاوى القضائية بدأ في اختراق هذا الحاجز. فبدلاً من الادعاء بأن المحتوى ذاته ضار، يجادل المدّعون الآن بأن تصميم المنصات وخوارزمياتها هو الذي يسبب الضرر. وقالت ميتالي جين، مؤسسة «مشروع العدالة التقنية»، وهي منظمة غير ربحية معنية بالدفاع عن الحقوق والتقاضي: «لطالما حصّنت صناعة التكنولوجيا نفسها ضد التدقيق من خلال الاستناد إلى المادة 230 أو التعديل الأول للدستور الأميركي، أو كليهما. لكن هذا الزمن قد ولّى».
وفي قضية كاليفورنيا، قضت هيئة المحلفين بأن على «ميتا» و«يوتيوب» دفع ستة ملايين دولار أميركي تعويضاتٍ مالية إلى (ك.ج.م)، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً فضّلت عدم الكشف عن هويتها، وأدلت بشهادتها بأن فلاتر التجميل المتاحة على وسائل التواصل الاجتماعي تسببت لها بقلق شديد بشأن مظهرها. كما أن ميزات مثل التشغيل التلقائي وعدّادات الإعجاب دفعتها إلى متابعة عدد المتفاعلين مع منشوراتها؛ ما أسهم في إصابتها بالاكتئاب.
ومن المرجح أن يُستأنف الحكم، وربما نشهد أحكاماً متباينة مع نظر قضايا أخرى في محاكم مختلفة عبر البلاد. ولكن مع هذا الحكم، بدأ أخيراً عهد مساءلة شركات التكنولوجيا عن اختياراتها غير الاجتماعية.
وقد يصعب تذكّر ذلك الآن، لكن عندما أطلق «فيسبوك» ميزة «موجز الأخبار» عام 2006، كانت مجرد وسيلة تُتيح للمستخدمين رؤية منشورات أصدقائهم في مكان واحد، بدلاً من زيارة الصفحة الشخصية لكل صديق على حدة.
ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الميزة المعتمدة على الخوارزميات كياناً مختلفاً تماماً، كيان لا يملك المستخدمون عليه سوى قدر ضئيل من السيطرة.
فقد أدركت شركات التواصل الاجتماعي أن المستخدمين سيقضون وقتاً أطول على تطبيقاتها إذا ما جرى «تنويمهم» عبر تدفّق لا ينتهي من المحتوى الصادم والفج. فالمحتوى الذي ينجح في إبقاء الأنظار معلّقة بالشاشة لأطول مدة هو الذي يفوز. وفي هذا العالم الذي يسوده التنافس الشديد، لم يعد هناك متسع كبير للخوارزميات لتعزيز الجوانب الأفضل في إنسانيتنا، فلماذا قد تشجعنا شركة تسعى إلى الربح على ترك هواتفنا المحمولة، أو الخروج في نزهة، أو مقابلة صديق، أو زيارة الأجداد؟ ولماذا قد تحفزنا على الشعور بالثقة بالنفس، في حين أن انخفاض تقدير الذات يضمن عودتنا إليها مراراً وتكراراً؟
لكن يمكن لهذه الشركات أن تحقق أرباحاً طائلة دون الاعتماد على كثير من ميزاتها الأكثر سمّية. فهي ليست في حاجة إلى تقديم فلاتر التجميل (التي تُنتج سريعاً صوراً مثالية وغير واقعية)، ولا إلى سيل الإشعارات المتواصل الذي يلاحق المستخدمين بخوف دائم من تفويت أي جديد. كما يمكنها التوقف عن فرض المحتوى المثير للجدل، ومنح المستخدمين قدراً أكبر من التحكم فيما يرغبون في رؤيته.
والحقيقة، أن الشركات المدفوعة بدافع الربح تجد صعوبة في اتخاذ قرارات تقلّص أرباحها. لذلك؛ يمكننا رفع تكلفة السلوكيات الضارة، وقد نجح هذا النهج مع التدخين؛ إذ ما زال بإمكانك التدخين، لكن ثمن العلبة قد يصل إلى 15 دولاراً، وغالباً لن تجد مكاناً يُسمح فيه بالتدخين في الوقت الحاضر.
وبالمثل، ليست هناك حاجة إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي، بل يكفي أن تصبح تكلفة استمرار الشركات في ممارساتها الحالية مرتفعة بشكل كبير.