ماذا يقول التاريخ عن العداء الأوروبي لبوتين؟ "الترويكا" تبحث في تراث ماكيافيللي عما يقيلها من عثراتها: "إذا أردت البحث عما يصرف أنظار شعبك فعليك بالبحث عن عدو وهمي"

سامي عمارة

يونيو 13, 2026 - 18:20
ماذا يقول التاريخ عن العداء الأوروبي لبوتين؟  "الترويكا" تبحث في تراث ماكيافيللي عما يقيلها من عثراتها: "إذا أردت البحث عما يصرف أنظار شعبك فعليك بالبحث عن عدو وهمي"

تشهد القارة الأوروبية خلال الفترة القصيرة الماضية سلسلة من الأحداث والتطورات المتسارعة التي ثمة من يقول إنها قد تنال من المشهد الجيوسياسي الحالي في القارة الأوروبية، فزعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا "الترويكا الأوروبية"، وبالإنابة عما يسمى بـ"تحالف الراغبين" الذي يضم بين صفوفه زعماء ما يقرب من 25 دولة أوروبية، يعقدون ما هو أشبه بـ"مجلس الحرب" بمشاركة الرئيس الأوكراني، لبحث ما يسمونه "تهديدات روسيا لأمن الدول الأوروبية"، و"احتمالات تكرار ما تقوم به في أوكرانيا"، مع كثير من الدول الأخرى المجاورة، ومنها بلدان البلطيق وبولندا.

بعض من التاريخ

لا يتوقف الرئيس فلاديمير بوتين عن انتقاداته لنظرائه من رؤساء بلدان الاتحاد الأوروبي بسبب إذكائهم لنار الحرب، وما يمارسونه من سياسات، يبررونها بمخاوفهم من هجوم روسي، ثمة من يقول إن روسيا تضمر تنفيذه مع حلول عام 2030.

وكان بوتين استهل سنوات حكمه في عام 2000 بسؤال نظيره الأميركي بيل كلينتون حول رأيه في انضمام روسيا إلى حلف "الناتو"، وهو ما رد عليه كلينتون بعد برهة من الوقت، برفض مثل هذه الفكرة "شكلاً ومضموناً". ولم يمض من الوقت الكثير، حتى عاد بوتين لمحاولة إقناع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن بالتراجع عن قرار الخروج من معاهدة الأنظمة المضادة للصواريخ الذي أعلنه في ديسمبر (كانون الأول) 2001، من دون نتيجة تذكر. وذلك ما كان "المقدمة المناسبة"، للخطاب التاريخي الأشهر الذي ألقاه بوتين في مؤتمر الأمن الأوروبي بميونيخ في فبراير (شباط) 2007، وشكل نقطة محورية في علاقات روسيا وحلف "الناتو"، بما تضمنه من إعلان حول رفض روسيا لعالم القطب الواحد، ودعوتها إلى بناء عالم متعدد الأقطاب، فضلاً عن تحذيراتها من توسع حلف "الناتو".

وقد اعتبر كثيرون من رجال السياسة وصانعي القرار في أبرز البلدان الغربية ذلك الخطاب "إعلاناً رسمياً من جانب روسيا ينذر باستعادة القوة والقدرة اللازمتين لتحدي الأنظمة الغربية، وتحديد الخطوط الحمراء للأمن القومي الروسي"، وهو ما تناولته "اندبندنت عربية" في عدد من تقاريرها من موسكو.

وعلى رغم ما كان يبدو آنذاك، وكأن بوتين ينتهج سياسات هي أقرب إلى رد الفعل، فقد أكدت السنوات الـ14 الأولى، ما هو على النقيض من ذلك. فما إن وقع الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في فبراير (شباط) 2014، على رغم موافقته على إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة وتوقيعه على الاتفاق مع ممثلي "الثورة البرتقالية"، تحت رعاية وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا، وما أعقب ذلك من إعلان مناطق جنوب شرقي أوكرانيا الانفصال من جانب واحد، وإجراء سكان شبه جزيرة القرم للاستفتاء حول الانضمام إلى روسيا، حتى اتخذ بوتين قراره في مارس (آذار) 2014، بضم القرم إلى "الوطن الأم"، بما يمكن أن يعني صدقية ما سبق وقاله هنري كيسينجر حول "الإيمان الصوفي لبوتين بالتاريخ"، وما أكده الرئيس الروسي في ذكرى ميلاد بطرس الأعظم مؤسس روسيا الحديثة، بقوله "إنه يحذو خطى بطرس الأعظم"، في إشارة إلى ما بذله من جهود للم شمل الإمبراطورية الروسية. ولمزيد من الإيضاح قال بوتين إنه "لا يتطاول على أراضي الغير، بل يستعيد ما فقدته روسيا من أراض".

ونذكر في هذا الصدد أن بوتين استند في قراره حول ضم القرم إلى نتيجة استفتاء شعبي حول الانضمام إلى روسيا، شارك فيه سكان شبه الجزيرة التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي. وكان الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف نقل تبعيتها الإدارية من روسيا الاتحادية إلى أوكرانيا في عام 1954، وكانت ضمن أراضي الإمبراطورية الروسية إبان سنوات حكم يكاترينا الثانية، بعد هزيمة العثمانيين في حرب القرم الثانية (1768-1774).

وطال الصبر لأكثر مما ينبغي

نمضي مع التاريخ لنقول إن بوتين أقدم على مثل هذه الخطوة بعد "صبر دام 14 عاماً"، ولم يكن ليفعل ذلك بحسب اعتقادنا، إلا تفادياً لمستقبل "مظلم" كادت معه أوكرانيا تتنازل عن "القرم" لصالح حلف "الناتو" الذي ابتلع خلال سنوات معدودات كل بلدان شرق أوروبا، بما فيها بلدان البلطيق الثلاث التي أعلنت انفصالها عن الاتحاد السوفياتي قبل انهياره في ديسمبر (كانون الأول) 1991. وذلك بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في فبراير 2014، وما أعقب ذلك من إعلان "مقاطعتي" لوغانسك ودونيتسك انفصالهما من جانب واحد عن أوكرانيا.

وتفادياً للانجرار إلى مواجهات مباشرة مع الجانب الأوكراني، ومن دون الاعتراف باستقلال "المقاطعتين"، لمدة تقترب من ثماني سنوات أخرى، حاول بوتين التوصل إلى حلول سلمية تكفل له الحفاظ على مصالح بلاده وحمايتها من مخططات توسع "حلف الناتو". وذلك ما أودعه في رسالتين بعث بهما في ديسمبر عام 2021 إلى كل من الإدارة الأميركية حينها، وحلف "الناتو"، أوجز فيهما مخاوفه من توسع الحلف، وما يطلبه للحفاظ على مصالح روسيا وأمنها القومي، ولم يصل إليه رد أي من الجهتين.

ومع مطلع عام 2022 عكف بوتين على دراسة السبل التي يمكنه من خلالها الاستجابة لمطالب مواطني "الجمهوريتين" اللتين انفصلتا عن أوكرانيا، حول حمايتهم من محاولات لجوء الجانب الأوكراني إلى القوة المسلحة لاستعادتهما، ليتوصل لاحقاً إلى "اتفاقات مينسك" في عامي 2014 و2015، مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، وفي حضور الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو، وهي الاتفاقات التي لم ينفذها الجانب الأوكراني لمدة ثماني سنوات كاملة، التي اعترفت ميركل في مذكراتها التي نشرتها بعد تخليها عن منصبها بأنها لم تكن تستهدف سوى "توفير المساحة الزمنية اللازمة لإعداد وتسليح الجيش الأوكراني لإعادة أراضي جنوب شرقي أوكرانيا بالقوة المسلحة"، وهو ما أكده كذلك الرئيس الفرنسي السابق هولاند.

وما إن عادت القوات الأوكرانية لمحاولات استعادة "الجمهوريتين" بالقوة المسلحة، حتى اضطر بوتين إلى "الاستجابة" لطلب سكانهما من الناطقين باللغة الروسية، والدفع بقواته إلى هذه المناطق، مما فتح الأبواب "على كل مصاريعها"، لكل ما دار ويدور من معارك ضارية مع الجانب الأوكراني ومن يدعمه من حلف "الناتو" والولايات المتحدة الأميركية، منذ فبراير 2022 حتى اليوم.

وكان الجانب الروسي قد توصل إلى اتفاق حول وقف الحرب مع الجانب الأوكراني بعد بدايتها بأسبوع واحد، في إسطنبول تحت رعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلا أن الرئيس الأوكراني زيلينسكي عاد ورفض ما توصلت إليه محادثات السلام في إسطنبول، بإيعاز من رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، وهو ما أشارت إليه "اندبندنت عربية" في ما نشرته من تقارير سابقة.

وعبثاً حاولت روسيا إقناع الجانب الأوكراني بالعودة عن مثل هذا الموقف لمدة ستة أشهر أخرى، وهو ما اضطرت معه إلى قبول طلب هاتين "الجمهوريتين" حول الانضمام إلى روسيا في سبتمبر (أيلول) 2022، وما كان بداية لجولات تالية من التصعيد المسلح للأزمة، وانخراط أطراف أخرى من بلدان الاتحاد الأوروبي، ومعها الولايات المتحدة طوال سنوات حكم الرئيس الأميركي السابق جو بايدن.

زيلينسكي و"الترويكا الأوروبية"

استبقت "الترويكا الأوروبية" اجتماعاتها مع الرئيس الاوكراني زيلينسكي في لندن، بزيارتها للعاصمة الأرمينية يريفان للمشاركة في قمة رؤساء المجموعة السياسية الأوروبية، في إشارة مباشرة إلى أنها عقدت العزم على إعادة حساباتها وتنظيم صفوفها لمواجهة ما يبدد مخاوفها تجاه ما يقال حول "هجوم من جانب روسيا" تضمر تنفيذه مع حلول عام 2030. وذلك في الوقت نفسه الذي يتزايد فيه قلق البلدان الأوروبية من أن الحرب في أوكرانيا قد تمتد لتشمل دولاً أوروبية أخرى، خصوصاً في منطقة البلطيق وشمال أوروبا. وكان الرئيس البولندي السابق أندريه دودا حذر من أن روسيا قد تهاجم دولة من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عامي 2026 أو 2027، قبل أن تتلقف الراية كايا كالاس رئيسة وزراء أستونيا السابقة والمفوضة الحالية للشؤون السياسية للاتحاد الأوروبي، التي تمضي بعيداً في عدائها المفرط لكل ما يمت إلى الماضي السوفياتي بأية صلة.

وها هو زيلينسكي يدلي بكثير من الأحاديث والتصريحات "فخراً"، بما بعث به إلى الرئيس بوتين من "رسالة مفتوحة"، يعرض فيها لقاءه لبحث وقف الحرب. وقد نشرت صحيفة L'AntiDiplomatico الإيطالية صورة من هذه الرسالة مرفقة بتعليق قالت فيه "إنها كتبت لإطالة أمد الصراع، بتحريض من جانب بروكسل". وأضافت الصحيفة الإيطالية أن "رئيس نظام كييف كشف في هذه الرسالة عن مجموعة من الكليشيهات الدعائية الممزوجة بوقاحة سافرة، عن أعمق مخاوفه"، بحسب ما جاء في تعليق الصحيفة.

وبغض النظر عما صدر من تعليقات حول هذه الرسالة التي وصفها بوتين بأنها "مفعمة بكثير من الوقاحة"، نشير إلى أنها لم تكن تستهدف البحث عن السلام، بقدر ما كانت محاولة لإفساد أجواء "العرس" الذي يحرص بوتين على إقامته كل عام في سان بطرسبورغ منذ تولي سدة القيادة في الكرملين، وصرف الأنظار عن كثير من الحقائق حول ما يجري في أوكرانيا وما حولها.

"الترويكا" ومشكلات الداخل

لم يعد سراً ما تكابده كبريات البلدان الأوروبية، ومنها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من أزمات هيكلية وسياسية داخلية متزامنة، تشمل ما يسمى بـ"الشلل التشريعي في فرنسا، وتصاعد اليمين المتطرف وأزمة الهجرة في ألمانيا، والتوترات الاجتماعية وتشديد سياسات اللجوء في بريطانيا". ولعل ما تشهده باريس وكبريات المدن الفرنسية من تظاهرات واحتجاجات واضطرابات تبدو انعكاساً لما تمر به فرنسا من أزمات وعجز سياسي واقتصادي، وذلك ما قد يكون وراء "هرب" الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى "محاولات صرف أنظار الداخل عما تمر به بلاده من أزمات وما يعصف بها من تظاهرات واضطرابات، فضلاً عما يحتدم من صراعات بين تيار الوسط الحاكم والمعارضة"، على حد تعبير مراقبين كثر.

أما عما تواجهه ألمانيا من "توترات داخلية بسبب قضايا الهجرة، ومشكلات التقاعد، وتصاعد شعبية الأحزاب اليمينية"، فثمة من يقول إنها يمكن أن تكون تفسيراً لتراجع شعبية المستشار الألماني فريدريش ميرتس وحكومته بصورة غير مسبوقة، لتصل مستويات السخط الشعبي إلى نحو 80 في المئة، وفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة.

ولعل ذلك يمكن أن يكون تفسيراً لما يتسم به المشهد السياسي والاقتصادي من تعقيدات، وما يبذله ميرتس من محاولات لصرف أنظار الداخل، على غرار ما يواجهه نظراؤه من السياسيين الأوروبيين، ومنهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي تصطدم حكومته بكثير من التحديات الداخلية والتهديدات الأمنية، فضلاً عن أزمات الموازنة والهجرة والتضخم، وهو ما يقف أيضاً وراء انخفاض شعبيته وتزايد احتمالات رحيله عن منصبه.

أما عن موقف الرئيس الأوكراني فتقول المصادر الروسية، وغير الروسية أيضاً، إن ما يمر به زيلينسكي من أزمات ومنها مشكلة الفساد واختلاس الأموال التي أطاحت بعدد من أقرب مساعديه، يقف وراء تمسكه بالبقاء على رأس السلطة في أوكرانيا، من دون سند شرعي بعد انتهاء ولايته الدستورية منذ مايو (أيار) 2024. 

الغاية تبرر الوسيلة

أما عما تنشده "الترويكا" ومعها زيلينسكي من أهداف، فإن هناك من المؤشرات التي تقف وراء محاولاتهم تأجيج الخلافات حول تسوية الأزمة الأوكرانية، ورفض وقف الحرب التي دخلت عامها الخامس على التوالي بين روسيا وأوكرانيا ومن يقف وراءها من الدول الغربية. ومن هذه المؤشرات تقف المتاعب الداخلية التي يئن تحت وطأتها هؤلاء الزعماء، ممن تتسق تصرفاتهم وسلوكياتهم مع ما جاء في كتاب "الأمير" لنيكولا ماكيافيللي من أقوال مأثورة، منها أنه "إذا أردت البحث عما يصرف أنظار شعبك، فعليك بالبحث عن عدو وهمي تعلن عليه الحرب"، و"الغاية تبرر الوسيلة".

وفي هذا الصدد ثمة من يحاول الترويج لما يقوله عدد من القادة السياسيين والعسكريين في الولايات المتحدة وأوروبا حول أنه "إذا حققت روسيا أهدافها في أوكرانيا، فلن تتوقف عند هذا الحد". وذلك وفق ما يعتقدون، حول احتمالات تعرض دول البلطيق، وهي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، ومعها بولندا ودول أخرى في أوروبا الشرقية، للهجوم.

وها هم زعماء كبريات الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا وفرنسا اللتان سبق وتجاهل ممثلوهما ما جرى توقيعه من "اتفاقات مينسك"، وذلك فضلاً عما نشهده من تجاهل وتنديد بمعظم المعاهدات الثنائية التي تنظم الحد من الأسلحة التقليدية والنووية في أوروبا، وما يجرى من حملات إعلامية تستهدف تقويض الثقة ودحض الحقائق، وما تعتبره القيادة الروسية "اتهامات استفزازية"، استناداً إلى ما يدحضه الواقع انطلاقاً من أن توسع "الناتو" شرقاً يشكل تهديداً لأمنها القومي. وهو ما أكدته مصادر الكرملين في أكثر من مناسبة بقولها إن روسيا لا تنوي مهاجمة دول الحلف، ولكنها مضطرة إلى اتخاذ تدابير مضادة لتعزيز البنية التحتية العسكرية على حدودها، وذلك فضلاً عما سبق وأعلنه بوتين من أسباب "العملية العسكرية الخاصة"، في أوكرانيا في فبراير 2022.