نيجيرفان بارزاني في سوريا، العمل لأجل إدارة الأزمات
اكرم طالب الوشاح
لا تقاس أهمية الزيارات السياسية بما يعلن عنها في البيانات الرسمية، بل بما تحمله من رسائل وما يمكن أن تؤسس له من تحولات. ومن هذا المنطلق، تبدو زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق حدثا يتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لأنها جاءت في لحظة مفصلية من مسار الدولة السورية، حيث يبرز ملف العلاقة مع الكرد بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة إعادة بناء الدولة.
فالزيارة لم تكن زيارة مجاملة، ولم يذهب بارزاني إلى دمشق بصفته ممثلا لإقليم كردستان فحسب، بل بوصفه شخصية عراقية وكردية لعبت خلال الأشهر الماضية دورا مهما في تقريب وجهات النظر بين دمشق والقوى الكردية. وليس من قبيل المصادفة أن تكون أربيل محطة رئيسية للاتصالات التي سبقت الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، إذ تحولت إلى مساحة للحوار في وقت كانت احتمالات التصعيد أكبر من فرص التفاهم وهو ما تحقق بادارة نيجيرفان بارزاني.
لهذا، فإن لقاء نيجيرفان بارزاني بأحمد الشرع اكتسب أهمية خاصة، لأنه جاء في مرحلة الانتقال من التفاهمات السياسية إلى اختبار تنفيذها على الأرض. فالنجاح الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاق، بل في تحويله إلى شراكة مستقرة تدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية، من دون أن يشعر الكورد بأنهم خسروا حضورهم السياسي، أو تشعر الدولة بأنها قدمت تنازلات تمس سيادتها.
ما يميز نيجيرفان بارزاني أنه لم يتبن خطابا يقوم على تغليب طرف على آخر، بل طرح معادلة واضحة، دعم سوريا موحدة ومستقرة، مع صيانة حقوق جميع المكونات القومية والدينية. وهذه ليست صيغة دبلوماسية عابرة، بل رؤية سياسية واقعية تدرك أن وحدة الدول لا تتحقق بإلغاء التنوع، وإنما بتحويله إلى شراكة دستورية وسياسية. ومن هنا جاءت مطالبته بحماية حقوق الكورد في الدستور السوري المقبل، باعتبارها ضمانة لاستقرار سوريا، لا مطلبا كرديا فحسب.
وفي المقابل، عكس الاستقبال الذي حظي به في دمشق رغبة سورية في الاستفادة من هذا الدور، لأن دمشق تدرك أن أي تسوية ناجحة مع الكرد ستسهم في إنهاء أحد أكثر ملفات الأزمة السورية تعقيدا، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها بناء الدولة بدل إدارة الصراع.
وهكذا اوجدت الزيارة الناجحة ثيمة مركزية لنيجيرفان مفادها أن استقرار سوريا والعراق وإقليم كردستان مترابط، وأن التعاون الاقتصادي والأمني لم يعد خيارا سياسيا، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة. ومن هذا المنطلق جاءت دعوة بارزاني للرئيس أحمد الشرع إلى زيارة بغداد وإقليم كردستان، في خطوة تعكس الرغبة في بناء مثلث تعاون جديد يقوم على الحوار والمصالح المشتركة، لا على الأزمات المزمنة.
الزيارة بثقل نيجيرفان عراقيا وكورديا تؤكد أن المنطقة بدأت تبحث عن إدارة الخلافات عبر السياسة بدلا من السلاح. وفي هذا السياق، يمكن القول إن نيجيرفان بارزاني لم يذهب إلى دمشق لإدارة العلاقات بين أربيل ودمشق فحسب، بل للمساهمة في إدارة واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيدا. وقد نجح في هذا المسار، وللتاريخ فان هذه الزيارة ستسجل باعتبارها بداية مرحلة جديدة، عنوانها التسويات السياسية، لا المواجهات المفتوحة فنيجيرفان كما قيل مرارا:" عراقي كوردي مدير ازمة وقائد صراع".