مسؤول سابق بـ"البنتاغون": إيران تنهار عسكريا وتحركات الأكراد حساسة
يرى ديفيد دي روش، المدير السابق لشؤون الخليج في وزارة الدفاع الأميركية، أن إيران تقترب من "حافة الانهيار العسكري" وأن تراجع الهجمات الصاروخية الإيرانية كل يوم يعكس تآكلاً سريعاً في قدراتها. كما رجّح أن تقارير الإنزال الجوي في النجف تستهدف تحييد الميليشيات الموالية لإيران في العراق، لا فتح جبهة برية جديدة، مؤكداً أن أي غزو بري لإيران سيحتاج إلى أشهر طويلة من التحضير.
اندبندنت عربية:
في الوقت الذي تتسع فيه رقعة المواجهة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة أمنية غير مسبوقة، فعلى رغم أنها لم تنخرط في الحرب، إلا أن الهجمات الإيرانية تعيد تقييم حساباتها الاستراتيجية بين تجنب الانخراط في حرب لم تختارها من جهة، وضمان أمنها وسيادتها من جهة أخرى. هذا التحدي كان محور حديث ديفيد دي روش، المدير السابق لشؤون الخليج في وزارة الدفاع الأميركية، خلال مشاركته في برنامج "حوارات أميركية"، إذ قدّم قراءته لمسار الحرب، وقدرات إيران العسكرية المتبقية، والخيارات المتاحة أمام دول الخليج في ظل الضبابية التي تحيط بالأهداف النهائية لإدارة الرئيس دونالد ترمب.
أكدت دول الخليج حيادها قبل العمليات العسكرية ضد إيران، ومنذ انطلاقها حافظت على موقفها الدفاعي البحت، وهو ما يؤكده المسؤول السابق بقوله إن هذه الدول "رفضت منح الولايات المتحدة حق استخدام قواعدها العسكرية أو عبور أجوائها لتنفيذ العمليات، في حين احترمت الولايات المتحدة سيادة شركائها في المنطقة، وأطلقت معظم عملياتها من البحر أو عبر الأجواء السورية والعراقية".
لكن هذا الموقف الخليجي لم يمنع إيران من توسيع دائرة الصراع، مستهدفةً الدول الخليجية الست، وهو ما يعتبره دي روش "خطأ استراتيجياً سيُذكر في التاريخ"، وضرب مثالاً بعُمان التي لعبت دور الوسيط ومع ذلك تعرضت لهجوم. كذلك أطلقت إيران صواريخ باتجاه قطر التي كانت تُنتقد في واشنطن بسبب قربها لإيران، ويقول دي روش إنه سمع اعتراضات الصواريخ بنفسه أثناء وجوده في الدوحة.
ولا يتوقع المسؤول السابق أن تنخرط دول الخليج في حرب مفتوحة، فبحسب تقديره، ستعتمد ردودها على شكل إيران بعد انتهاء الحملة العسكرية، وقال، "رأينا بالفعل ردوداً قوية، إذ أسقطت القوات القطرية مقاتلتين إيرانيتين، وإذا أخذنا في الاعتبار أن إيران قد تخسر جزءاً كبيراً من قدرتها على إسقاط القوة، وبخاصة في ما يتعلق ببرنامجها النووي وبرنامجها الصاروخي، فأعتقد أننا قد نشهد نوعاً من التحرك العسكري الخليجي، لكن هذا التحرك سيكون على الأرجح محدوداً ومحدداً بدقة، وسيكون أقرب إلى رسالة سياسية لتأكيد السيادة الوطنية. ومع ذلك، لا أظن أن دول الخليج ستنضم بالكامل إلى الحملة العسكرية، أو تنخرط في حرب طويلة".
تحركات النجف والورقة الكردية
في خضم العمليات العسكرية، أثارت تقارير عن عملية إنزال في صحراء النجف بالعراق، إلى جانب حديث عن اتصالات أميركية مع الأكراد، تساؤلات حول احتمال فتح جبهة برية جديدة. لكن ديفيد دي روش يرى أن مثل هذه التحركات قد تكون جزءاً من تكتيكات عسكرية تهدف إلى تشتيت انتباه الخصم أكثر من كونها مؤشراً على خطة غزو فعلي.
ويشير إلى أن هذا الأسلوب ليس جديداً في العقيدة العسكرية الأميركية، مستحضراً تجربة حرب الخليج عام 1991، حين استخدمت الولايات المتحدة وجود قوات المارينز في الخليج كعملية تضليل لإبقاء القوات العراقية في حالة استنفار، على رغم أن عملية الإنزال البحري لم تُنفذ فعلياً.
ويرجح دي روش أن تقارير الإنزال الجوي في النجف مرتبطة أكثر بعمليات تستهدف الميليشيات العراقية الموالية لإيران، مثل "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق"، التي قد تتلقى أوامر لمهاجمة المصالح الأميركية في المنطقة.
أما في ما يتعلق بالأكراد، فيقول إن المسألة الكردية شديدة التعقيد بسبب الانقسامات الداخلية بين الأكراد أنفسهم، إضافة إلى الحساسية التركية الشديدة تجاه أي مشروع حكم ذاتي كردي، لذلك يستبعد أن تدعم واشنطن تقسيم إيران أو إقامة دولة كردية مستقلة تُقتطع من إيران.
واستبعد دي روش احتمال تنفيذ عملية برية أميركية واسعة داخل إيران، إذ يقول إن مثل هذه العملية تحتاج إلى أشهر طويلة من التحضير، مشيراً إلى أن حشد القوات في حرب الخليج عام 1991 استغرق ستة أشهر، كذلك فإن غزو إيران سيكون أكثر تعقيداً بكثير من غزو العراق بسبب حجم البلاد وطبيعتها الجغرافية.
انهيار تدريجي للقدرات الإيرانية
في تقييمه للقدرات العسكرية الإيرانية، يرى دي روش أن البرنامج الصاروخي الإيراني يتجه نحو نقطة انهيار، ففي اليوم الأول من العمليات أطلقت إيران نحو 179 صاروخاً، ثم انخفض العدد إلى 50 في اليوم الثاني، قبل أن يتراجع إلى نحو 24 في اليوم الثالث. ويفسر هذا التراجع بقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تعقب مواقع إطلاق الصواريخ بدقة. فالمراقبة الجوية المستمرة تسمح بتحديد مصدر الصواريخ، ثم استهداف الشاحنات والبنية التحتية المستخدمة في تجهيز منصات الإطلاق، ويقول إن هذا النوع من التآكل العسكري يحدث عادة بشكل تدريجي ثم ينهار فجأة، مضيفاً، "أعتقد أننا نقترب من تلك اللحظة في ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني".
في المقابل، تروج بعض التصريحات الإيرانية لفكرة أن طهران لم تستخدم بعد سوى "الأسلحة الرديئة"، وأن لديها صواريخ أكثر تطوراً لم تدخل المعركة حتى الآن. لكن دي روش يرفض هذه الرواية بشدة، معتبراً أنها محاولة لتبرير الأداء العسكري المتراجع، ويقول إن منطق الحرب يقوم أساساً على تحقيق عنصر الصدمة منذ البداية، لا على الاحتفاظ بالقدرات الأقوى إلى مراحل لاحقة.
ففي العمليات العسكرية، يسعى كل طرف عادة إلى توجيه ضربة قوية ومفاجئة في بداية الحرب لإرباك خصمه وشل قدراته. أما السماح للخصم بتلقي الضربة الأولى ثم إعادة تنظيم صفوفه والتكيف مع الهجوم، فهو سلوك يتعارض مع أبسط قواعد التخطيط العسكري، وأضاف بأن عنصر الصدمة هو أحد أهم أدوات الحرب الحديثة، وهو ما اعتمدته إسرائيل بوضوح في ضرباتها الأولى ضد إيران و"حزب الله"، مشيراً إلى أن التأخير في استخدام أي قدرات صاروخية متقدمة يحمل أخطاراً كبيرة، لأن منصات الإطلاق والبنية التحتية المرتبطة بها قد تُدمر قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام.
ويعتقد دي روش أن ميزان الكلفة بدأ يميل بوضوح لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، ففي بداية الحرب كانت إيران تطلق صواريخ تبلغ كلفة الواحد منها نحو 800 ألف دولار، فيما كانت أنظمة الدفاع الجوي تستخدم صواريخ تبلغ كلفة الواحد منها نحو أربعة ملايين دولار لاعتراضها. لكن بعد تدمير جزء كبير من الدفاعات الجوية الإيرانية، أصبحت الطائرات الأميركية والإسرائيلية قادرة على ضرب أهداف داخل إيران باستخدام قنابل موجهة لا تتجاوز كلفة الواحدة منها 25 إلى 30 ألف دولار، لكنها تحمل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات، ويعني ذلك أن أميركا انتقلت من حرب صواريخ مكلفة إلى مرحلة قصف جوي منخفض الكلفة وأكثر فاعلية.
أهداف ترمب ومصير النظام
وعلى رغم مرور خمسة أيام على اندلاع الحرب، ما زال الهدف النهائي للحملة العسكرية غير واضح، لأسباب منها وفق المسؤول السابق أن ترمب غالباً ما يميل للمبالغة والاستعراض، لكن سياسته الفعلية تميل إلى استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف محددة، من دون السعي إلى فرض تغيير للنظام.وبحسب تقديره، تركز استراتيجية ترمب على ثلاثة أهداف وهي تدمير البرنامج النووي الإيراني، وتقويض برنامج الصواريخ الباليستية، وإضعاف شبكة الوكلاء الإقليمية.
ولذلك يبقى مصير النظام الإيراني غامضاً، فبحسب دي روش، قد تركز واشنطن على تفكيك البنية الأمنية للنظام، بما في ذلك القيادات العليا للحرس الثوري، إضافة إلى تدمير البرامج النووية والصاروخية، وبعد تحقيق هذه الأهداف قال المسؤول السابق "أعتقد أن مقاربة ترمب ستكون ببساطة: لقد تلقيتم ضربة قاسية. لا تحاولوا ثانيةً. ثم تمضي الأمور، مع بقاء العقوبات المفروضة، وترك الإيرانيين ليحاولوا تغيير سلوكهم والانضمام إلى المجتمع الدولي بوصفهم عضواً مسؤولاً ومحل ثقة، وفق التعريف الأميركي لذلك".
لكن إسرائيل قد تتبنى مقاربة مختلفة، إذ ترى أن إيران تمثل تهديداً وجودياً لها، ولذلك قد تسعى إلى إبقائها ضعيفة عسكرياً لفترة طويلة، ويعتقد دي روش أن هذا الاختلاف قد يؤدي إلى تباين استراتيجي بين واشنطن وتل أبيب بعد انتهاء العمليات العسكرية، فالولايات المتحدة قد تكتفي بتدمير القدرات العسكرية الخطرة ثم الانسحاب، بينما ستسعى إسرائيل إلى ضمان ألا تعود إيران تهديداً مرة أخرى.