بعد انزياح رماد الحرب نيجيرفان بارزاني مدير ازمة
د هوشيار مظفر علي امين
(1)
منذ أكثر من عقدين، لم يعد موقع إقليم كردستان في المعادلة العراقية مجرد قضية داخلية تتعلق بتقاسم السلطات أو توزيع الثروات، بل أصبح جزءا من معادلة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. فالحروب المتلاحقة، وتبدل موازين القوى، واتساع دائرة الصراع بين الولايات المتحدة ومعها اسرائيل وإيران، وضعت الإقليم خاصة والعراق الاتحادي عامة ،أمام اختبارات تتجاوز قدراته العسكرية والجغرافية، لتصبح الدبلوماسية وإدارة التوازنات الوسيلة الأساسية للحفاظ على الاستقرار.
في هذا السياق، برز دور رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بوصفه أحد أكثر الفاعلين العراقيين قدرة على إدارة التوازنات المعقدة، ليس لأنه يمتلك أدوات القوة التقليدية، فحسب وان كان بمتلكها بموقعه في كوردستان، وإنما لأنه أدرك مبكرا أن الجغرافيا الكوردستانية تجعل الإقليم في قلب الصراع، وأن البقاء خارج الحرب يتطلب حضورا سياسيا أكبر من مجرد إعلان الحياد وهو ما حصل في حرب الاثني عسر يوما والحرب التي يجري التفاوض عليها اليوم( او يراد) في سويسرا بعد الوساطة الباكستانية.
فالحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من تصعيد عسكري متبادل، شمل الاقليم قصفا وتخوينا، أعادت إنتاج بيئة أمنية مختلفة في المنطقة. فإيران لم تعد تنظر إلى العراق باعتباره ساحة نفوذ فقط، بل باعتباره أيضا ممرا للضغوط العسكرية والسياسية، وبضمنه كوردستان المستقرة، فيما عززت الولايات المتحدة انتشارها وتحركاتها الدفاعية لحماية مصالحها وقواعدها.
وبين هذين المسارين وجد إقليم كوردستان نفسه في موقع بالغ الحساسية، فهو يحتفظ بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، ويرتبط في الوقت نفسه بجوار جغرافي واقتصادي وسياسي مع إيران، الأمر الذي جعل أي خطأ في الحسابات كفيلا بتحويله إلى ساحة مواجهة مباشرة وهو ما احسن ادارته نيجيرفان بارزاني امس واليوم.
والقصف الذي تعرضت له مناطق في الإقليم بالطائرات المسيرة والصواريخ، سواء بصورة مباشرة أو عبر تداعيات المواجهة الإقليمية، لم يكن مجرد رسائل أمنية، بل حمل أبعادا سياسية واضحة، مفادها أن أي توتر بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات على الجغرافيا العراقية، وكوردستان، وأن كوردستان ستكون من أكثر المناطق تعرضا للضغوط بحكم موقعها وعلاقاتها الدولية الخاصة والعامة.
لكن اللافت أن نيجيرفان بارزاني لم يتعامل مع هذه الهجمات بمنطق التصعيد السياسي أو الرد الإعلامي، بل اعتمد مقاربة مختلفة تقوم على الفصل بين الاعتداءات الأمنية وإدارة العلاقات السياسية. فبدلا من الانتقال إلى خطاب المواجهة، ركز على تثبيت معادلة مفادها أن أمن الإقليم لا يتحقق عبر الانضمام إلى أي محور، وإنما عبر منع استخدام أراضيه في الصراعات الإقليمية، والحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف.
وهو ما اكده للحكومة العراقية السابقة والحالية، وهذه المقاربة برزت بوضوح خلال اتصالاته مع المسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمتهم وزير الخارجية عباس عراقجي، حيث أكد بصورة مباشرة أن إقليم كوردستان لن يكون جزءا من أي مواجهة عسكرية ضد إيران، ولن يسمح باستخدام أراضيه للإضرار بأمنها، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة احترام سيادة الإقليم ووقف أي اعتداء يستهدف أراضيه أو بنيته التحتية. وبهذا الموقف استطاع نيجيرفان بارزاني نقل العلاقة مع طهران من دائرة المواجهة إلى دائرة اعادة المصالح المشتركة والاستقرار الحدودي.
في المقابل، لم يؤد هذا الانفتاح إلى إضعاف الشراكة مع الولايات المتحدة، بل حافظ الإقليم على علاقاته الاستراتيجية مع واشنطن باعتبارها الضامن الأبرز لاستمرار الحرب على الإرهاب، والداعم الرئيس لاستقرار الإقليم اقتصاديا وأمنيا.
(2)
تكمن خصوصية السياسة التي انتهجها نيجيرفان، في وسطية الواقعية السياسية لنيجيرفان ، إذ لم يقدم نفسه وسيطا بين الطرفين، وإنما حافظ على شبكة علاقات متوازنة تمنع انتقال الصراع إلى الداخل العراقي وهو ما جعله محط اهتمام ترامب خصيصا.
وتزداد أهمية هذا النهج مع استئناف المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، في سويسرا واعادة فتح هرمز، إذ يدرك نيجيرفان بارزاني أن أي اتفاق محتمل لن يقتصر أثره على الملف النووي، بل سيمتد إلى ملفات النفوذ الإقليمي، والطاقة، والعراق، وأمن الخليج. لذلك يمكن قراءة تحركاته الأخيرة باعتبارها محاولة لتثبيت موقع إقليم كوردستان داخل أي ترتيبات إقليمية قادمة، بحيث يبقى الإقليم جزءا من منظومة الاستقرار، لا ورقة تفاوض بين القوى الكبرى.
ونلاحظ أن المفاوضات الجارية تحمل بعدا اقتصاديا لا يقل أهمية عن بعدها الأمني. فكل تقدم في خفض التصعيد ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة، وفتح هرمز، وعلى مشاريع الاستثمار، وعلى فرص استئناف تصدير النفط عبر الإقليم، وهو ما يجعل مصلحة الاقليم مرتبطة بإنجاح المسار الدبلوماسي أكثر من ارتباطها بأي مكسب عسكري مؤقت.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن نيجيرفان بارزاني كونه قائد صراع بموازاة كونه مدير ازمة، يدرك أن طبيعة الصراع الأميركي الإيراني لا تقوم على الحسم العسكري الكامل، وإنما على إدارة الضغوط المتبادلة وتحسين المواقع التفاوضية. لذلك فإن انحياز الإقليم إلى أحد الطرفين سيؤدي إلى خسارة علاقته بالطرف الآخر، بينما يمنحه الحياد الإيجابي فرصة للحفاظ على مصالحه مع الجميع وهو ما طبقه نيجيرفان.
إن إدارة الأزمات لا تعتمد فقط على القدرات العسكرية، بل على القدرة في قراءة التحولات قبل وقوعها، فمنذ بداية التصعيد، سعى رئيس الإقليم إلى تكثيف اتصالاته الإقليمية والدولية، وتأكيد دعم الحلول السياسية، والعمل على منع تحول كوردستان إلى منصة لتبادل الرسائل العسكرية. وهذه السياسة أسهمت في الحد من تداعيات الأزمة على الاقليم رغم استمرار التهديدات الأمنية.
كما و عمل على تعزيز التنسيق مع الحكومة الاتحادية في بغداد، لأن مواجهة التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب تتطلب موقفا عراقيا أكثر تماسكا، خصوصا في ملفات تصدير النفط، وأمن الحدود، وحماية المنشآت الحيوية.
والملاحظ أن التقارب بين بغداد وأربيل في هذه المرحلة لم يعد خيارا سياسيا فحسب، بل أصبح ضرورة فرضتها البيئة الإقليمية الجديدة ورئاسة السيد علي الزيدي للوزراء وقبوله العام.
موقف نيجيرفان بارزاني من الحرب الأميركية الإيرانية في قراءته تحليليا واستشرافيا لا ينبغي أن تقتصر على غبار ما بعد يوم التفاوض، بل يجب النظر إليها ضمن استراتيجية أشمل تقوم على إدارة المخاطر، والحفاظ على شبكة العلاقات الدولية، ومنع استنزاف الإقليم في صراعات لا يملك قرار إشعالها ولا قرار إنهائها وهي واقعية سياسية انتهجها نيجيرفان.
إن سياسة التوازن التي انتهجها نيجيرفان لم تكن تعبيرا عن الحياد السلبي، وإنما عن واقعية استراتيجية تستند إلى إدراك عميق لطبيعة النظام الإقليمي الجديد، حيث أصبحت الدول والأقاليم التي تنجح في تجنب الاستقطاب أكثر قدرة على حماية مصالحها من تلك التي تنخرط في صراعات المحاور.
اليوم تبدو كوردستان أمام مرحلة مفصلية. فإذا نجحت المفاوضات الأميركية الإيرانية في إنتاج تفاهمات جديدة، فإن الإقليم سيكون أحد المستفيدين من عودة الاستقرار، سواء في مجال الطاقة أو الاستثمار أو إعادة تنشيط دوره الاقتصادي، أما إذا انهارت تلك المفاوضات واتجهت المنطقة نحو تصعيد أوسع، فإن التحدي الأكبر سيكون الحفاظ على المعادلة التي نجح نيجيرفان بارزاني في ترسيخها حتى الآن، وهي أن يبقى الإقليم خارج الحرب، رغم وجوده في قلب جغرافيتها الادارية والقيادية من الاطراف كافة.
التجربة التي يقودها نيجيرفان بارزاني لم تعد مجرد إدارة لسياسة إقليمية، بل أصبحت نموذجا في كيفية توظيف الدبلوماسية والواقعية السياسية لحماية كيان سياسي مهم يقع بين قوى كبرى متصارعة، وفي شرق أوسط يعاد تشكيله بالقوة العسكرية وبالمفاوضات في آن واحد، وتبدو القدرة على صناعة التوازنات أكثر أهمية من امتلاك أدوات الصدام، وهو ما يفسر استمرار نجيرفان في العمل على الحفاظ على استقرار كوردستان رغم أنه كان أحد أكثر المناطق تعرضا لضغوط الحرب وتداعياتها.
نيجيرفان بارزاني مدير ازمة من الطراز الاول في نار الحرب وفي رمادها وفي خفوتها.
::::
::::