الحروب الحديثة... حين يصبح اللاحسم استراتيجية
احمد عبد الحكيم
في عالم يتداخل فيه السياسي والاقتصادي والتكنولوجي مع ما هو أمني وعسكري، تحولت مفاهيم الحروب وتعددت أنواعها، وباتت مساراتها الأكثر كلفة وتعقيداً تتباين في مشاهدها ومضامينها عما شهدته في صورها التقليدية، وعليه أصبحت مفردات كـ"الحسم العسكري" أو "الانتصار المطلق" محض تباين في تفسيراتها وتأويلاتها بين الأطراف المتحاربة.
الحروب الحديثة التي أصبحت تختلف وفق الخبراء والمراقبين، في أسلحتها المستخدمة وأساليب إداراتها، فضلاً عن خططها الاستراتيجية والتكتيكات العسكرية في الدفاع والهجوم معاً، لم تعد غاياتها المطلقة السيطرة على الأرض وقهر الخصم حتى الاستسلام، بل أصبح "الإنهاك والإضعاف" مرادفات أكثر أهمية إلى جانب التحكم في السرديات والموارد لتحقيق الغايات السياسة، والتي قد تبقى في بعض حالات الصراع مفتوحة من دون نهاية حتى بعد توقف المعارك.
وكحال عدد من الحروب التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة سواء في أفغانستان أو العراق مروراً بجولات الصراع الإسرائيلية في لبنان وغزة، ووصولاً إلى الحرب الروسية - الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام، يعاد السؤال الأكثر إلحاحاً للطرح، هو كيفية فهم جولة الحرب الإيرانية التي علقت موقتا أخيراً عملياتها العسكرية بين واشنطن وطهران، وما إذا كانت الحروب الحديثة قادرة على تحقيق "حسم مطلق" عبر الأدوات العسكرية وحدها، أم أن طبيعة الصراعات الجديدة، بما تتسم به وفق ما يصف العسكريون من "لا تماثل، وتعدد للفاعلين، وامتداد جغرافي غير تقليدي"، أفرغت مفهوم الحسم من مضمونه؟ وأصبح "اللاحسم" خياراً استراتيجياً بحد ذاته؟ أم أننا أمام إعادة تعريف لمفاهيم الحرب بما فيها "الحسم"، بحيث يتحقق تدريجاً عبر تراكم ممزوج بين ما هو سياسي وأمني واقتصادي ونفسي وتكنولوجي، لا عبر معركة فاصلة واحدة؟
الحروب والحسم العسكري تقليدياً
تقليدياً كانت "الحروب" أو "الصراعات العسكرية" من بين المصطلحات المعقدة والمركبة في تعريفها وتحديد ماهيتها، وعلى رغم تغير الأساليب والوسائل التي تشن وتدار بها باختلاف الأزمان والعصور، فإنها بقيت راسخة من حيث الجوهر والغاية. ولعل ما طرحه المؤرخ الاستراتيجي البروسي الشهير كارل فون كلاوزفيتز (1780/1831) كان الأقرب إلى توصيفها "كلاسيكياً"، حين اعتبر أن الحرب ما هي إلا "امتداد للسياسة ولكن بوسائل أخرى أكثر عنفاً ودموية"، وأن التنفيذ الفعلي لها ما هو إلا صراع إرادات يُراد به كسر إرادة الخصم (العدو) وإخضاعه لتحقيق الهدف الاستراتيجي وهو "تنفيذ إرادة" المنتصر.
وأمام هذا التوصيف، كان يُقرأ كثير من الحروب والصراعات الكبرى عبر التاريخ، وكذلك الاستراتيجيات التي انتهجتها الأطراف المتحاربة، على رغم اختلافها عن بعضها بعضاً من حيث أشكال الأسلحة المستخدمة والخطط الاستراتيجية والعسكرية للقيام بها، لا سيما مع سعى الإنسان على مر العصور إلى توسيع مدى أسلحته وقدرات فتكها.
وتشير الأدبيات العسكرية إلى التطورات التي شهدتها الحروب على مر العصور، من بدائية بين المجتمعات القبلية إلى الحرب بين المجتمعات القائمة على الاقتصاد الزراعي، ثم الحرب بين المجتمعات الصناعية. وشهدت أدوات الحرب تغيرات ثورية بدءاً من القتال بالأقواس والسهام، إلى اختراع البنادق والمدافع ثم الدبابات والطائرات والصواريخ، وصولاً إلى ما تشهده حالياً الحروب من ثورة تكنولوجية ومعرفية أنتجت أسلحة أكثر فتكاً وتدميراً أحدثت تحولات جذرية في إدارة الحرب ومفاهيمها.
وبقدر التحول الذي شهده العتاد العسكري وقدراته، تغيرت كذلك مضامين الاستراتيجيات بصورها التقليدية، إذ كانت تتلخص في السابق في القضاء على جيش العدو أو الاستيلاء على مدنه، وذلك عبر الانتقال بكامل الجيش بقصد الالتقاء مع الجيش المقابل في ساحة المعركة، مستخدماً مجموعة من الخدع ووسائل التضليل لتحقيق النصر وكسب الحرب، وهو الشكل التي بقيت عليه تقريباً غالب الاستراتيجيات العسكرية حتى نهاية القرن الـ18، لكن مع التعقيدات التي شملت الحرب والمجتمع معاً باتت الاستراتيجية تتداخل فيها عوامل أخرى غير عسكرية مثل العوامل الاقتصادية والنفسية والمعنوية والسياسية.
وخلال القرن الـ19 الذي تميز ببزوغ الدول القومية في أوروبا والمصحوب بنهوض صناعي وتقني وعلمي شمل المجالات كلها، تطورت عمليات التسليح وصناعة الأسلحة، إلى جانب تطور الطرقات ووسائط النقل، وحولت كل هذه التطورات تشكيلات المناورة، وكانت أحد السمات الرئيسة للحرب الصناعية هي مفهوم "الحرب الشاملة"، الذي صاغه الجنرال الألماني الشهير إريك لودندورف خلال الحرب العالمية الأولى، حين دعا فيه إلى التعبئة الكاملة وإخضاع جميع الموارد، بما في ذلك السياسات والأنظمة الاجتماعية في المجهود الحربي الألماني. وعليه تحولت استراتيجيات الحرب وأصبح شنها بشراسة مطلقة، بحيث "لا تقتصر على أهداف عسكرية مشروعة بحتة" بل يمكن أن تؤدي إلى معاناة وخسائر مدنية هائلة أو غير قتالية، عبر تحويلها كأهداف لتدمير قدرة العدو على الانخراط في الحرب. ويرجع المؤرخون العسكريون ظهور الحرب الشاملة في القرن الـ19 إلى ثورة التصنيع التي شهدتها البلدان الأوروبية مع نمو رأس المال والموارد الطبيعية للبلدان.
وعلى رغم التحولات التي شهدتها الحروب على مستويات التسليح والإدارة والاستراتيجية، كان تقليدياً هناك ثمة معايير صريحة ودلالات رمزية واضحة على تحقيق النصر، والتي تشمل وفق ما كتب عنها بون بارثولوميز الباحث الأميركي البارز في مجال الدراسات الاستراتيجية والتاريخ العسكري في كتابه "نظرية النصر"، "اعتراف أحد الأطراف بالهزيمة، أو توقيع اتفاق أو معاهدة سلام تقر نتائج الحرب لمصلحة أحد الطرفين، أو إعلان الاستسلام"، معتبراً أنه حتى تكون النتيجة حاسمة "لا بد أن يكون النصر دائماً لا موقتاً، بحيث لا تعقبه عودة النزاع مجدداً"، مشيراً إلى أنه في العادة، تؤدي تلك النتائج الواضحة إلى حل القضايا السياسية التي نشأت من أجلها الحرب من خلال فرض أحد الأطراف رؤيته وشروطه، وربما بمراعاة مطالب محددة للطرف المستسلم. ووفق بارثولوميز، فإنه "بخلاف ذلك، يصبح مفهوم النصر تقييماً أو رأياً أو مجموعة آراء، وتبقى نتيجة الحرب مفتوحة للتأويلات والادعاءات". وعليه يرى الباحثون أن توقيع اليابان على وثيقة الاستسلام خلال الثاني من سبتمبر (أيلول) 1945، التي وضعت حداً للحرب العالمية الثانية، كان آخر انتصار واضح المعالم، قبل أن تنتقل الحروب إلى حقبة جديدة في التاريخ الإنساني تتميز في الصراعات العسكرية بغموض نهاياتها، مما فتح باب البحث عن ضرورة وضع تعريف جديد لمفهوم النصر.
هذه الفرضية كتب عنها المتخصص في مجال العلوم السياسية بجامعة غلاسكو في اسكتلندا سيان أودريسكول، صاحب كتاب "الانتصار ومأساة الحرب العادلة" قائلاً في مقالة له بموقع "كونفرزيشن" إن "شبح الحروب المعاصرة التي لا تنتهي، يجعلنا نعيد التفكير في فكرة النصر، وهل تكتسب دلالة خاصة ومختلفة في الحال المعاصرة"، معتبراً أن "الإيمان بفكرة النصر في الحرب الحديثة ليست أكثر من أسطورة"، وعليه فقد حان الوقت للتفكير مرة أخرى وبصورة أعمق مما فعلنا من قبل، حول معنى النصر في حروب.
وتشير تقديرات العسكريين والخبراء إلى تحول جذري في طبيعة الصراعات المعاصرة، بعدما انتقلت المواجهات من الحروب الخاطفة والحسم العسكري السريع إلى الاستنزاف الطويل الأمد والمعقد إقليمياً، مما يظهر بوضوح أن موازين القوى التقليدية بدأت تتآكل أمام استراتيجيات جديدة تعتمد على النفس الطويل واللامركزية والقدرة على الصمود المادي والنفسي.
الحسم العسكري والحروب الحديثة
على وقع ما شهدته ميادين التسليح من تطور متراكم في الكم والنوع والتكنولوجيا، وتغير آليات ووسائل الاشتباك الميداني في مسارح العمليات العسكرية، تنوعت وتعددت المفاهيم العسكرية والاستراتيجيات على مستويات شكل ومضمون الحروب ونتائجها.
وأمام مستويات استعانة غير مسبوقة بالتقنيات التكنولوجية والحاسوبية في إدارة المعارك وتسليحها، لم يعد تحقيق "الحسم العسكري" حكراً على الأدوات العسكرية وحدها، لا سيما في ظل ما باتت تتسم به طبيعة الصراعات الحديثة، وفق ما يقول مراقبون، بـ"اللاتكافؤ واللاتماثل"، فضلاً عن تعدد الفاعلين، وهو ما فتح الباب لإعادة تعريف "مفاهيم الحسم العسكري والنصر المطلق". وهو ما تجلي في عدد من الحروب التي شهدها العالم ومنطقة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، كما في العراق وأفغانستان وغيرهما.
ولتفسير تلك التحولات، يقول العميد أيمن الروسان المحلل الأردني المتخصص في شؤون الدفاع إن "مفهوم الحسم العسكري أصبح بعيداً من الحروب الحديثة؟"، موضحاً أن "طبيعة الحروب الحديثة والتطور المتسارع في منظومات التسليح وتقنيات الاستطلاع والمراقبة أحدثت تحولاً جوهرياً في هذا المفهوم، ولم يعد الحسم يعرف بإنهاء العمليات القتالية عبر ضربة قاصمة أو اختراق عملياتي سريع، بل أصبح هدفاً معقداً يتأثر بتعدد مجالات القتال وتشابكه"، معتبراً أن "بيئة العمليات الحالية التي تتسم بالكشف المستمر لساحة المعركة عبر الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة حدت بصورة كبيرة من إمكانية تحقيق المباغتة العملياتية، مما أضعف فرص الوصول إلى حسم سريع في الحروب".
وذكر الروسان في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أنه "إلى جانب هذه المتغيرات التكنولوجية التي لم تكن موجودة في الحروب التقليدية، أدى اعتماد الخصوم على تكتيكات الحرب غير المتكافئة، والضربات الدقيقة بعيدة المدى والعمليات السيبرانية، إلى تقويض قدرة أي طرف على فرض سيطرة حاسمة في زمن قصير، وعليه بات الحسم في الحروب الحديثة يأخذ طابعاً تراكمياً طويل الأمد يبنى على استنزاف القدرات، وإدارة العمليات المشتركة وفرض معادلات ردع متعددة المستويات، بدلاً من تحقيق نصر تقليدي واضح المعالم"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن "الحسم لم يعد غائباً، لكنه أصبح نسبياً، تدريجاً، ومرتبطاً بإدارة الصراع بقدر ما هو مرتبط بحسمه".
واعتبر الروسان أن "استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة غالباً ما تحول ديناميكيات الحروب إلى حرب استنزاف بدلاً من إمكانية تحقيق انتصارات عسكرية حاسمة"، معتبراً أن "حرب الاستنزاف مفهوم استراتيجي يعني أنه لكي يُنتصر في حرب ما، يجب إضعاف العدو إلى حافة الانهيار من طريق القدرة على إحداث خسائر بشرية أو عسكرية من قبل الجهة التي تملك نفساً طويلاً على الحرب وقدرة أقل على المواجهة"، معتبراً أن "الحروب الحديثة تميل إلى مراحل الاستنزاف كخيار واقعي، وهو هدف أصبح شائعاً ضمن السياق العسكري وتعززه بيئة القتال الجديدة، لتحقيق الأهداف الاستراتيجية".
في الاتجاه ذاته، يقول العميد سعيد قزح المتخصص العسكري والاستراتيجي اللبناني إن "مفهوم الحسم العسكري لم يعد متمثلاً في استسلام جيش بالكامل أو سقوط عاصمة لإنهاء صراع، بل أصبح عملية معقدة ومتعددة الأبعاد"، معتبراً في الوقت ذاته أن "النصر لم يعد بالضرورة تدمير القوة المادية للخصم وحدها".
وأرجع قزح في حديثه إلينا، المتغيرات التي شهدها مفهوم الحسم العسكري في الحروب لأسباب عدة "أولها أن الخطوط الفاصلة بين الجيوش لم تعد موجودة، بمعنى أنه لم يعد هناك جيش بمفاهيمه التقليدية يواجه جيشاً آخر، بل أصبحت العلميات العسكرية كلها هجمات توصف بالحرب الهجينية، التي يتداخل فيها العمل العسكري مع الهجمات السيبرانية والضغوط الاقتصادية وحرب المعلومات. وعليه، لم يعد القضاء على القدرات العسكرية التقليدية والكلاسيكية من جيوش وقوات ومعدات هي الأساس لتحقيق الانتصار".
وتابع قزح "فضلاً عن تغير مفاهيم المواجهات العسكرية في الحروب الحديثة، ظهرت عوامل أخرى في الحروب الأخيرة، من بينها مواجهة جيش كلاسيكي لجيوش وقوات غير نظامية، ما يجعل التفوق العسكري والتكنولوجي التقليدي يفقد بعض من قوتها وقدرتها على الحسم"، مشيراً في الوقت ذاته إلى تحول الحروب إلى مراحل استنزاف أصبح أكثر ما يميز الحروب الحديثة، وعليه فإن "من يملك القدرة الأقل قد يكون قادر على استنزاف من يملك القدرة الأكبر ويجره لحرب طويلة بوسائل قليلة الكلفة والحداثة، لا سيما بعد أن باتت التكنولوجيا أو الأسلحة الحديثة مثل المسيرات والصواريخ الباليسيتية والصواريخ المضادة للدروع، متاحة للجميع، وتحول الدفاع لأن يكون أقل كلفة وفاعلية من الهجوم الخاطف والتي تؤدي إلى جمود الجبهات وكسر إرادة الخصم".
وذكر قزح أن "هناك أمراً آخر قد يدفع إلى حروب الاستنزاف من دون حسم، مع استمرار القدرة على إنتاج الذخائر وتعويض الخسائر البشرية"، موضحاً أنه "طالما بقي لدى الطرفين دعم خارجي وصناعي تبقى الحرب من دون حسم"، مشيراً إلى أن "الحسم في الحروب الحديثة لم يعد مسألة من يملك السلاح الأقوى، بل من يستطيع تحمل الألم لفترة أطول، مما يعني أن الصلابة في بعض الأحيان تكون أهم من القوة الضاربة".
من جانبه، يشير اللواء محمد الشهاوي رئيس أركان حرب الحرب الكيماوية السابق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية إلى "الكلفة الاقتصادية" كمعيار حاكم للقدرة على الحسم في الحروب والمعارك، موضحاً في حديثه معنا أن ما يُعرف بـ"الاستنزاف الاقتصادي" في الحروب الحديثة يؤدي إلى رفع الكلفة على الأطراف المتحاربة، مما يصعب "تحقيق انتصار مطلق"، ويحول الصراعات إلى حروب استنزاف، في ظل "قدرة الجيوش والدول على القتال لفترات طويلة، وتمكن الأطراف من الإبقاء على درجات التكامل بين العمليات العسكرية والاقتصادية، اللتين تعدان وجهين لعملة واحدة".
وذكر الشهاوي أنه "بتطور وسائل الإنتاج وإتاحية الوصول إلى التكنولوجيا القاتلة التي أصبحت أكثر سلاسة بالنسبة إلى الجميع وإن بدرجات متفاوتة، أضحى بمقدور جميع الأطراف امتلاك وسائل ضاربة متقدمة، وهو ما جعلها قادرة على تشتيت قوة الخصم بعيداً من مراكزها المعتادة، مما يصعب من عملية تتبع مصادر الخطر ويعمق ما يعرف بلا مركزية القوة، الذي يقود إلى تفاقم الأعباء اللوجيستية والمادية لمواجهة التحديات الأمنية الناشئة عن التكنولوجيا".
الحرب الإيرانية "تهدئة أم تصعيد مرتقب"
لم تكن الحرب الإيرانية الأخيرة نموذجاً مختلفاً عما باتت تعرفه الحروب الحديثة، على مستوى العمليات والأسلحة المستخدمة، وحتى في ما يتعلق بمفاهيم "الحسم العسكري والنصر المطلق"، فمع إعلان تعليقها لمدة أسبوعين لإفساح المجال لمفاوضات سياسية على القضايا الخلافية بين أطرافها، أعلنت كل من واشنطن وطهران النصر وإخضاع كل طرف الطرف الآخر لشروطه، على رغم تباين الحسابات وكذلك التبعات والأضرار التي لحقت بكل طرف.
وتطل "جدلية النصر والهزيمة" في الحروب الحديثة برأسها من جديد كونها قضية كانت ولا تزال مثار نقاش دائم بين الباحثين والمفكرين، وهو أمر يوضحه اللواء محمد الشهاوي في حديثه إلينا قائلاً "الحرب الإيرانية الراهنة حالها كحال الحروب الحديثة، تحقيق النصر الحاسم لأي طرف غاية يصعب تحقيقها"، مضيفاً "قد يكون خيار النصر النسبي هو الأكثر قبولاً، وهو ما يعني محاولة الأطراف المتحاربة صك سردية تحمل نصراً ولو جزئياً بهدف إقناع الرأي العام المحلي والخارجي بأن تحقيق بعض الأهداف يعد نصراً في حد ذاته، على رغم الكلف المادية والبشرية والمعنوية المدفوعة مقابل تلك الأهداف الجزئية المتحققة".
وعلى فرضية "هشاشة" وقف إطلاق النار الراهن في الحرب، وفق ترجيح كثر، يعرب الشهاوي عن اعتقاده بأن "سيناريو عودة الحرب قد يكون حرب استنزاف طويلة على جميع الأطراف، وهو خيار قد يحمل بين مضامينه تصعيداً غير مسبوق على دول المنطقة كافة".
وفي محاولته لتفسير استراتيجية طهران في الحرب، أوضح العميد أيمن الروسان أن "إيران تدرك جيداً أنها لا تملك القدرة والقوة على استمرار المواجهة المباشرة بصورها التقليدية مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، وعليه لجأت لاستراتيجية الحرب غير المتكافئة، بمعني الدفع باتجاه حرب استنزاف وتوسيع مدى المعارك جغرافياً في محاولة لتوريط أطراف غير منخرطة في الصراع بهدف إشاعة حالٍ من عدم الاستقرار والفوضى كنوع من الضغط".
جانب آخر في استراتيجية إيران في الدفع نحو الحرب "غير المتكافئة" أو "اللامتماثلة"، يشير إليه العميد سعيد قزح، هو "تمكن إيران من توزيع وتنويع قواعد الاشتباك في الإقليم عبر دفع وكلائها في لبنان واليمن والعراق للانخراط في الصراع بهدف تشتيت قدرة الخصم على تحقيق ضربة قاضية، وعليه تشتيت التركيز والجهود، وهو ما مكنها من إظهار بعض الصمود أمام كثافة النيران الأميركية والإسرائيلية".
وتعد ظاهرة "اللاتماثل" التي تتمير بنمط من القتال تختلف فيه أهداف ووسائل وأساليب أطراف النزاع اختلافاً جوهرياً مع وجود تفاوت كبير في القوة وإطار من المواجهة العسكرية غير المتكافئة (أي عدم تساوي الأطراف في القوة ونوع الأسلحة المستخدمة وتطورها وتوظيف التكنولوجيا المتاحة)، ليست بظاهرة جديدة في الحروب، إذ بدأت تظهر بوضوح في فترة ما بعد الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي خلال تسعينيات القرن الماضي، مع زيادة دور وتأثير التكنولوجيا في تطور الحرب، وعليه أصبحت من بين الخصائص الرئيسة للحروب الحديثة.