من الرقابة الرقمية إلى الإصلاح الهيكلي: رؤية جديدة لأداء مجلس النواب العراقي
بقلم: سيروان عبد الكريم علي
نبارك للشعب العراقي نجاح العملية الانتخابية الأخيرة، التي جرت في أجواء هادئة وشفافة، وأسفرت عن نتائج مقبولة وطنياً ودولياً. كما نتوجه بالشكر والتقدير إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي قدمت نموذجاً يُحتذى به في النزاهة والمهنية. لقد أثبتت المفوضية أن الإدارة الانتخابية في العراق قادرة على التطور والاستجابة لمعايير الديمقراطية، خصوصاً مع خلو العملية من الطعون الجوهرية وغياب مظاهر التزوير التي لطالما شابت الدورات السابقة. إن هذا النجاح لا يمثل نهاية الطريق، بل هو خطوة متقدمة في مسار بناء الدولة الديمقراطية القائمة على الشفافية والمساءلة.
غير أن هذا النجاح يضع على عاتق مجلس النواب في دورته السادسة مسؤولية مضاعفة، إذ يقف المجلس أمام مفترق طرق حاسم بين تجديد الثقة الشعبية أو فقدانها نهائياً. فالمساءلة اليوم لم تعد محصورة في الأطر التقليدية داخل القبة البرلمانية، بل أصبحت رقابة لحظية مفتوحة تمارسها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحات مساءلة شعبية، بل أحياناً إلى محاكم للرأي العام. ولم يعد مقبولاً أن يبقى الأداء البرلماني في دائرة الغموض، في وقت كشفت فيه الأرقام الصادمة عن غياب أكثر من 150 نائباً باستمرار و”صمت تشريعي” لأكثر من 160 نائباً خلال الدورة الماضية. هذه الحقائق تطرح تساؤلات خطيرة حول كفاءة الأداء البرلماني وجدواه، وتفرض الحاجة إلى إصلاح هيكلي شامل يعيد للمؤسسة التشريعية هيبتها ودورها الوطني.
يجب على أعضاء الدورة السادسة أن يدركوا أنهم يقفون اليوم أمام مساءلة مزدوجة: مساءلة التاريخ ومساءلة المواطن المعاصر. فكل تصويت، وكل غياب، وكل موقف، بات محفوظاً في ذاكرة رقمية لا تُمحى. إن التكلفة المالية الباهظة للنائب – التي تقدر بنحو مليون دولار خلال الدورة البرلمانية الواحدة – تجعل من أي تقصير في الأداء هدرًا لمال الشعب الذي ليس "هبة أو ماء من البحر"، كما يقال.
إن استمرار بعض المظاهر السلبية من غياب وتقصير وانقطاع عن الجلسات يمثل عاراً على الدولة، ويتطلب تطبيق إجراءات تأديبية صارمة بحق المقصرين. ومن هنا، يصبح من الضروري أن يتبنى مجلس النواب نظام تقييم شفاف يُنشر علنًا على موقعه الإلكتروني، يُظهر درجة التزام كل نائب بحضور الجلسات ومشاركته في التشريع والرقابة. فالثقة لا تُستعاد بالخطابات، بل بالحقائق الموثقة.
إن إصلاح الأداء البرلماني لا يقتصر على فرض الانضباط الداخلي فحسب، بل يشمل أيضاً بناء بيئة عمل مستقرة وداعمة للنائب، تضمن له الوصول إلى الخبرة والمعلومة الدقيقة في الوقت المناسب. فالنائب اليوم ليس مجرد متحدث أو مصوّت، بل عضو في منظومة معقدة تتطلب دعماً إدارياً وفنياً وبحثياً متواصلاً.
إن الإدارة البرلمانية في صيغتها الحالية ما زالت تعاني من تبدلات سياسية متكررة تمس الموظفين والهيئات المساندة، مما يؤدي إلى ضعف الأداء وفقدان الذاكرة المؤسسية. لذا، من الضروري أن تكون إدارة مجلس النواب مستقرة ومهنية، بعيدة عن تأثيرات التغيير السياسي، وأن يُمنح موظفوها صفة الدوام والاستقلالية.
ومن أجل تعزيز هذا الاستقرار وتوسيع قاعدة المعرفة داخل المجلس، ينبغي تفعيل شراكات مؤسسية مع الجامعات ومراكز البحوث الوطنية، لتزويد اللجان البرلمانية بالدراسات والاستشارات المتخصصة في مجالات الاقتصاد، القانون، الإدارة، البيئة، والسياسات العامة. كما يمكن إنشاء مكاتب بحثية دائمة بالتعاون مع هذه المؤسسات الأكاديمية، بحيث تُسهم في إعداد التقارير الفنية وتحليل مشاريع القوانين ودراسة آثارها الاجتماعية والاقتصادية.
إن هذا التعاون بين مجلس النواب والجامعات ومراكز البحث سيحوّل البرلمان من ساحة قرارات آنية إلى مؤسسة معرفية رصينة تستند إلى الدليل العلمي والخبرة المتراكمة، ويمنح النائب القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة ومستنيرة تخدم الصالح العام.
العمل البرلماني هو قبل كل شيء عمل مهني وتقني، يتطلب تأهيلاً مستمراً. فالكثير من النواب يدخلون البرلمان دون خبرة كافية في مجالات التشريع أو الرقابة، مما يجعل أداءهم محدوداً رغم نواياهم الطيبة. لذلك، من الضروري إنشاء معهد تأهيلي متخصص لإعداد النواب وتأهيلهم منذ اليوم الأول لتسلمهم مهامهم.
يركز هذا المعهد على ثلاثة محاور رئيسية:
1. التدريب على آليات الرقابة البرلمانية: من خلال تزويد النواب بالمهارات اللازمة لاستخدام أدوات الرقابة بفعالية، مثل الاستجوابات والأسئلة البرلمانية وتشكيل لجان التحقيق.
2. تحليل مشاريع القوانين: عبر تدريب النواب على قراءة مشاريع القوانين من زوايا دستورية واقتصادية واجتماعية، بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث.
3. فهم الموازنة العامة: بتأهيل النواب على تحليل الموازنات العامة والقطاعية، مما يعزز قدرتهم على محاربة الفساد وممارسة الرقابة المالية بشكل مهني.
إن تأسيس هذا المعهد لا يمثل ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية لضمان أن يكون كل نائب على دراية تامة بآليات العمل التشريعي الحديث، بعيداً عن الارتجال والشخصنة.
إن التفاؤل بانطلاقة الدورة السادسة يجب أن يكون تفاؤلاً مسؤولاً ومشروطاً بالإصلاح الحقيقي. فالإصلاح لا يتحقق ببيانات التهنئة ولا بالوعود، بل بتبني نظام داخلي صارم يضمن الانضباط والشفافية، وببناء إدارة برلمانية مستقرة ومؤهلة تدعم النائب وتراقب الأداء، وبإنشاء معهد للتأهيل الأكاديمي والرقابي يعيد إلى البرلمان دوره الدستوري الحقيقي كسلطة تشريعية ورقابية مستقلة.
إن أمام مجلس النواب فرصة تاريخية ليعيد تعريف العلاقة بين البرلمان والمجتمع، بين التشريع والرقابة، بين المسؤولية والامتياز. وإذا ما التزم المجلس بهذه الرؤية الإصلاحية، فسيصبح البرلمان مؤسسة منتجة للثقة لا مستهلكة لها، قادرة على مواجهة تحديات العصر بمهنية وكفاءة، ومؤهلة لأن تمثل بحق إرادة الشعب العراقي وتطلعاته إلى دولة عادلة، حديثة، وديمقراطية.