من الدروع الحديدية إلى السترات الذكية… كيف تطور الزي العسكري؟
اندبندنت عربية/محمد غرسان:تحولات تنقل تجهيزات المقاتلين من الدروع التقليدية إلى حلول تعتمد على المواد المتقدمة والأنظمة الرقمية. وخلال جولة في معرض الدفاع العالمي بالرياض، تظهر ابتكارات تجمع بين خفة الوزن ورفع مستوى الحماية، فضلاً عن نماذج ذكية تراقب حال الجندي ميدانياً.
مر الزي العسكري بتغيرات كبيرة عبر التاريخ، إذ انتقل من الدروع الثقيلة المصنوعة من المعادن إلى تجهيزات خفيفة تعتمد على التكنولوجيا والمواد الحديثة.
فخلال العصور القديمة كان الجنود يرتدون خوذاً ودروعاً معدنية لحمايتهم أثناء المعارك، بدءاً من الجلود السميكة والأقمشة المبطنة، وصولاً إلى الدروع الحلقية التي اشتهرت في العصور الوسطى ووفرت مرونة وحماية من الضربات، ثم الدروع الفولاذية الكاملة قبل انتشار الأسلحة النارية.
ومع تطور الأسلحة وظهور الرصاص عالي السرعة، أصبح الفولاذ الثقيل عبئاً على المقاتل، فاتجهت الجيوش إلى مواد أخف وأكثر كفاءة، وأسهمت ألياف "كيفلار" منذ ستينيات القرن الماضي في تغيير مفهوم الحماية الباليستية، فيما أصبحت صفائح السيراميك المتطورة جزءاً أساساً من السترات الحديثة بفضل قدرتها على تفتيت المقذوفات وتقليل تأثيرها.
اليوم تتجه الأبحاث نحو مواد أكثر تقدماً مثل الغرافين وأنابيب الكربون النانوية، إضافة إلى تقنيات الدروع السائلة التي تتحول إلى سطح صلب عند الاصطدام، ومواد قادرة على إصلاح نفسها. ويجري أيضاً دمج مستشعرات حيوية وأنظمة رقمية تتابع حال الجندي وتنقل بياناته بصورة مباشرة، فضلاً عن تطوير هياكل خارجية تساعد المقاتل في حمل معدات أثقل من دون إرهاق.
وتبقى أهمية هذه الدروع في أنها خط الحماية الأول للجندي، إذ تقلل الإصابات وتزيد فرص النجاة، مع الحفاظ على خفة الحركة وسرعة الاستجابة في الميدان، مما ينعكس على أداء المقاتلين وثقتهم أثناء تنفيذ المهمات.
وبينما تتنافس الشركات على عرض أحدث الأسلحة، تحضر الدروع والسترات الواقية المصممة لحماية المقاتلين في الميدان، وخلال جولة لـ"اندبندنت عربية" في معرض الدفاع العالمي بالرياض الذي يحمل شعار "مستقبل التكامل الدفاعي"، بدت هذه التحولات واضحة داخل الأجنحة الدولية، حيث عرضت نماذج متنوعة من السترات الباليستية والتجهيزات التكتيكية.
وظهرت تصاميم أخف وزناً وأكثر مرونة، مع دمج الجيوب وأنظمة الحمل والتواصل ضمن بنية واحدة، في اتجاه عالمي يسعى إلى تقليل الوزن من دون التضحية بالحماية.
دروع أخف… وحماية أعلى
وفي هذا السياق قال رئيس أبحاث وتطوير المقذوفات وإدارة المنتجات في شركة "نورول تكنولوجي" التركية ميرت جان شيمشك خلال حديثه إلى "اندبدنت عربية"، إن الشركة تعمل على تصنيع مواد التدريع ضمن مجموعة "نورول" الدفاعية، وشاركت في المعرض لطرح منتجاتها أمام المستخدمين النهائيين وقوات الأمن، مع اهتمام خاص بالسوق السعودية والدول المجاورة.
وأوضح أن الشركة عرضت صفيحتين باليستيتين، إحداهما أعيد اختبارها لمحاكاة أضرار متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي،مضيفاً أن "نورول" سلمت عام 2022 نحو 120 ألف سترة باليستية تضم أكثر من 200 ألف صفيحة تدريع إلى وزارة الدفاع الأوكرانية قبيل اندلاع الحرب.
وأشار إلى أن إحدى الصفائح تعرضت لثماني طلقات نارية على رغم أنها مصممة لتحمل ثلاث طلقات فقط، مؤكداً أن فلسفة التصميم تعتمد على رفع مستوى الحماية باعتبار الدرع الباليستي خط الدفاع الأخير. ويبلغ وزن الصفيحة 2650 غراماً، فيما يراوح وزن السترة ما بين ستة وسبعة كيلوغرامات، مقارنة بنحو 30 كيلوغراماً قبل عقود، مما يعكس تطور التكنولوجيا.
وأضاف أن قدرة الصفيحة على تحمل عدد أكبر من الطلقات تعود لتركيبة سيراميك خاصة حاصلة على براءة اختراع لدى الشركة، لافتاً إلى أن "نورول" حافظت على الأسعار المقدمة إلى أوكرانيا مماثلة للأسعار المحلية من دون زيادة على رغم الظروف وبموافقة الحكومة التركية.
سرعة الارتداء… عامل حاسم في الميدان
من جانبه عرض المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "تشيلترن غلوبال" Chiltern Global البريطانية ماثيو باتروورث سترة موحدة تجمع القطع التي ترتديها الشرطة البريطانية في نظام واحد أخف وزناً وأسرع في الارتداء.
وأوضح في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن النموذج الجديد يوفر مستوى الحماية نفسه من الطعن والصدمات، مع توزيع قوة الضربة وتقليل الوقت اللازم لارتداء المعدات، مضيفاً أن الأنظمة الحديثة تسمح بتعديل الجيوب أو نقلها وفق طبيعة المهمة لأن تقليل الوزن مع الحفاظ على الحماية أصبح هدفاً أساساً في تصميم الزي العسكري. ويمكن أيضاً تخصيص الألوان والتمويه بحسب البيئة، من الغابات إلى الصحارى.
حماية كاملة للجسم… وتقنيات قابلة للتخصيص
وفي جناح إحدى الشركات الصينية، عرضت ممثلة الشركة سترة واقية لكامل الجسم تعتمد على مواد مثل "البولي إيثيلين" أو ألياف "كيفلار"، مع إمكان تعديل المقاس وإضافة صفائح تدريع لرفع مستوى الحماية، وأوضحت أن أعلى مستوى حماية من دون صفائح يصل إلى مستوى "أي3" 3A، بينما يبلغ وزن النموذج المعروض نحو خمسة كيلوغرامات مع حماية تشمل الرقبة والكتفين.
وأردفت أن بعض الملحقات تشمل رقعاً قابلة للتثبيت وحوامل للهاتف، وأن النسخة الأخف من السترة يصل وزنها إلى نحو ثلاثة كيلوغرامات. أما الكلفة فتبدأ مادة "أف بي إي" FPE بنحو 100 دولار، فيما تراوح بعض النماذج ما بين 120 و150 دولاراً تقريباً.
سترة ذكية سعودية تراقب العلامات الحيوية
وفي جانب آخر من المعرض، برز ابتكار سعودي يتمثل في سترة عسكرية إلكترونية ذكية صممتها الأستاذة المساعدة في قسم تصميم الأزياء بجامعة جدة أمل البشري، لتحويل السترات التقليدية إلى أنظمة رقمية متكاملة.
وتتيح السترة تواصلاً مباشراً مع مركز العمليات عبر نظام اتصال مدمج، إضافة إلى هوائي صمم على شكل "السيفين والنخلة" لتعزيز جودة الإرسال، وتسمح أيضاً بتتبع موقع الجندي وإرسال إنذارات عند الخروج من نطاق محدد، وقياس العلامات الحيوية مثل نبض القلب ونسبة الأوكسجين في الدم مع تنبيهات تلقائية عند رصد أي خطر صحي.
وأشارت البشري إلى أن المشروع يمثل النسخة الثالثة المطورة من السترة وحصل على براءتي اختراع من الهيئة السعودية للملكية الفكرية عام 2024.