أوروبا تبحث عن "سيادة رقمية" بعيدا من أميركا

اندبندنت عربية/ سامي خليفة: تتزايد الشكوك الأوروبية حول نوايا الولايات المتحدة وقدراتها في العالم الرقمي منذ عام 2013، حين كشف إدوارد سنودن عن مدى تنصت وكالة الأمن القومي الأميركية على اتصالات الأوروبيين، ومع ذلك، تمتعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بتجارة مفتوحة نسبياً في الخدمات الرقمية، إلا أن وصول ترمب إلى السلطة للمرة الثانية أشعل النقاش عبر الأطلسي حول السيادة الرقمية.

فبراير 15, 2026 - 18:54
أوروبا تبحث عن "سيادة رقمية" بعيدا من أميركا

تحدثت رئيسة الاتحاد الأوروبي أورسولا فون دير لاين في المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير في دافوس عن ضرورة هيكلة أوروبا لبناء شكل جديد من الاستقلال يشمل قدراتها التكنولوجية وأمنها، خصوصاً أن تزايد مطالب الحكومة الأميركية من القادة الأوروبيين، من الممكن أن يفقد أوروبا إمكانية الوصول إلى البنية التحتية الرقمية التي توفرها الشركات الأميركية كجزء من عملية التفاوض الجيوسياسي.

لم يأتِ حديث فون دير لاين من فراغ، إذ تسيطر حالياً مجموعة صغيرة من شركات التكنولوجياالكبرى الأميركية على نسبة كبيرة من البنية التحتية للحوسبة السحابية في العالم، أي الشبكة العالمية للخوادم البعيدة التي تخزّن وتدير وتعالج جميع تطبيقاتنا وبياناتنا.

وتشير التقارير إلى أن خدمات "أمازون" السحابية و"مايكروسوفت أزور" و"غوغل كلاود" تستحوذ على نحو 70 في المئة من السوق الأوروبية، بينما لا تتجاوز حصة مزودي الخدمات السحابية الأوروبيين15 في المئة وحسب.

لذا تُبذل جهود حثيثة في مختلف أنحاء القارة العجوز لاستعادة بعض الاستقلالية عن التكنولوجيا الأميركية، إذ إن الاعتماد على عدد قليل من المزودين العالميين يزيد من هشاشة القطاعين الخاص والعام في أوروبا، بما في ذلك خطر انقطاع الحوسبة السحابية، سواءً كان ذلك بسبب مشكلات تقنية أو نزاعات جيوسياسية أو أنشطة خبيثة. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك، والتي نتجت على ما يبدو من أعطال فنية، حادثة خدمات "أمازون" السحابية التي استمرت لساعات في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، والتي عطلت آلاف الخدمات، مثل تطبيقات البنوك، في جميع أنحاء العالم، وحادثة "كلاود فلير" الكبرى التي وقعت بعدها بشهرين، وأدت إلى توقف موقع "لينكد إن" و"زووم" ومنصات تواصل أخرى عن العمل.

سيادة رقمية هشة

بينما يرى كثر من المراقبين أن السلطة التنظيمية للاتحاد الأوروبي تمنحه نفوذاً كبيراً على الصعيدين المحلي والخارجي، إلا أن سيادته في الساحة الرقمية الأوروبية هشة في أحسن الأحوال، فعلى رغم دوره كقوة تنظيمية عظمى، تجد أوروبا نفسها معتمدة على شركات من خارج الاتحاد الأوروبي في عدد من العناصر الأساسية للعالم الرقمي.

ويشير تقرير صادر أخيراً عن البرلمان الأوروبي إلى أن الاتحاد الأوروبي يعتمد على دول من خارج الاتحاد في أكثر من 80 في المئة من المنتجات والخدمات والبنية التحتية والملكية الفكرية الرقمية، ويعد هذا الشعور بالتبعية جوهر سعي الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق السيادة الرقمية.

وقد فشل الاتحاد الأوروبي في تطوير قطاع تقني يتمتع بحيوية وادي السيليكون أو بالقدرات المتنامية للصناعة الصينية، ولم تشهد أوروبا ظهور شركات جديدة رائدة عالمياً تعتمد على التقنيات الرقمية.

وفي الواقع، بينما أنشأت الصناعة الأميركية ست شركات برأس مال سوقي يبلغ تريليون دولار أو أكثر، لم ينشئ الاتحاد الأوروبي أي شركة من هذا القبيل.

وفي عام 2021، غطت ثلاث شركات أميركية متخصصة في الحوسبة السحابية 65 في المئة من سوق الحوسبة السحابية في الاتحاد الأوروبي، بينما لم تتجاوز حصة الشركات التي تتخذ من الاتحاد الأوروبي مقراً لها 16 في المئة. ونتيجةً لذلك، يضطر المستهلكون والشركات الأوروبية إلى الاعتماد على شركات من خارج الاتحاد الأوروبي معظمها شركات أميركية وبعضها صينية للحصول على الخدمات الرقمية الأساسية.

هناك بعض الشركات الأوروبية تشكل استثناءً لهذه التوجهات، فإن "نوكيا" و"إريكسون" رائدتان بالفعل في مجال الكابلات والألياف الضوئية، وهما عنصران أساسان للاتصال، وقد تعززت مكانتهما في السوق مع تزايد المخاوف في شأن أمن المكونات الصينية، أما شركة "ASML" الهولندية، فهي رائدة في مجال الآلات اللازمة لتصنيع أشباه الموصلات التي تشغّل وتدير جزءاً كبيراً من العالم الرقمي، إلا أن هذه الشركات الأوروبية لا تضاهي نظيراتها الأميركية من حيث القيمة السوقية.

 نحو الاستقلال الرقمي

انطلاقاً مما ذكرناه آنفاً بدأت أوروبا فعلياً تولي اهتماماً أكبر لضرورة تعزيز الاستقلال الرقمي، ففي مدينة هيلسينغبورغ الساحلية السويدية يختبر مشروع جديد كيفية عمل مختلف الخدمات العامة في حال انقطاع الخدمة الرقمية، ويسعى هذا المشروع الرائد إلى تحديد حجم التحديات البشرية والتقنية والقانونية التي قد تنجم عن انهيار الخدمات التقنية، وفهم مستوى الأخطار المقبول في كل قطاع، والهدف هو بناء نموذج للتأهب للأزمات يمكن مشاركته مع البلديات والمناطق الأخرى في وقت لاحق من هذا العام.

وفي أماكن أخرى في أوروبا، تتخذ دول رائدة إجراءات لتعزيز سيادتها الرقمية من خلال تقليل اعتمادها على شركات التكنولوجيا العملاقة الأميركية، وذلك جزئياً عبر التعاون واعتماد البرمجيات المفتوحة المصدر. وفي شمال ألمانيا، حققت ولاية شليسفيغ هولشتاين أوضح قطيعة مع التبعية الرقمية، إذ استبدلت حكومة الولاية معظم أنظمة حاسوبها التي تعمل بنظام "مايكروسوفت" بأنظمة مفتوحة المصدر، وألغت ما يقارب 70 في المئة من تراخيصها، وتطمح إلى الاقتصار على استخدام خدمات شركات التكنولوجيا الكبرى في حالات استثنائية وحسب بحلول نهاية العقد.

وفي فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا، تستثمر الحكومات على الصعيدين الوطني والدولي في تطوير منصات وأدوات رقمية مفتوحة المصدر للمحادثات والفيديو وإدارة المستندات، أشبه بمكعبات ليغو رقمية يمكن للإدارات استضافتها وفقاً لشروطها الخاصة.

أما في السويد، فيعمل نظام مماثل للمحادثات والفيديو والتعاون عبر الإنترنت، طورته وكالة التأمين الوطنية، في مراكز بيانات محلية بدلاً من الحوسبة السحابية الخارجية، ويقدّم هذا النظام كخدمة للهيئات العامة السويدية التي تبحث عن بدائل رقمية مستقلة.

حماية العالم الرقمي

نظراً إلى تزايد عدد الهجمات الإلكترونية باستمرار، سواء في أوروبا أو على مستوى العالم، أصبحت حماية العالم الرقمي عنصراً متنامياً في السيادة الرقمية.

في الماضي، لم يكن الأمن السيبراني محوراً أساساً في النقاش الدائر حول السيادة الرقمية، ولكن منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، أدرك الاتحاد الأوروبي ضرورة معالجة مواطن الضعف الأخرى، إذ كان للغزو الروسي أثر بالغ الأهمية، وأدى إلى تحول سريع وجذري في إمدادات الطاقة الأوروبية، حيث انخفضت حصة روسيا من النفط والغاز في أوروبا من 45 في المئة عام 2021 إلى 19 في المئة عام 2024، لكن المجال الرقمي كان عرضةً للخطر أيضاً، فقد أظهرت الهجمات الإلكترونية الروسية والتخريب الواضح للكابلات البحرية الأخطار التي تواجه البنية التحتية الرقمية الأوروبية، في حين اجتاحت المعلومات المضللة ذات المنشأ الروسي وسائل التواصل الاجتماعي الأوروبية.

وفي إطار الجهود المتنامية لتفعيل السيادة الرقمية، شرعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في جهود لتوضيح معنى هذا المفهوم المعقد، وقد أعلن المجلس الأوروبي أنه من الأهمية بمكان دفع عجلة التحول الرقمي في أوروبا، وتعزيز سيادتها، وتقوية منظومتها الرقمية المفتوحة، فيما عقدت الحكومتان الفرنسية والألمانية في الـ18 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قمة حول السيادة الرقمية الأوروبية حددت مجالات عدة لبناء السيادة الرقمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والبيانات والبنية التحتية العامة، وأطلقت فريق عمل مشتركاً معنياً بالسيادة الرقمية الأوروبية لتقديم تقريره هذا العام، وأكد إعلانها الختامي على طموح الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المشترك لتعزيز السيادة الرقمية لأوروبا بطريقة منفتحة باعتبارها حجر الزاوية في المرونة الاقتصادية والازدهار الاجتماعي.

 تصرفات إدارة ترمب

تتزايد الشكوك الأوروبية حول نوايا الولايات المتحدة وقدراتها في العالم الرقمي منذ عام 2013، حين كشف إدوارد سنودن عن مدى تنصت وكالة الأمن القومي الأميركية على اتصالات الأوروبيين، ومع ذلك، تمتعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بتجارة مفتوحة نسبياً في الخدمات الرقمية، إلا أن وصول ترمب إلى السلطة للمرة الثانية أشعل النقاش عبر الأطلسي حول السيادة الرقمية، فبينما ركز ترمب خلال حملة 2024 على فائض الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الولايات المتحدة، فإنه بعد عودته إلى منصبه، انتقد بشدة لوائح الاتحاد الأوروبي الرقمية برمتها، على رغم اعتماد أوروبا بصورة كبيرة على شركات التكنولوجيا الأميركية.

وبعد شهر واحد من تنصيب ترمب وحسب أصدر البيت الأبيض مذكرة بعنوان "حماية الشركات والمبتكرين الأميركيين من الابتزاز الأجنبي والغرامات والعقوبات غير العادلة"، والهدف منها هو الاتحاد الأوروبي، وتحديداً اللوائح التي تحدد كيفية تفاعل الشركات الأميركية مع المستهلكين في الاتحاد الأوروبي، مثل قانون الأسواق الرقمية وقانون الخدمات الرقمية.

وواصلت إدارة ترمب انتقادها للوائح الاتحاد الأوروبي الرقمية، فعلى سبيل المثال، في الـ16 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، قال الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير، إن الاتحاد الأوروبي يواصل مساراً مستمراً من الدعاوى القضائية والضرائب والغرامات والتوجيهات التمييزية والمضايقة ضد مزودي الخدمات الأميركيين، وألمح إلى أن الولايات المتحدة سترد بالمثل، وذلك بعدما غرمت المفوضية الأوروبية شركتي "آبل" و"ميتا" 500 مليون يورو و200 مليون يورو على التوالي، لعدم امتثالهما لقانون التسويق الرقمي.