نيجيرفان بارزاني وزيارة سوريا الاولى. وسط الأكثر من الزيارة، والابعد من البروتوكول

اكرم طالب الوشاح وقاسم محسن شفيق الخزعلي وطالب كاظم سعداوي

أغسطس 3, 2026 - 18:37
أغسطس 3, 2026 - 18:40
نيجيرفان بارزاني وزيارة سوريا الاولى.  وسط الأكثر من الزيارة، والابعد من البروتوكول

    تكتسب زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق  ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لأنها تمثل أول محاولة جادة لإعادة رسم خطوط التوازن بين دمشق وأربيل وبغداد في مرحلة إقليمية مختلفة تماما عما سبقها.

الزيارة لم تكن مجاملة سياسية، بل كانت اختبارا لمرحلة جديدة. فسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب تبحث عن إعادة بناء علاقاتها الإقليمية، وإقليم كوردستان الذي حافظ طوال السنوات الماضية على سياسة الانفتاح والحوار، وجد أن اللحظة الحالية تفرض الانتقال من مراقبة المشهد السوري إلى المساهمة في صياغة استقراره، لذلك لم يكن مستغربا أن يصف نيجيرفان بارزاني سوريا بأنها “تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للتعافي وإعادة البناء والازدهار”، لأن هذا التوصيف لا يعكس تفاؤلا سياسيا فحسب، بل يعبر عن قناعة بأن المنطقة بأكملها لن تستقر ما لم تستعد سوريا عافيتها وسط الحروب والحصارات للمضايق اليوم في براكين الشرق الاوسط.

وفي مضمون الرسائل التي حملها رئيس إقليم كوردستان إلى دمشق. فقد جمع في موقف واحد بين دعم وحدة الدولة السورية، وبين التشديد على ضرورة صيانة حقوق جميع المكونات القومية والدينية. وبين تمثيله العراق قبل كوردستان، وهذه معادلة دقيقة افتقدتها المنطقة سنوات طويلة، إذ إن الدفاع عن وحدة الدولة لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق مكوناتها، كما أن المطالبة بحقوق المكونات لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لتفكيك الدول.

ان حديث نيجيرفان بارزاني عن حقوق جميع المكونات يحمل بعدا يتجاوز الصياغة الدبلوماسية، لأنه يتضمن رسالة واضحة بشأن الكرد السوريين، مفادها أن استقرار سوريا لن يكتمل إذا بقيت قضية أحد مكوناتها الأساسية خارج إطار الحل السياسي. فالكرد ليسوا ملفا أمنيا، ولا قضية طارئة فرضتها ظروف الحرب، بل هم جزء أصيل من النسيج السوري، وأي مشروع لبناء سوريا الجديدة سيكون أكثر رسوخا عندما يعترف بهذا الواقع ويترجمه إلى شراكة سياسية ودستورية حقيقية ومثل ذلك دعوته لسوريا تتجاوز ارث الماضي.

وقد بدا لافتا أن دمشق استقبلت هذا الخطاب بإيجابية، وهو ما يعكس استعدادا لفتح صفحة مختلفة مع إقليم كوردستان. فحفاوة الرئيس أحمد الشرع بالزيارة لا يمكن قراءتها باعتبارها بروتوكولا دبلوماسيا فقط، بل باعتبارها مؤشرا على رغبة سورية في توسيع دائرة الشركاء الإقليميين، والانفتاح على القوى التي تستطيع أن تسهم في دعم الاستقرار وإعادة الإعمار وخلق بيئة سياسية أكثر هدوءا.

وقد الزيارة قبل ذلك بعدا عراقيا واضحا. فعندما أكد نيجيرفان بارزاني أن العراق وسوريا وإقليم كوردستان تجمعها مصالح مشتركة بحكم الجوار، فإنه كان يعيد التذكير بحقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها، وهي أن أمن هذه الأطراف مترابط، وأن ازدهار أحدها ينعكس على الآخر. لذلك فإن أي تقارب بين دمشق وأربيل لن يكون على حساب بغداد، بل سيكون مكسبا لبغداد أيضا، لأن العراق يحتاج إلى حدود مستقرة، وتعاون اقتصادي، وتنسيق أمني، وشراكات إقليمية متوازنة وهو ما وجدناه في دعوة نيجبرفان للشرع لزيارة بغداد وكردستان.

المنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء شبكات المصالح، ولم يعد هناك مكان للسياسات التي تقوم على العزلة أو إدارة الأزمات بالقطيعة. ولذلك تبدو زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق واحدة من أهم المحطات السياسية العراقية والكردية في هذا التحول، لأنها أعادت التأكيد على أن الحوار أكثر جدوى من التوتر، وأن الحقوق يمكن أن تكون مدخلا للاستقرار لا سببا للصراع.

إن قيمة هذه الزيارة لا تقاس بما أعلن خلالها فقط، وإنما بما يمكن أن تؤسس له مستقبلا، سواء في ترسيخ العلاقة بين دمشق وأربيل، أو في تعزيز التعاون بين سوريا والعراق، أو في فتح أفق سياسي جديد أمام الكرد السوريين ضمن دولة سورية موحدة تحمي حقوق مواطنيها جميعا. وإذا نجحت الأطراف في تحويل هذه الرسائل إلى خطوات عملية، فإن زيارة نيجيرفان قد تسجل مستقبلا باعتبارها بداية مرحلة سياسية وجيوسياسية مختلفة في المشرق، تقوم على المصالح المشتركة، والحوار، والشراكة، وتبرز اهمية ادراك ان نيجيرفان بارزاني مدير ازمة وقائد صراع وعراقي عراقي قبل ان يكون كورديا.