القراءة تحت الحصار الرقمي: هل ما زال الكتاب صامدا؟

روبرت ماكرام/ اندبندنت عربية:قد يكون تركيزنا اليوم أقل مما كان عليه، لكن الحديث عن موت الرواية أو أفول القراءة بعيد كثيراً من الواقع. مع إعلان عام 2026 عاماً للقراءة، نتأمل في مستقبل حياة العقل، ولماذا قد تصبح أكثر رسوخاً حتى في زمن الذكاء الاصطناعي.على رغم تصاعد نبوءات "نهاية زمن القراءة" تحت ضغط التكنولوجيا ووسائل التواصل، يظل الكتاب صامداً بقوة تقاليده وقدرته على التجدد. وبين الذكاء الاصطناعي ومنصات مثل "بوك توك"، يتبين أن شغف البشر بالسرد لا يزال حياً، وأن مستقبل القراءة أبعد ما يكون من الأفول.

فبراير 15, 2026 - 06:36
القراءة تحت الحصار الرقمي: هل ما زال الكتاب صامدا؟

كثيراً ما كانت المبالغة في تصوير حدوث كارثة كبرى مادة صحافية مغرية، ومع انطلاق عام القراءة على مستوى المملكة المتحدة، ارتفعت أصوات متشائمة تنذر بـ"نهاية الحضارة"، مستندة إلى سلسلة مقلقة من الأخبار الآتية من عالم الكتب، مع الإقرار بأن المشهد ليس وردياً بالكامل.

في العام الماضي، بث الصحافي في جريدة "تايمز" جيمس ماريوت كمية كثيفة من القلق في نفوس قرائه عبر تشريح ما سماه "مجتمع ما بعد القراءة"، قبل أن يعيد العصر الذهبي للثقافة الأدبية للقرن الـ18. فحقبة التنوير، بحسب وصفه، أطلقت "ديمقراطية غير مسبوقة للمعلومات".

وبحسب تحليل ماريوت، شهدت فرنسا في زمن الثورة على ما يبدو معدلات لمحو الأمية "تفوق ما كان عليه الحال في الولايات المتحدة خلال القرن الـ20". إنه معيار متواضع ربما، لكنه رأى في ذلك العصر الذي يحتفي بالقراءة جذور "حقوق الإنسان والديمقراطية والثورة الصناعية".

ومنذ ذلك الحين، بحسب سرده، بدأ الانحدار. فنحن اليوم "نعيش ثورة مضادة"، وسط عالم "تحتضر فيه الكتب" و"ينهار فيه فعل القراءة".

ثم يمضي ماريت في طرحه المتحول، ليربط حجته ببعض الهواجس الأكاديمية الرائجة حول "التركيز" وتراجع قدراتنا على الانتباه، محملاً المسؤولية للهاتف الذكي الذي يصفه بنبرة آخر الزمان باعتباره "منعطفاً مفصلياً في تاريخ البشرية".

وتقود المأساة الفكرية المحيطة بأفول الكتاب إلى عالم بلا عقل، وإلى "نهاية الإبداع"، يليها "موت الديمقراطية"، ثم انفجار "الجحيم الأبله"، وهي ظاهرة عنونتها إحدى مجلات نيويورك أخيراً بـ"تبلد العقل الأميركي". باختصار، يطل فجر شرير لمجتمع "ما بعد القراءة" نهم في جهله، إذ نجد عاشق الكتاب المسالم إلى كائنات خرافية في مستقبل معتم. ولم لا؟ فالمشهد برمته عبارة عن سجال لاذع يليق بأن يكون كلمات أغنية تنشدها تايلور سويفت: محتدم، استفزازي، ومقنع أحياناً.

هذا الطرح المثير تردد صداه في صحيفة "صنداي تايمز"، عبر هجوم مواز شنه نيل فيرغسون، المعروف بمواقفه الجدلية، إذ يصور في تحليله القاتم لعالم بلا كتب، الأجيال المقبلة على أنهم "برابرة سافرون" يواجهون "أزمة حضارية جوهرية في الإلمام بالقراءة والكتابة". أما خلاصة فيرغسون المدوية فكانت: "ما على المحك هنا ليس إلا مصير الإنسانية نفسها على أقل تقدير".

وهكذا تكتمل الصورة: الكارثة محتمة، الهلاك جماعي، والنهاية باتت وشيكة.

تقريباً... لكن ليس تماماً.

في جوهر هذه الطروحات الاستفزازية، التي تسعى إلى كسر حالة الاطمئنان الفكري، تظهر حجج عدة يخلط فيها المتشائمون من مصير القراءة بين أزمة الكتب ومشكلات أخرى، أبرزها تأثير وسائل التواصل الاجتماعي غير المنضبطة وما تسببه من "تشويش ذهني"، وهي قضايا لا ترتبط بالكتب ارتباطاً مباشراً.

أول هذه المسارات هو الجدل المعاصر حول "الانتباه"، وأزمة التركيز في الجامعات التي تناولها عالم النفس الشعبي الأميركي جوناثان هايدت، مؤلف كتاب "جيل القلق: كيف يؤدي التحول العميق في أنماط الطفولة إلى وباء من الأمراض العقلية" The Anxious Generation: How the Great Rewiring of Childhood is Causing an Epidemic of Mental Illness. فهل نحن فعلاً أمام مجتمع ما بعد القراءة؟ من المؤكد أن هذا السؤال قد تحول إلى هاجس واسع الانتشار. ويكشف اختيار قاموس أكسفورد لكلمة "استفزاز الغضب" rage-bait لتكون كلمة العام الماضي عن عمق القلق الأكاديمي إزاء آفة وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا السياق، أفضى تزاوج الآيفون مع صعود ترمب إلى تعميق شعور القلق لدى قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى المتعلمة.

وبحسب هذا المنطق، فإن اجتماع التكنولوجيا بالتاريخ أدى إلى صعود الحمق. غير أن التقليد الفكري الغربي كثيراً ما واجه محدودي الثقافة، فيما ظل الكتاب والقراءة، نشاطاً نخبوياً محدود الانتشار. علاوة على ذلك، ووسط هذا الاضطراب العارم، هل نملك فعلاً القدرة على انتهاج رؤية متزنة في لحظة تغيير غير مسبوقة؟ ألا يجدر بنا الاعتراف بأن مجتمعنا لا يزال يعج بتريليونات الكلمات المتداولة رقمياً، وغالبية هذه الكلمات تكتب بالإنجليزية؟

أما العامل الثاني الذي لا يقل أهمية، فيكمن في أن هذا القلق في شأن "طريقة عيشنا اليوم" تغذيه نزعة حنين داخل الأوساط المتعلمة تقول إن الكتب "لم تعد كما كانت". ويظهر في جانب من طرح ماريت صوت كاتب محافظ يخفي ضيقه من المصطلحات الجديدة، (على غرار أشعار سويفت) و"فساد" قواعد اللغة والأسلوب. ولعل عام القراءة يشكل مناسبة ملائمة لمراجعة هذه الفكرة غير المثبتة، بأن "الكتب تحتضر". فمنذ فجر عصر النهضة، كانت الكتب، واللغات التي كتبت بها، ولا سيما اللاتينية، بؤرة دائمة لليأس المحافظ من حال الثقافة والمجتمع.

تقدم الصلابة التي تمتعت بها الكتب على مر التاريخ درساً ملهماً ومواسياً في وجه دعاة التشاؤم، فطريقة استخدامنا للكتب - أو امتناعنا عن استخدامها - جزء لا يتجزأ من تطور الكتاب ذاته: إنها معجزة المجلد المطبوع. واليوم، تظهر هذه المعجزة بأشكال متعددة (كتب كيندل، الكتب الصوتية، والكتب الرقمية بصيغة ملفات "بي دي إف" PDF)، نادراً ما تكون ورقية بالمعنى التقليدي، لكنها غالباً رقمية، ومع ذلك كان رائدا الطباعة يوهان غوتنبرغ ووليام كاكستون سيعرفان بلا شك روح الكتابة والكتاب في هذه الأشكال الحديثة.

كما أن فعل "القراءة" أصبح أكثر تعقيداً، لا أبسط. فحتى أواخر القرن الـ19، كانت القراءة امتيازاً مثيراً يرتبط بنخب الثقافة الجماهيرية، وما زالت كذلك إلى حد بعيد. ولا يزال الخيال يمنحنا تلك الحرية الفريدة لرحلة العقل، وهي رحلة لا يوجهها نظام ملاحة ولا يتحكم بها أحد. وسنتعلم بطبيعة الحال التكيف مع المنافسة الشرسة التي تفرضها الوسائط الأخرى، لكن القارئ الحر سيظل، كما كان دائماً، كياناً مستقلاً. وفي لحظة تحرره برفقة كتاب تكمن متعة القراءة: تجربة عفوية، غير مراقبة، وغالباً ما تكون فردية وخاصة، في عالم بلا حدود أو حكومات.

حتى عندما نعترف بقائمة الضغوط والانقطاعات الكاملة التي يروج لها المتشائمون ثقافياً، فإن أدمغتنا القارئة، على رغم إهمالها وسوء استخدامها في القرن الـ21، لم تتوقف عن العمل. فكيف يمكن أن تفعل ذلك؟ نحن مبرمجون على البحث عن المعنى، والجين السردي جزء من تركيبتنا الوراثية.

فالإنسان بطبعه كائن يحكي القصص، يعيش من أجل الأخبار والنميمة والترفيه - أي من أجل الكلمة.

وعلى رغم أن القارئ بات مضطراً إلى تركيز أكبر وبطريقة مختلفة، فإن أدمغتنا الحجرية القديمة ستواصل توليد تلك الغيبوبة اللذيذة، المستلهمة من القراءة المتأنية، أي "الغوص في الكتاب". بل ثمة وفرة من الشواهد غير الرسمية على أننا بتنا أكثر وعياً بالبيئة التكنولوجية المتغيرة لعصر النهضة الرقمية وأكثر قدرة على التكيف معها. خذوا مثالاً منصة "بوك توك" BookTok على "تيك توك"، التي كانت لفترة طويلة مصدر قلق لعشاق الثقافة التقليدية للكتب.

في البداية اعتبرت "بوك توك" منصة ترفيهية سطحية، لكنها سرعان ما أصبحت عنصراً حاسماً في نجاح رواية "أغنية أخيل" Song of Achilles لـمادلين ميلر، الرواية الحائزة على جوائز والمستوحاة من الإلياذة. كما أن منصة "تيك توك" تقف وراء بيع نحو 20 مليون كتاب جديد سنوياً منذ عام 2021. في صحيفة "نيويورك تايمز"، اعتبرت الأستاذة بجامعة برينستون ياريمار بونيلا، بعد اعترافها بقضاء ساعات فراغها في التصفح العشوائي على الإنترنت، أن "بوك توك" تشكل "مهرباً من طوفان القلق"، ووصفتها بأنها وسيلة جديدة "تشجع الناس على القراءة". بعد انضمامها إلى طلابها، تقول: "الأمر ممتع، وإذا غير كيمياء دماغك؟ فهذا أفضل".

تأملوا أبعاد ثورة الذكاء الاصطناعي، الحسنة والسيئة معاً. فعلى رغم دراسة لجامعة كامبريدج تشير إلى أن غالبية المؤلفين يخشون مستقبلاً مشكلاً بالذكاء الاصطناعي، تظهر مؤشرات مضادة قوية. إحدى الشركات البريطانية الناشئة الجريئة، المستلهمة من نماذج اللغة الكبرى، هي ثمرة شاب في العشرينيات من عائلة غراهام غرين. مبادرة "كتب من صنع الناس"، بدعم متحمس من القطاع، تدعو دور النشر إلى الالتزام بمدونة سلوك (وختم للكتب) تضمن الأصالة الإبداعية. وتقول إزمي دينيس: "القراء يريدون حماية ما يشعرون بأنه مقدس". قد نكون نغدو أقل ذكاً، لكن مضاداتنا تزداد ذكاء.

إذاً الرواية لم تمت بعد، والأدب يمر بإحدى مراحله الدورية من إعادة التوازن، كما حدث سابقاً عند الانتقال من المخطوطات إلى الكتاب المجلد. دور النشر لا تنهار، والمطابع الجديدة تزدهر. وما زال هناك مستقبل ينتظر حياة العقل، وربما يلهم خطاب التشاؤم هذا رد فعل إبداعياً مضاداً. وفي مواجهة عمالقة التكنولوجيا، فقد يكون من الحكمة التفكير ببساطة: التقط كتاباً واقرأه بتمعن.

يكرس غالبية الكتاب أنفسهم لمهنتهم كما لو كانوا أسرى الحبر والورق، يعملون لساعات طويلة ويتحملون كل أنواع الصعاب. صحيح أنهم لا ينحدرون إلى الهاوية، ولا يخدرون عقولهم وقلوبهم على خطوط إنتاج ميكانيكية، لكنهم، كجزء من حرفة قديمة، يسهمون في إثراء الحياة اليومية، ويروون قصصاً أفضل عن الحالة الإنسانية.

الأصالة صعبة التحقيق، لكنها مسببة للإدمان أيضاً. إذا حالفك الحظ، ككاتب، في إيجاد صوت يعبر عن أفكار لم تسمع من قبل (مهما كان حجم النقد الذي ستواجهه) فلن تتخلى عنه طواعية. مقولة إزرا باوند "اجعلها جديدة" وصراع تي. إس. إليوت "الذي لا يطاق مع الكلمات والمعنى" لا يفقدان شدتهما أبداً، لكنه الصراع الوحيد المتاح الآن.

إن عام القراءة الذي بدأ قبل أسابيع قليلة هو وقت لليقظة والتعقل معاً، وربما بإرادة وجودية تفوق إدراكنا، تكون النهاية وشيكة. لكن في عالم الكتب والقراءة، النهاية ليست بهذا القرب.

© The Independent