نيجيرفان بارزاني في دمشق، خطوة في السياسة الواقعية المؤثرة.
د هوشيار مظفر علي امين
(1)
"بعد سنوات طويلة من المعاناة، تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للتعافي وإعادة البناء والازدهار”
نيجيرفان بارزاني من دمشق
::::
::::
لم تكن زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق مجرد لقاء بروتوكولي بين مسؤولين في دولتين جارتين، بل جاءت في لحظة سياسية دقيقة تمر بها المنطقة بأسرها، وفي توقيت تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة بناء جسور الثقة والتعاون بعد سنوات طويلة من الأزمات والصراعات. فالمنطقة تقف أمام تحولات كبيرة، ولم يعد ممكنا التعامل مع تحدياتها بمنطق القطيعة أو إدارة الأزمات المؤقتة، وإنما بات الحوار المباشر والتفاهم السياسي السبيل الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار.
وقد عكست الحفاوة التي استقبل بها الرئيس السوري أحمد الشرع رئيس إقليم كوردستان بحفاوة أهمية هذه الزيارة، وما تحمله من رسائل سياسية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتؤكد أن دمشق تنظر إلى إقليم كوردستان باعتباره شريكا مهما في بناء علاقات متوازنة مع العراق، وفي دعم الاستقرار الإقليمي الذي تحتاج إليه جميع دول المنطقة دون استثناء.
ومن اللافت أن نيجيرفان بارزاني اختار بعد لقائه الرئيس السوري أن يحدد بوضوح طبيعة الرؤية التي يحملها تجاه سوريا الجديدة، عندما قال إن سوريا، “بعد سنوات طويلة من المعاناة، تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للتعافي وإعادة البناء والازدهار”. وهذه العبارة لا تمثل مجرد توصيف سياسي، وإنما تعبر عن قراءة واقعية لما وصلت إليه البلاد بعد سنوات الحرب، إذ لم يعد الحديث يقتصر على إنهاء الصراع، بل أصبح التركيز منصبا على إعادة بناء الدولة ومؤسساتها واقتصادها واستعادة دورها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي.
كما أظهر رئيس إقليم كوردستان قدرا كبيرا من الثقة بالمستقبل عندما أكد ثقته برؤية الرئيس أحمد الشرع، معربا عن إيمانه بقدرة سوريا، في ظل قيادته، على المضي نحو مزيد من الاستقرار والازدهار، وبناء مستقبل أكثر إشراقا لجميع أبنائها. وتحمل هذه الكلمات دلالات سياسية مهمة، لأنها تشير إلى دعم واضح لمسار الاستقرار في سوريا، وإلى الرغبة في أن تكون المرحلة المقبلة مختلفة عن سنوات الصراع والانقسام.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو تأكيد نيجيرفان بارزاني أن إقليم كوردستان يدعم “سوريا مستقرة وموحدة تصان فيها حقوق جميع المكونات القومية والدينية”. فهذا الموقف يجمع بين الحفاظ على وحدة الدولة السورية من جهة، وبين التأكيد على ضرورة حماية التنوع القومي والديني الذي يمثل أحد أهم عناصر قوة المجتمع السوري من جهة أخرى. فالدول المستقرة لا تقوم على إقصاء مكون أو تهميشه، وإنما تبنى على المشاركة والاعتراف المتبادل والعدالة في الحقوق والواجبات وفي ذلك دفاع من نيجيرفان عن كورد سوريا...
(2)
تبرز أهمية الزيارة في دعوة نيجيرفان أن تحظى المكونات السورية جميعها، وبضمنها الكرد السوريون، بضمانات دستورية وسياسية تكفل حقوقهم الثقافية والقومية والإدارية ضمن إطار الدولة السورية الموحدة. فالتجارب الحديثة أثبتت أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما يتحقق عندما يشعر جميع المواطنين بأنهم شركاء في وطنهم، وأن حقوقهم مصونة، وأن مستقبلهم لا يخضع لحسابات الأغلبية والأقلية، بل لمبدأ المواطنة المتساوية.
لقد كان موقف نيجيرفان بارزاني متوازنا عندما جمع بين الدفاع عن وحدة سوريا، وبين التأكيد على حقوق جميع مكوناتها، وهو خطاب يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر، لأنه يبتعد عن لغة الاصطفافات، ويركز على بناء الدولة الجامعة التي تستوعب الجميع دون استثناء.
كما حملت الزيارة بعدا إقليميا مهما، إذ أشار رئيس إقليم كوردستان إلى أن مباحثاته مع الرئيس السوري تناولت أيضا أهمية دور سوريا في تعزيز السلام والأمن والاستقرار في المنطقة. وهذه الإشارة تعكس إدراكا مشتركا بأن أمن المنطقة أصبح مترابطا بصورة غير مسبوقة، وأن استقرار أي دولة ينعكس بصورة مباشرة على جيرانها، سواء في ملفات الأمن أو الاقتصاد أو مكافحة الإرهاب أو إدارة الحدود أو حركة التجارة والطاقة.
ولا يمكن إغفال ما أكده نيجيرفان بارزاني بشأن العلاقات التي تجمع سوريا والعراق وإقليم كوردستان، عندما أشار إلى أن هذه الأطراف ترتبط بمصالح مشتركة بحكم الجوار، وأن هناك فرصا كبيرة لتوسيع التعاون الاقتصادي بما يحقق المنفعة المشتركة لشعوب الجانبين. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، ولذلك فإن حسن استثمارها يمثل أحد أهم عوامل التنمية والاستقرار.
(3)
إن العراق وسوريا عند نيجيرفان يمتلكان إمكانات اقتصادية وتجارية كبيرة إذا ما أعيد فتح قنوات التعاون بصورة كاملة، سواء في مجالات النقل أو التجارة أو الطاقة أو الاستثمار أو إعادة الإعمار. كما أن إقليم كوردستان يمتلك خبرات وتجارب اقتصادية وإدارية يمكن أن تسهم في تعزيز هذا التعاون، بما يحقق فوائد متبادلة لجميع الأطراف.
وتأتي هذه الزيارة من السيد نيجيرفان أيضا في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى بناء منظومة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة بدلا من الصراعات، وعلى الحوار بدلا من القطيعة، وعلى التنمية بدلا من استنزاف الموارد في النزاعات. وسط الحرب الامريكية الايرانية التي تقوم وتقعد صراعا ومفاوضات، ولذلك فإن أي خطوة تقرب بين بغداد ودمشق وأربيل تمثل مكسبا سياسيا واقتصاديا وأمنيا لجميع شعوب المنطقة.
ويريد نيجيرفان بواقعيته السياسية تفعيل قنوات التعاون السياسي، ثم توسيع التعاون الاقتصادي، وفتح الأسواق، وتشجيع الاستثمارات، وتطوير المعابر، وتعزيز التنسيق الأمني في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي لا تزال تشكل خطرا مشتركا على العراق وسوريا.
وهو يدعو لحوار سوري سوري ، حيث ان المرحلة المقبلة تستدعي حوارا سوريا داخليا يضمن مشاركة جميع القوى الوطنية والمكونات الاجتماعية في صياغة مستقبل البلاد، لأن الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا عبر عقد وطني جامع يشارك الجميع في بنائه. والكرد السوريون يمثلون جزءا أصيلا من المجتمع السوري، وإشراكهم بصورة عادلة في مستقبل الدولة سيكون عاملا مهما في تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ الاستقرار.
وفي المقابل، يستطيع العراق وكوردستان أن يؤديا دورا إيجابيا في دعم هذا المسار، بحكم علاقاتهما مع مختلف الأطراف، وبحكم ما يملكه الاقليم من خبرة في إدارة التنوع السياسي والقومي، رغم ما واجهه من تحديات خلال العقود الماضية. كما يستطيع إقليم كوردستان أن يكون جسرا للحوار والتفاهم، مستفيدا من علاقاته المتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية وفق استراتيجيات نيجيرفان بارزاني.
نيجيرفان بارزاني من موقعه العراقي والكردي في واقعيته السياسية، اهتماما خاصا بتعزيز العلاقات مع سوريا وأن تشمل المرحلة المقبلة زيارة رسمية للشرع إلى بغداد، بما يعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، ويفتح صفحة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني. كما أن زيارة أربيل من قبل الشرع بدعوة من نيجيرفان، ستكون خطوة ذات أهمية كبيرة، لأنها ستؤكد أن الحوار مع جميع الأطراف العراقية يمثل جزءا من رؤية شاملة لنيجيرفان لبناء علاقات مستقرة مع سوريا بكل مكوناتها ومؤسساتها.
لقد حملت زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق أكثر من رسالة في وقت واحد، فهي رسالة دعم لاستقرار سوريا ووحدتها، ورسالة تأكيد على حقوق جميع مكوناتها، ورسالة انفتاح نحو تعاون اقتصادي أوسع، ورسالة إيمان بأن الحوار هو الطريق الأقصر نحو السلام. وإذا ما أحسن استثمار هذه الرسائل، فإنها قد تكون بداية لمسار جديد يعيد للعلاقات بين العراق وسوريا وإقليم كوردستان حيويتها، ويمنح شعوب المنطقة أملا واقعيا في مستقبل أكثر استقرارا وتعاونا وازدهارا وهو ما يجسد واقعية نيجيرفان السياسية والقيادية.
::::