كيف تؤثر نيران الحرب في العملات والأسهم والنفط وحركة التجارة؟

خالد المنشاوي:تحذيرات من صدمة كبيرة في الأسواق الناشئة مع هرب "الأموال الساخنة" واتجاه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة.

مارس 1, 2026 - 14:39
كيف تؤثر نيران الحرب في العملات والأسهم والنفط وحركة التجارة؟

صدمة جديدة في مسيرة الاقتصاد العالمي بعد الهجوم على إيران وتوسع دائرة الصراع في الشرق الأوسط، إذ يضع هذا المشهد الجيوسياسي المضطرب الأسواق الدولية أمام اختبار جديد وأكثر قسوة، وسط مخاوف من تداعيات قد تمتد إلى معدلات النمو العالمي والتجارة والتضخم وأسواق الأسهم والعملات.

وتعد منطقة الخليج العربي محوراً رئيساً لإمدادات الطاقة عالمياً، وينظر إلى أي تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز باعتباره عاملاً مباشراً لرفع أسعار النفط.

وتشير تقديرات الأسواق إلى احتمالية تجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ100 دولار في حال اتساع نطاق التوتر، مع زيادة كلفة الشحن والتأمين البحري.

من المرجح أن تمتد الزيادات إلى أسعار الغازالطبيعي والمنتجات البترولية، مما ينعكس على كلفة الإنتاج عالمياً، ويرفع معدلات التضخم، ويؤثر في القدرة الشرائية للأسر، وبخاصة في الاقتصادات المستهلكة للطاقة، وكل ذلك يقود بصورة مباشرة إلى تباطؤ الاستهلاك، الذي يمثل ركيزة أساس للنمو في معظم الدول والاقتصادات الكبرى.

تأثير سلبي على حركة السفن والشحن وسلاسل الإمداد

في سياق التوقعات، تشير تقديرات صادرة عن مؤسسات دولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين إلى أن أية قفزات كبيرة ومستمرة في أسعار الطاقة يمكن أن تقلص النمو العالمي، بما يراوح ما بين 0.2 و0.5 في المئة مقارنة بالتوقعات السابقة، وخصوصاً إذا طال الصراع الحالي الشرق الأوسط.

وغالباً ما تنعكس التوترات العسكرية الإقليمية على حركة السفن التجارية وكلفة الشحن البحري وسلاسل الإمداد الصناعية، وتعتمد اقتصادات صناعية في أوروبا وآسيا بدرجة كبيرة على واردات الطاقة والمواد الخام من المنطقة، مما يجعلها أكثر عرضة لارتفاع كلفة النقل والتأمين.

ومن المتوقع أن تتسبب الزيادات في أسعار الطاقة وكلفة الشحن في ارتفاع أسعار السلع الوسيطة، وهو ما يؤثر بدوره على قطاعات مثل الصناعات الثقيلة والسيارات والتكنولوجيا وحتى الغذاء.

ومن المرجح أن تتراجع حركة التجارة العالمية مع ارتفاع الأخطار الجيوسياسية وتقلبات أسعار العملات، فضلاً عن عزوف نسبي من المستثمرين عن الأسواق عالية الأخطار.

وفي حال اتساع رقعة الصراع، تميل مؤشرات الأسهم العالمية إلى التراجع، بينما ترتفع أسعار الذهب والفضة باعتبارهما ملاذاً آمناً، وسيرتفع الدولار الأميركي نتيجة تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الأكثر أماناً. وتؤدي التقلبات الحادة إلى تآكل جزء من ثروات المستثمرين وتراجع شهية المخاطرة، مما ينعكس على خطط التوسع والاستثمار لدى الشركات، ويزيد من حذر المؤسسات المالية.

العالم يقترب من حيز الركود الاقتصادي سريعاً

في تعليقها، قالت المتخصصة في الشأن الاقتصادي والطاقة الدكتورة وفاء على إن ما تشهده المنطقة من هجمات على إيران يعد مشهداً جيوسياسياً بالغ الأهمية له تأثيرات على أجندة الاقتصادات العالمية على رأسها ملف الطاقة.

وأوضحت ضمن تصريحات حديثة أن ما يحدث سيكون له هزات ارتدادية لبنية الاقتصاد وحدوث انكشاف قياسى، لافتة إلى عودة سيناريو نقص إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط وتوقع وصول سعر برميل النفط إلى 80 دولاراً.

وأشارت إلى أن تلك الضربات تأتي خلال وقت يعاني فيه العالم التضخم وارتفاع أسعار الفائدة والحروب التجارية وحالاً من عدم اليقين تجعل المستثمرين يذهبون إلى الملاذات الآمنة، لافتة إلى أن هذه الأحداث ليست محلية وإنما تمتد تأثيراتها في بنية الاقتصاد العالمي سواء ملف المعروض من الطاقة أو التجارة العالمية والسيولة المالية وارتفاع كلفة الشحن.

وفي ما يتعلق بمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من حركة تجارة النفط عالمياً، فإن تهديده سيزيد الأزمة تعقيداً، وبخاصة مع إغلاق المضيق، إذ سيدخل العالم إلى حيز الركود الاقتصادي سريعاً مع ارتفاع الأسعار.

وكشف المتخصص الاقتصادي الدكتور هاني قداح أن تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط يضع اقتصادات الدول الناشئة أمام اختبار صعب، محذراً من أن التداعيات لن تتوقف عند حدود السياسة، بل ستمتد سريعاً إلى أسواق الطاقة وسعر الصرف وحركة الاستثمارات.

وقال إن أخطر ما في المشهد الحالي هو احتمال اتساع نطاق العمليات بما يمس طرق إمدادات الطاقة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز، لافتاً إلى أن أي تعطيل لحركة الملاحة في هذا الممر الحيوي قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، على غرار ما حدث خلال عام 2008 عندما تجاوز سعر البرميل 147 دولاراً، وهو سيناريو ستكون له آثار سلبية مباشرة على الدول المستوردة للطاقة، ومنها مصر.

وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط لا ينعكس فقط على فاتورة الاستيراد، بل يمتد أثره إلى كلفة الإنتاج والنقل، مما يعزز الضغوط التضخمية ويضع الموازنات العامة أمام تحديات إضافية، وبخاصة في ظل سعي عدد من الدول إلى ضبط عجز الموازنات وخفض مستويات الدين.

المستثمرون يهربون إلى الملاذات الآمنة

وفي ما يتعلق بالأسواق الناشئة، أشار قداح إلى أن حالة عدم اليقين تدفع المستثمرين الأجانب إلى تقليص مراكزهم في أدوات الدين والأسهم بحثاً عن ملاذات أكثر أماناً، لافتاً إلى أن مجرد تصاعد التوترات خلال الأسبوع الماضي أسهم في خروج نحو 1.2 مليار دولار من استثمارات الأجانب في مصر، وهو ما انعكس في تراجع الجنيه المصري بأكثر من اثنين في المئة خلال فترة قصيرة.

أوضح أن ما يعرف بـ"الأموال الساخنة" تتحرك بسرعة شديدة مع أي تغير في درجة الأخطار، مما يجعل سوق الصرف عرضة لتقلبات حادة في مثل هذه الأوقات، مؤكداً أن استمرار التوتر قد يعني مزيداً من الضغوط على العملة المصرية ما لم تهدأ الأوضاع أو تتدخل سياسات نقدية ومالية لامتصاص الصدمة.

وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب قدراً عالياً من الانضباط في اتخاذ القرارات الاقتصادية والاستثمارية، محذراً من الانسياق وراء ردود الفعل العاطفية، ولفت إلى أن سرعة احتواء الأزمة ستحدد إلى حد كبير حجم التأثير في الاقتصاد المصري خلال الأسابيع المقبلة.

دول أوروبا تتصدر قائمة المتضررين

في السياق، قال عميد هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية الدكتور عطية عطية إن العمليات العسكرية سيكون لها تأثيرات مباشرة على أسواق الطاقة، لافتاً إلى أن أسعار النفط والغاز ستشهد ارتفاعات ما بين 10 إلى 15 في المئة، وذلك وفقاً لحجم الضربة العسكرية ومدى استمراريتها.

أوضح ضمن تصريحات حديثة أن مضيق هرمز كممر بحري استراتيجي في حركة تجارة النفط والغاز عالمياً أصبح مرتبطاً بالحروب والأزمات التي تشهدها تلك المنطقة، لكن الدول الأكثر تضرراً بالهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على إيران في ما يتعلق بأمن الطاقة هي أوروبا وبعض دول الشرق الأوسط.

وأوضح أن الولايات المتحدة قامت بتأمين حاجاتها من الطاقة قبل بدء تلك الضربات، كما أنها تمتلك مخزوناً استراتيجياً هائلاً من النفط والغاز.

وفي مذكرة بحثية حديثة، قال بنك "باركليز" إن خام "برنت" قد يرتفع إلى نحو 80 دولاراً للبرميل في حال حدوث اضطراب كبير في الإمدادات، إذ لا يزال التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مرتفعاً.

وقال البنك "في حين أنه من الممكن تماماً ألا يؤدي التصعيد إلى انقطاع في الإمدادات وأن تتلاشى بسرعة علاوة المخاطرة البالغة نحو ثلاثة إلى خمسة دولارات للبرميل في أسعار النفط، فإن انقطاع الإمدادات بمقدار مليون برميل يومياً، سيزيد من الشكوك حول فائض المعروض المتوقع على نطاق واسع ويدفع خام ’برنت‘ إلى 80 دولاراً للبرميل".