ثمن تجاهل الخطر الإيراني
جون بولتون
في 1938 نشر ونستون تشرشل مجموعة من الخطابات التي كان قد ألقاها في تلك الفترة، وقد صدرت في الولايات المتحدة في كتاب بعنوان "بينما كانت إنجلترا نائمة". في تلك الخطابات، حذر تشرشل الشعب البريطاني من التهديد المتصاعد الذي كانت تمثله ألمانيا هتلر، إلا أن تحذيراته قوبلت بتجاهل شبه تام داخل البرلمان وخارجه. وخلال تلك الأعوام، وقف تشرشل شبه وحيد، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا والولايات المتحدة تنهجان سياسة الاسترضاء تجاه تهديدات ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية، ونحن نعلم جيداً عاقبة ذلك.
لم تكن إيران تحت حكم آيات الله يوماً قوية بقدر أي من تلك القوتين في القرن الماضي، إلا أنها لو نجحت في تصنيع أسلحة نووية فإن تهديدها قد يفوقهما بأضعاف، فطهران لا تكتفي بمساعيها النووية، بل تعمل أيضاً على تعزيز شبكاتها المرتبطة بالإرهاب على نطاق واسع وتحصين نفسها بوسائل مختلفة، بما يعكس إصرارها على فرض نفسها قوة مهيمنة في الشرق الأوسط. وقف إطلاق النار الحالي لا يغير مساعيها.
بينما كانت إيران تعزز قدراتها لسنوات، لم يول العالم العربي ولا الولايات المتحدة اهتماماً كافياً لهذه التطورات شديدة الخطورة. بينما كنا غافلين، راكمت "الثورة الإسلامية" إمكانات تساعدها في الدفاع عن نفسها لفترة طويلة في مواجهة أي هجوم خارجي، وتمكنها من إغلاق منطقة الخليج ومضيق هرمز. كان الوضع سيئاً إلى درجة أنه كان من الأفضل ألا نستفيق له، لكن تخيلوا مدى خطورة هذه القدرات لو أضاف النظام الإيراني أسلحة نووية إلى ترسانته، لا يزال هناك متسع من الوقت لمنع هذه التهديدات من أن تصبح غير قابلة للاحتواء، إلا أن ذلك يتطلب إطاحة النظام الحالي في إيران.
لاحظوا ما تم الكشف عنه خلال الأسابيع القليلة الماضية فقط، في ما يتعلق بمساعي النظام الإيراني إلى فرض هيمنتهم على احتياطات النفطوالغاز في منطقة الخليج. لقد كانت تهديدات طهران للدول العربية المنتجة للنفط واضحة على الدوام بحكم الحقائق الجغرافية البسيطة، فالخليج ليس مسطحاً مائياً ضخماً، والمضيق يعد نموذجاً لنقطة جغرافية ضيقة. وقد تجاوز النظام مجرد التفكير في استغلال هذه الجغرافيا لمصلحته، لا بل كان يستعد لذلك بنشاط، كما أصبح واضحاً اليوم بصورة جلية.
قبل بدء الغارات الأميركية والإسرائيلية، كانت إيران تفاوض لشراء صواريخ مضادة للسفن تفوق سرعتها سرعة الصوت من الصين. كما أفادت تقارير إخبارية بأن طهران كانت تناقش مع بكين شراء "أنظمة دفاع جوي محمولة فردياً، وأنظمة دفاع مضادة للصواريخ الباليستية، وجميع هذه المساعي تعد انتهاكاً للعقوبات التي فرضها "مجلس الأمن" على إيران.
كما كانت طهران قبل اندلاع الحرب الراهنة بفترة طويلة تمتلك ترسانة كبيرة من القدرات المضادة للسفن، وإن كانت أقل تطوراً إلا أنها فتاكة. إن استعداد الصين لخرق عقوبات الأمم المتحدة يذكر بعنوان كتاب تشرشل "الأسلحة والميثاق"، الذي يشير إلى ميثاق عصبة الأمم، والعبرة أن العقوبات الأممية على إيران بلا قوة تسندها ليست سوى حبر على ورق.
لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، فقد أظهر دفاع أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي عليها في عام 2022، أن تكنولوجيا الطائرات بلا طيار أصبحت عاملاً جديداً حاسماً في مجال الأسلحة. الطائرات المسيرة "الانتحارية" البسيطة نسبياً ومنخفضة الكلفة، باتت تشكل تهديداً غير متكافئ لم يكن متوقعاً من قبل، خصوصاً عند إطلاقها على شكل أسراب. وتتصدر أوكرانيا العالم الآن في مجال تقنيات مكافحة الطائرات المسيرة، لكن الاستخدامات والتقنيات الهجومية والدفاعية للطائرات بلا طيار تتطور بسرعة كبيرة مدفوعة بضرورات ساحة المعركة. وبما أن إيران هي مورد رئيس للطائرات المسيرة لروسيا، فقد استفادت من خبرة قتالية مباشرة بطرق لم تتحقق لا لإسرائيل ولا الولايات المتحدة أو دول الخليج.
يمكن استخدام الطائرات بلا طيار للقيام بهجمات مباشرة على السفن، وأيضاً لإلقاء ألغام في مياه الخليج ومضيق هرمز من الجو، كذلك يمكن لتشكيلات من "القوارب السريعة" - الصغيرة وذات القدرة العالية على المناورة - الاقتراب من الناقلات بطيئة الحركة، واستخدام أسلحة محمولة مضادة أو أجهزة إطلاق صواريخ صغيرة، أو لإلقاء ألغام في مياه الخليج أو المضيق. وفيما يبدو أن الهجمات الأميركية قد دمرت نحو 30 سفينة إيرانية مخصصة لزرع الألغام إلا أن نشر ألغام بواسطة طائرات مسيرة أو زوارق سريعة، لا يزال عنصراً قادراً على جعل العبور البحري أمراً بالغ الخطورة، وهو ما تدركه إيران جيداً.
في المقابل، إن تدمير جميع الزوارق السريعة والطائرات بلا طيار ليس بالمهمة السهلة، وهو ما يبرهن مرة أخرى أن الأساليب غير المتكافئة يمكنها - في الأقل موقتاً - أن تحبط أنظمة الأسلحة الأكثر تطوراً، ما لم تبد القوة المتفوقة ما يكفي من الصبر والمثابرة.
من الواضح أن إيران عملت على تحصين مواقعها على أراضيها الرئيسة والجزر الاستراتيجية في منطقة الخليج ومضيق هرمز، وذلك استعداداً لإغلاق ممرات الملاحة البحرية عندما ترى طهران أن الأمر يصب في مصلحتها. وقد كانت الأنشطة على تلك السواحل والجزر واضحة لعقود من الزمن، في حين أننا لم نفعل تقريباً شيئاً لوقفها.
لم تكن إيران وحدها منخرطة في مثل هذه الأنشطة، فقد أفادت "وول ستريت جورنال" بأنه تم نشر "نظام تشويش على الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، مصنوع في روسيا" على جزيرة لارك الإيرانية، مما يمنح طهران قدرة بالغة الأهمية على إغلاق مضيق هرمز. وكثيراً ما طالبت دولة الإمارات العربية المتحدة باستعادة سيادتها على عدد من تلك الجزر مثل طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، مما يقدم مبرراً مهماً لواشنطن لمساعدة الإمارات في استعادة أراضيها السيادية.
خلاصة القول إن إيران كانت تحصن نفسها وأخفت محاولاتها عن الولايات المتحدة والعالم العربي، ما نكتشفه في الوقت الراهن ونأمل في القضاء عليه، هو تهديد سمحنا له بأن يتراكم نتيجة تقاعسنا. هذه الحقيقة مؤلمة، إلا أن من الأفضل مواجهتها الآن بدلاً من أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن آيات الله سيصبحون معتدلين. لم يحدث ذلك منذ 47 عاماً، ولن يحدث الآن أيضاً، لقد حان وقت الاستيقاظ.