ما بعد مؤتمر ميونخ 2026م نيجيرفان بارزاني يعيد صورة المفاوض العراقي الدولي عالميا.
خاص لموقع hiwar/ د هوشيار مظفر علي امين: لم يكن انتهاء أعمال مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام نهاية حدث دبلوماسي اعتيادي بقدر ما كان بداية قراءة جديدة لموقع العراق في معادلات القوة الدولية، فالمؤتمر الذي انعقد وسط ارتباك في التحالفات الغربية وتراجع الثقة عبر الأطلسي واحتدام الحروب المفتوحة أتاح للدول المتوسطة فرصة نادرة لإعادة تعريف نفسها، وفي هذا السياق برز حضور نيجيرفان بارزاني بوصفه محاولة واعية لإعادة تقديم المفاوض العراقي كشخصية قادرة على إدارة التناقضات لا التورط فيها، فقد تحرك خلال أيام المؤتمر ضمن إيقاع سياسي محسوب جعل العراق يظهر كطرف يفهم قواعد اللعبة الدولية الجديدة التي تقوم على المرونة أكثر من الاصطفاف وقابل من قابله بصفته العراقي مدير الازمة ومدير الصراع نظريا وعمليا.
التحول في صورة المفاوض العراقي لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تراكم طويل بدأ منذ مرحلة ما بعد الحرب على تنظيم الدولة حين اكتشف صانع القرار العراقي أن الاستقرار الداخلي لا يمكن حمايته بالأدوات العسكرية وحدها بل عبر شبكة علاقات خارجية واسعة، وقد جسدت مشاركات العراق في مؤتمرات ميونخ السابقة من خلال قادته خاصة مشاركة نيجيرفان بارزاني هذا الإدراك تدريجيا، حيث انتقل الخطاب من طلب الدعم إلى طرح الشراكة، ومن الحديث عن الأزمات الداخلية إلى تقديم العراق كجزء من منظومة حلول إقليمية، وفي هذا المسار كان بارزاني أحد أبرز الوجوه التي اعتمدت لغة التهدئة وبناء الثقة كأداة تفاوض أساسية.
في ميونخ 2026 بدا واضحا أن الرجل لا يتصرف بصفته رئيسا لحكومة اقليم فدرالية بل بوصفه صوتا عراقيا يتحدث إلى العالم عن التوازن الممكن في الشرق الأوسط، فقد التقى قادة أوروبيين وأمريكيين ومسؤولين إقليميين في وقت واحد، ولم يكن مضمون الحوارات متطابقا بل كان مصاغا وفق إدراك للفوارق الدقيقة في مصالح كل طرف، ففي اللقاءات الغربية ركز على دور العراق في حماية استقرار المنطقة ومنع عودة الفوضى الأمنية، بينما في اللقاءات الإقليمية شدد على أن بغداد لن تكون منصة صراع وأن أمنها جزء من أمن جيرانها، هذا التعدد في الخطاب لا يعكس تناقضا بل يعكس منهج تفاوض يقوم على تخصيص الرسالة دون التخلي عن الثابت الوطني كما في اشادة مظلوم عبدي هناك به.
أحد أهم آثار المشاركة ظهر بعد المؤتمر مباشرة حين بدأت العواصم الغربية تتحدث عن العراق باعتباره دولة توازن لا ساحة تنافس، وهذا التغيير في التوصيف يحمل قيمة سياسية كبيرة، لأن صورة العراق منذ 2003 ارتبطت في الوعي الدولي بمفهوم الدولة المتلقية للسياسات لا المساهمة في صياغتها، أما اليوم فقد ظهر المفاوض العراقي ويجسده نيجيرفان قادرا على طرح مبادرات لا مجرد الرد على مبادرات الآخرين، وقد ساعد في ذلك أن بارزاني استند إلى خبرة سابقة في مؤتمرات ميونخ حيث اعتاد العمل في فضاء اللقاءات الجانبية أكثر من المنصات العلنية، مدركا أن القرارات الحقيقية تتشكل في المساحات الضيقة بين القادة لا في القاعات الكبرى.
اللافت أن نهجه التفاوضي لم يعتمد على الشعارات بل على مفهوم المصالح المتبادلة، ففي نقاشاته مع الأوروبيين طرح العراق بوصفه شريكا في أمن الطاقة وفي إدارة ملف الهجرة وفي محاربة الشبكات المتطرفة، وفي محادثاته مع الأمريكيين ركز على الانتقال من علاقة عسكرية إلى علاقة مؤسساتية طويلة الأمد، أما مع دول المنطقة فقد قدم فكرة العراق الوسيط الذي يستطيع تخفيف الاحتكاك لا تعميقه، كما في دوره في دعم كرد سوريا، هذا التنوع في الأدوار أعاد إحياء صورة قديمة في الدبلوماسية العراقية حين كانت بغداد مساحة تواصل بين عواصم متخاصمة، لكن الفارق اليوم أن هذه الصورة تبنى عبر التفاوض الهادئ لا عبر الخطابات الكبرى.
من منظور استراتيجي يمكن القول إن ما جرى في ميونخ يتعلق بطريقة تفكير جديدة داخل النخبة العراقية، حيث يجري الانتقال من دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية المبادرة، وبارزاني هنا ليس استثناء بل تعبير عن هذا التحول، إلا أن أسلوبه العملي ساعد في تجسيد الفكرة بشكل ملموس، فهو يميل إلى تجنب التصريحات الحادة ويعتمد بدلا منها على بناء قنوات اتصال طويلة، وقد ظهر ذلك في استمرارية لقاءاته مع نفس القادة عبر سنوات، ما خلق درجة من الثقة المتراكمة نادرا ما حظي بها مسؤول عراقي في العقود الأخيرة.
ما بعد ميونخ يكشف أن المكسب الحقيقي لم يكن اتفاقا معلنا بل إعادة تعريف الدور، فحين ينظر صانع القرار الدولي إلى العراق باعتباره طرفا قادرا على شرح تعقيدات المنطقة بدلا من أن يكون مجرد موضوع للنقاش فإن ميزان التفاوض يتغير، وهذا ما حدث فعليا إذ باتت بعض الملفات الإقليمية تناقش مع بغداد لا حولها، وهي نتيجة تعكس نجاح استراتيجية الصبر الدبلوماسي التي اتبعت في السنوات الأخيرة.
في قراءات المراكز البحثية الأوروبية في مشاركة السيد نيجيرفان في مؤتمرات سابقة ، وعقب هذا المؤتمر ظهرت إشارات إلى أن العراق يمكن أن يؤدي دور الوسيط في أكثر من ملف إقليمي، وهذه القراءة لم تأت من فراغ بل من ملاحظة قدرة المفاوض العراقي على مخاطبة أطراف متعارضة دون أن يفقد ثقة أي منها، وقد ساعد على ذلك أن الخطاب العراقي لنيجيرفان لم يعد يقوم على الاصطفاف بل على فكرة المصالح المشتركة في الاستقرار الاقتصادي والأمني، وهي لغة يفهمها الجميع في عالم يتجه نحو البراغماتية.
التحدي القادم لن يكون في تكرار الظهور الدولي بل في تحويل الحضور إلى سياسات داخلية تعزز المصداقية، فالدبلوماسية الناجحة تحتاج سندا اقتصاديا وأمنيا في الداخل، وما أظهره نيجيرفان في ميونخ أن العالم مستعد للاستماع إلى العراق بشرط أن يواصل تقديم نفسه كنموذج توازن، وهنا يظهر دور المفاوض في ربط السياسة الخارجية بالإصلاح الداخلي بحيث تصبح الرسالة الخارجية انعكاسا لواقع مستقر لا وعدا مؤجلا
يمكن قراءة تجربة ميونخ 2026 ومشاركة نيجيرفان بها، كخطوة في مسار أطول لإعادة بناء هوية العراق التفاوضية، فقد انتقل من دولة تبحث عن حماية إلى دولة تعرض شراكة، ومن موقع الدفاع إلى موقع الحوار، وهذه النقلة لا تتحقق ببيان واحد بل بسلسلة أفعال متراكمة، وقد شكلت مشاركة بارزاني في هذا المؤتمر إحدى أبرز لحظاتها لأنها أعادت تقديم العراق كصاحب رأي في النظام الدولي لا مجرد متأثر به.
في عالم يتجه نحو تعددية مضطربة يصبح وجود مفاوض قادر على فهم حساسيات القوى الكبرى شرطا للبقاء خارج الصراعات، والعراق بحكم موقعه لا يستطيع الانعزال، لذا فإن استراتيجيته الجديدة تقوم على الانخراط المدروس، وقد أظهر مؤتمر ميونخ 2026 أن هذه المقاربة بدأت تثمر، فبدلا من الحديث عن العراق كملف أمني بات الحديث عنه كشريك سياسي، وهو تحول بطيء لكنه عميق في آثاره على المدى الطويل.
ما بعد المؤتمر ليس مرحلة هدوء بل مرحلة اختبار لاستمرار هذا الدور، فإذا تمكنت بغداد واربيل من استثمار الزخم الدبلوماسي في اتفاقات اقتصادية وأمنية متوازنة فإن صورة المفاوض العراقي ستترسخ، أما إذا بقيت النتائج ضمن الإطار الرمزي فسيعود التوصيف القديم تدريجيا، ولهذا تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في تحويل النجاح المعنوي إلى مكسب استراتيجي دائم وسط ازمة العراق الحكومية والمالية حاليا.
بهذا المعنى لم يكن ميونخ 2026 حدثا عابرا بل نقطة انعطاف في إدراك العالم لطبيعة الدور العراقي، وقد لعب نيجيرفان بارزاني خلاله دور الواجهة التي أعادت تقديم هذا الدور بلغة هادئة وحسابات دقيقة، ليصبح السؤال المطروح بعد المؤتمر ليس ماذا يريد العالم من العراق بل ماذا يستطيع العراق أن يقدمه للنظام الدولي الباحث عن توازن جديد، وهذا بحد ذاته تغير في المعادلة يعيد رسم موقع الدولة في خريطة السياسة العالمية، فصورة المفاوض حين تتبدل تتبدل معها طريقة التعامل مع بلاده، والعراق اليوم يقف عند هذه اللحظة الفاصلة بين ماضي الأزمات وإمكانية التحول إلى لاعب توازن إقليمي ودولي.