كيف تحولت الصين إلى دائن رئيس للولايات المتحدة؟ إجمال الدين العام الأميركي قد يتجاوز 53 تريليون دولار بحلول 2035م

يونيو 13, 2026 - 18:17
كيف تحولت الصين إلى دائن رئيس للولايات المتحدة؟  إجمال الدين العام الأميركي قد يتجاوز 53 تريليون دولار بحلول 2035م

على رغم الصراع السياسي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، لا تزال بكين من أكبر الدول التي تشتري السندات الأميركية وتموّل جزءاً ضخماً من الدين الأميركي، فكيف أصبحت الصين دائناً رئيساً لواشنطن؟ ولماذا تعتمد أميركا على أموال دول أخرى على رغم أنها أكبر اقتصاد في العالم؟ وهل يشكل تصاعد الدين الأميركي خطراً على الاقتصاد العالمي؟

في هذا التقرير نستعرض كيف تشابكت مصالح أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم ضمن واحدة من أكثر العلاقات المالية الحديثة تعقيداً.

في واحدة من أكثر المفارقات الاقتصادية إثارة خلال القرن الـ21، تقف الصين الخصم السياسي والاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في موقع أحد أكبر ممولي الاقتصاد الأميركي. وبينما تتبادل واشنطن وبكين العقوبات والرسوم الجمركية والاتهامات السياسية، تستمر العلاقة المالية بينهما في تشكيل أحد أعمدة الاقتصاد العالمي.

وعلى رغم حدة التصعيد المتكررة بين القوتين، لا تزال الصين تمتلك مئات مليارات الدولارات في سندات الخزانة الأميركية، في علاقة بالغة التعقيد تجمع بين المنافسة الشرسة والاعتماد المتبادل في آنٍ واحد.

أرقام تكشف عن حجم التشابك المالي

وفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأميركية الصادرة في مايو (أيار) عام 2025، انخفضت حيازة الصين من سندات الخزانة الأميركية إلى نحو 756 مليار دولار، في ثالث تراجع متتالٍ لها خلال العام الحالي، لتحافظ على مكانتها بوصفها ثالث أكبر حامل أجنبي للدين الأميركي بعد اليابان والمملكة المتحدة.

وعلى رغم ضخامة هذا الرقم، فإنه يعكس تراجعاً حاداً قياساً بعام 2013، حين بلغت الحيازة الصينية ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني)، متجاوزة 1.316 تريليون دولار وفق السجلات التاريخية لوزارة الخزانة ذاتها، ويشير هذا الانخفاض إلى تحول استراتيجي صيني متعمّد نحو تقليص الاعتماد على الدولار الأميركي.

في المقابل، تجاوز إجمال الدين العام الأميركي 36.2 تريليون دولار في مايو 2025 وفق بيانات لجنة الاقتصاد المشتركة في الكونغرس، في أعلى مستوياته التاريخية. وحذر مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي (CBO) ضمن تقريره لعام 2025 من أن هذا الرقم قد يتخطى 53 تريليون دولار بحلول عام 2035، إذا استمرت معدلات الإنفاق الحالية من دون إصلاحات مالية هيكلية.

وأكد صندوق النقد الدولي خلال تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر مطلع 2025 أن الدين العام الأميركي بات يمثل أحد أبرز مصادر الأخطار على الاستقرار المالي العالمي، مشيراً إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت 120 في المئة.

لماذا تشتري الصين السندات الأميركية؟

لفهم العلاقة، لا بد من العودة لبنية الاقتصاد الصيني ذاتها، فوفقاً لبيانات البنك الدولي لعام 2024، تصنف الصين أكبر دولة مصدرة في العالم للعام الـ17 على التوالي، وتحقق فوائض تجارية ضخمة مع الولايات المتحدة.

وبعدما بلغ حجم التبادل التجاري في السلع بين البلدين نحو 585 مليار دولار عام 2024 وفق "بي بي سي نيوز" ، تراجع هذا الرقم إلى 414.7 مليار دولار عام 2025، في انعكاس مباشر لتصاعد حدة الرسوم الجمركية بين الطرفين.

وحين تبيع الصين منتجاتها في الأسواق الأميركية، تتراكم لديها كميات هائلة من الدولار، ولأن إبقاء هذه السيولة من دون توظيف استثماري يمثل مخاطرة اقتصادية، تلجأ بكين إلى شراء سندات الخزانة الأميركية، باعتبارها من أكثر الأصول أماناً وسيولة على مستوى العالم.

وهذا النموذج منح الولايات المتحدة قدرة هائلة على الاقتراض والإنفاق، ووفّر في الوقت ذاته للصين أداة مستقرة لتخزين احتياطاتها النقدية التي تتجاوز 3.3 تريليون دولار وفق بيانات بنك الشعب الصيني لعام 2025.

لكن هذه المعادلة أفرزت اعتماداً متبادلاً بالغ التعقيد، فواشنطن تحتاج إلى مشترين دائمين لسنداتها، فيما تحتاج بكين إلى استقرار الدولارحتى لا تتآكل قيمة أصولها.

ويؤكد المحلل الاقتصادي محمد أنيس أن هذا التشابك المالي لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من التكامل الاقتصادي بين البلدين، مشيراً إلى أن جذوره تعود لما بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، حين بدأت الفوائض الصينية تتراكم بصورة كبيرة ويُوظّف جزء منها في أدوات الدين الأميركية.

ويضيف أنيس خلال حديث إلى "اندبندنت عربية" أن هذه العلاقة لا تقوم على الهيمنة بقدر ما تقوم على تشابك المصالح، موضحاً أن الصين لم تعُد تمتلك مستوى النفوذ نفسه الذي يجري تداوله إعلامياً، بعد تراجع حيازاتها من السندات الأميركية خلال الأعوام الأخيرة لتصبح في المرتبة الثالثة عالمياً.

هل باتت أميركا رهينة دائنيها؟

يثير التصاعد المتسارع للدين الأميركي مخاوف متزايدة داخل الأوساط الاقتصادية والمالية الدولية، في ظل استمرار اتساع الفجوة بين معدلات النمو الاقتصادي وحجم الاقتراض الحكومي. وخلال العقدين الماضيين، ارتفع الدين الفيدرالي الأميركي بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعاً بتراكم تداعيات الحرب والأزمة المالية العالمية، ثم الإنفاق الضخم المرتبط بجائحة "كوفيد-19"، إضافة إلى الارتفاع المتواصل في كلفة خدمة الدين.

وكشف ديوان المحاسبة الحكومي الأميركي (GAO) ضمن تقرير صدر مطلع العام الحالي عن أن مدفوعات الفائدة على الدين الفيدرالي بلغت نحو 1.2 تريليون دولار خلال السنة المالية 2025، متجاوزة الإنفاق على عدد من القطاعات الرئيسة، مع تضاعف قيمة هذه المدفوعات مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاثة أعوام فقط. وفي السياق ذاته، حذرت صحيفة "فايننشال تايمز" من أن استمرار تصاعد الدين والعجز المالي قد يضعف تدريجاً ثقة المستثمرين الدوليين بسندات الخزانة الأميركية باعتبارها الملاذ الآمن الأبرز عالمياً، مشيرة إلى تراجع الطلب الأجنبي في بعض مزادات السندات الأخيرة.

وعلى رغم احتفاظ الولايات المتحدة بمكانتها كأكبر اقتصاد في العالم، بناتج محلي إجمالي يتجاوز 29 تريليون دولار وفق بيانات البنك الدولي، فإن تسارع نمو الدين بوتيرة تفوق النمو الاقتصادي يفرض ضغوطاً متزايدة على استدامة المالية العامة الأميركية خلال الأعوام المقبلة.

وفي هذا السياق، يرى أنيس أن الدين الأميركي يمثل "الخطر الهيكلي الأكبر" ليس فقط على الاقتصاد الأميركي، بل على النظام المالي العالمي ككل، موضحاً أن ارتفاع الدين من مستويات تقارب 40 في المئة من الناتج بعد الحرب العالمية الثانية إلى أكثر من 100 في المئة اليوم يعكس تحولاً جذرياً في بنية المالية العامة الأميركية.

ويضيف أن استمرار هذا المسار يثير مخاوف لدى الدول الحاملة للدولار كاحتياط، لكنه في الوقت نفسه لا يعني انهياراً وشيكاً، بقدر ما يعكس اختلالاً طويل الأمد بين حجم الاقتراض وحجم الإنتاج.

هل تستطيع الصين إسقاط الاقتصاد الأميركي؟

يتصدر النقاشات الاقتصادية سؤال متكرر، ماذا لو قررت الصين تصفية حيازتها من السندات الأميركية دفعة واحدة؟

نظرياً، من المحتمل أن يُفضي ضخ كميات ضخمة من هذه السندات في السوق إلى اضطراب حاد في الأسواق المالية وارتفاع في أسعار الفائدة وتراجع في قيمة الدولار، غير أن وكالة "بلومبيرغ" رصدت ضمن تحليل نشرته عام 2025 أن هذا السيناريو يظل مستبعداً من الناحية العملية لأن الصين ستكون أول المتضررين من انهيار قيمة أصولها الدولارية.

ولهذا، تسير الصين في مسار أكثر رصانة قائم على التراجع التدريجي لا المواجهة المكشوفة، إذ شرعت منذ أعوام في خفض حيازتها من السندات الأميركية مقابل توسيع احتياطاتها من الذهب، وتعزيز مكانة اليوان في التسويات التجارية الدولية.

وكشفت بيانات مجلس الذهب العالمي عن أن الصين أنهت عام 2025 باحتياط ذهبي بلغ 2306 أطنان، بعدما واصل بنك الشعب الصيني شراء الذهب طوال 14 شهراً متتالياً من دون انقطاع في رسالة واضحة الدلالة حول توجهها نحو التحرر التدريجي من هيمنة الدولار.

ويؤكد أنيس أن الحديث عن استخدام الصين لسلاح بيع السندات بصورة مفاجئة هو طرح غير واقعي اقتصادياً، لأن بكين ستكون أول المتضررين من انهيار قيمة الأصول الدولارية. لذلك تميل الصين، بحسب وصفه إلى "إعادة تموضع تدريجي عبر تقليل الحيازات وزيادة الذهب وتعزيز استخدام اليوان".

معركة الهيمنة على الاقتصاد العالمي

لم يعُد الملف مجرد قضية ديون أو استثمارات، بل تحول إلى جزء لا يتجزأ من صراع أعمق على قيادة النظام الاقتصادي العالمي، فالولايات المتحدة تستند إلى هيمنة الدولار بوصفه عملة الاحتياط الأولى في العالم، وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2025، يشكل الدولار 57.8 في المئة من إجمال الاحتياطات الدولية، مما يمنح واشنطن نفوذاً اقتصادياً وسياسياً استثنائياً.

في المقابل، تسعى الصين إلى تأسيس نظام مالي متعدد الأقطاب عبر توسيع نطاق اليوان دولياً وبناء تحالفات اقتصادية جديدة في إطار مجموعة "بريكس" وتشجيع التجارة بالعملات المحلية بمعزل عن الدولار.

ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، باتت الأسواق الدولية تُعامل العلاقة بين بكين وواشنطن باعتبارها المتغير الأكثر تأثيراً في مستقبل الاقتصاد العالمي على مدى العقود المقبلة.

ما الذي يترقبه المستثمرون؟

تبقى العلاقة المالية بين واشنطن وبكين على حافة التوازن الهش، إذ إن أي قرار صيني بتسريع خفض حيازاتها من السندات الأميركية، أو أي تصعيد أميركي جديد في ملف الرسوم الجمركية، كفيل بإحداث موجات صدمة في الأسواق العالمية. وبينما يواصل مكتب إدارة الديون الأميركي إصدار سنداته بوتيرة متصاعدة، ويواصل بنك الشعب الصيني رفع احتياطاته الذهبية بهدوء، يبدو أن الطرفين يستعدان لمرحلة مختلفة من دون أن يُعلن عنها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يخلص المحلل الاقتصادي محمد أنيس إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين دخلت مرحلة "صراع طويل الأمد" أكثر من أنها علاقة تعاون أو خصومة موقتة، مشيراً إلى أن ملامح النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود المقبلة ستتحدد بناء على نتائج هذا التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم.

ورجح أن تمتد هذه المرحلة حتى العقدين المقبلين، مع بقاء السيناريوهات مفتوحة بين نجاح الصين في ترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية عالمية مستقلة، أو تمكن الولايات المتحدة من احتواء هذا الصعود، مما قد يعيد رسم موازين القوى في الاقتصاد العالمي بصورة جذرية.