كوبا... جزيرة متمردة يسعى ترمب إلى السيطرة عليها

عيسى النهاري

أبريل 20, 2026 - 18:26
كوبا... جزيرة متمردة يسعى ترمب إلى السيطرة عليها
اارئيس ترمب والرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل (أ ف ب)​​​​​​​ً

طبق الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى سياسة الضغط الأقصى لإنهاك خصومه اقتصادياً، لكنه أظهر في ولايته الثانية جرأة أكبر في توظيف القوة العسكرية بالتوازي مع الضغط الاقتصادي. وبدلاً من الاكتفاء بالعقوبات التي أثبتت عجزها عن تغيير سلوك كثير من الأنظمة، لجأ ترمب إلى الحل العسكري لاستبدال رئيس فنزويلا وطي صفحة 20 عاماً من العداء مع نظامها اليساري.

بعد الدعم الأميركي لنائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز لخلافة نيكولاس مادورو، ترددت عبارات من قبيل "ديلسي إيران" للإشارة إلى نهج ترمب في تغيير سلوك الأنظمة المعادية عبر دعم أحد أركانها وتوظيف مزيج من الضغط الاقتصادي والعسكري، دون الاستغراق في حرب استنزاف أبدية.

لم تكن المقارنة بين فنزويلا وإيران بدعة المحللين بل عقدها الرئيس الأميركي نفسه ليشير إلى فعالية هذا النهج، إلا أن ما يعيب المقارنة أن عملية إيران ليست خاطفة مثل العملية الفنزويلية، إضافة إلى اختلاف هيكلة النظامين والبعدين الجغرافي والسياسي، فأميركا أقرب إلى فنزويلا، بالتالي فإن قدرتها على اختراق نظامها أكبر بكثير مقارنة بإيران، التي ظلت بمنأى عن الرادار الأميركي طوال 45 عاماً.

لكن "النموذج الفنزويلي" يبدو أكثر اتساقاً مع دولة أخرى تسعى الولايات المتحدة إلى تغيير سلوكها، وهي كوبا، التي لا تبعد سوى 145 كيلومتراً من فلوريدا، حيث يقضي ترمب معظم إجازاته الأسبوعية.

بعد 64 عاماً من العقوبات الأميركية، تحولت كوباإلى جزيرة خارج الزمن، حتى إن خلافها مع واشنطن لا يزال جزءاً من إرث الحرب الباردة بسبب طابعه الأيديولوجي. وإذا ما نظرنا إلى البعد الشخصي في عمليتي فنزويلا وإيران، اللتين اعتبرهما ترمب تجسيداً لعزيمته في حل المشكلات لا إدارتها، فإن كوبا مؤهلة أكثر من غيرها لتنضم إلى القائمة، بل إن ترمب بعد أشهر من تشديد الضغط الاقتصادي أثار التكهنات حول تدخل عسكري بقوله إن كوبا سترى "فجراً جديداً".

كوبا... المحطة التالية؟

أبدى الرئيس الأميركي رغبة واضحة بتغيير سلوك النظام اليساري في كوبا وفصلها عن روسيا والصين، لكن المكاسب الاقتصادية من أي خطوة عسكرية شبه منعدمة. فبخلاف فنزويلا، لا تملك كوبا احتياطات نفطية ضخمة ولا ثروات معدنية غير مستغلة، أما الصناعة الوحيدة التي كانت تمثل رافعة اقتصادها فهي صناعة السكر التي انهارت بعد الثورة. أما على الصعيد الأمني، فيرى مدير برنامج أميركا اللاتينية في معهد "تشاتام هاوس" كريستوفر ساباتيني أن كوبا لا تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأميركي، على رغم علاقتها الوثيقة مع قوتين عظميين معاديتين للولايات المتحدة.

شدد ترمب الضغوط الاقتصادية على هافانا منذ أشهر وأطلق تصريحات لا يمكن تفسيرها سوى بمسعى واضح إلى تغيير نظامها أو سلوكه، فالشهر الماضي قال إنه "سيحظى بشرف الاستيلاء على كوبا"، وأضاف "سواء حررتها أو استوليت عليها، أعتقد أن بإمكاني أن أفعل أي شيء أريده بها". ويمكن فهم هذا المسعى في ضوء انتقادات ترمب لنهج أسلافه في تبني أنصاف الحلول، وصورته الذاتية التي يسعى جاهداً لتكريسها بأنه رئيس لا يدير المشكلات المستعصية، بل يحلها حتى لا تتعامل معها "الأجيال المقبلة". وهذا الخطاب تجلى في استعراضه للعمليات العسكرية في فنزويلا وإيران كدلالة على "العزم المطلق" لإنهاء عقود من العداء، بالتالي فإن ترمب يملك دوافع شخصية وسياسية كبيرة للتدخل في كوبا التي فشل 13 رئيساً أميركياً في إدخالها إلى المدار الأميركي.

تجسدت مساعي ترمب لإنهاء "المشكلة الكوبية" في ضغط اقتصادي خانق على الجزيرة، فالشريانان الأساسيان اللذان كانت كوبا تعتمد عليهما لاستيراد النفط، هما فنزويلا والمكسيك، وقد توقفا بضغوط أميركية، مما شل البلاد بالكامل وسط اعتمادها الكلي على النفط، فحتى العاصمة التي كانت في وضع أفضل أصبحت اليوم تشهد انقطاعات كهربائية مستمرة، وفاقمت حملة الضغط الاقتصادي الأزمة الغذائية والصحية. وفيما يحوم شبح الحرب، أصبح قطاع السياحة الذي كان يدر مليارات الدولارات شبه متوقف، على وقع التهديدات الأميركية ونتيجة لانقطاعات الكهرباء، ونقص وقود الطيران.

زيارة أميركية نادرة

لكن الإدارة الأميركية بدأت منذ مارس (أذار) الماضي تخفيف الضغوط في ما يبدو تمهيداً لاتصالات دبلوماسية، إذ سمحت واشنطن لناقلة روسية بتسليم نحو 730 ألف برميل من النفط الخام إلى كوبا "لأسباب إنسانية"، وفق ما صرحت به المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت. وفي هذا السياق، أجرى وفد أميركي رفيع المستوى من وزارة الخارجية زيارة سرية إلى كوبا أواخر الأسبوع الماضي، وهذه المرة الأولى التي تهبط فيها طائرة حكومية أميركية في كوبا منذ زيارة باراك أوباما خلال مارس 2016. وكشفت "نيويورك تايمز" أمس السبت عن أن الوفد الأميركي أبلغ القيادة الكوبية بأن أمامها نافذة زمنية ضيقة لتنفيذ مطالب ترمب السياسية والاقتصادية.

وعلى غرار "النموذج الفنزويلي" في تغيير سلوك النظام دون تفكيكه بالكامل، تفاوض الوفد الأميركي مع بعض أركان النظام غير الرسميين وأجرى اجتماعاً منفصلاً مع راؤول رودريغيز كاسترو، الذي يطرح اسمه كبديل للرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل.

رودريغيز كاسترو هو حفيد الرئيس السابق راؤول كاسترو، الذي خلف شقيقه فيدل قبل أن يتنحى خلال عام 2018، ولا يزال يتمتع بنفوذ كبير. وبحسب التقارير، أجرى رودريغيز كاسترو محادثات مع مسؤولي إدارة ترمب للتفاوض في شأن انتقال سياسي واقتصادي في كوبا.

ولمح ترمب يوم الجمعة إلى أن كوبا قد تكون "التالية" في قائمته بعد فنزويلا وإيران، مشيراً إلى أنه حريص على تحويل تركيزه من الحرب في إيران إلى كوبا. ودعا الرئيس الجميع إلى "مراقبة ما سيحدث"، قائلاً إن واشنطن "ستساعد" الشعب الكوبي وإن بلادهم سترى "فجراً جديداً". ولم يوضح ترمب ما إذا كان يخطط لعملية عسكرية، لكن كوبا باتت تتأهب لكل الاحتمالات، إذ دعا الرئيس الكوبي دياز كانيل أنصاره هذا الأسبوع إلى الاستعداد لتهديدات خطرة بما في ذلك الحرب، قائلاً "من واجبنا الاستعداد لمنع أي عدوان عسكري".

المطالب الأميركية

تطالب الولايات المتحدة بتغييرات سياسية واقتصادية جذرية، بما في ذلك آليات لتعويض المواطنين والشركات الأميركية التي صودرت أصولها وممتلكاتها خلال ستينيات القرن الماضي، والإفراج عن السجناء السياسيين. وكانت الحكومة الكوبية أعلنت في وقت سابق من الشهر الجاري عزمها العفو عن أكثر من ألفي سجين، ضمن واحدة من أكبر عمليات الإفراج منذ أعوام، لكن لم يتضح عدد من سجنوا منهم بسبب آرائهم السياسية.

وتتصدر المخاوف الأميركية في شأن وجود جماعات استخباراتية وعسكرية أجنبية تعمل في كوبا بموافقة الحكومة قائمة الملفات العالقة، على رغم نفي كل من روسيا والصين وكوبا وجود قواعد تجسس أجنبية على الجزيرة. ولا ترقى مطالب الوفد الأميركي إلى مستوى تغيير النظام، الذي يدعو إليه بعض المشرعين من أصول كوبية وعدد من الكوبيين داخل البلاد وخارجها، ولا تستوفي الشروط القانونية لرفع الحظر التجاري الأميركي المفروض منذ عقود، مثل تقنين الأحزاب المعارضة وإنشاء قضاء مستقل وإجراء انتخابات حرة.

وأكد الوفد الأميركي في زيارته النادرة انفتاح ترمب على حل دبلوماسي للأزمة، لكنه أشار إلى أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع رفض مطالبها، وفق ما نقلته "نيويورك تايمز" عن مسؤول في وزارة الخارجية. واقترح الوفد إدخال خدمة الإنترنت الفضائي "ستارلينك" إلى كوبا وتوفير اتصال مجاني، وحث الحكومة الكوبية على إجراء إصلاحات اقتصادية لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتنمية القطاع الخاص، والتحول إلى اقتصاد قائم على السوق.

ولمح المسؤول في وزارة الخارجية المعني بشؤون نصف الكرة الغربي مايكل كوزاك إلى إمكانية الاتفاق مع النظام الكوبي دون إسقاطه، وقال خلال جلسة استماع في الكونغرس "نحن منخرطون مع النظام" لدفعه إلى إجراء الإصلاحات الجذرية، سياسياً واجتماعياً.

لكن عقد صفقة مع النظام الكوبي لن تكون بسهولة الصفقة الفنزويلية مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، إذ إن الحظر الأميركي المفروض على كوبا جرى تقنينه في قانون الديمقراطية الكوبية عام 1992، ومن ثم قانون الحرية والتضامن الديمقراطي الكوبي عام 1996، إذ تفرض هذه القوانين قيوداً على ما يمكن للرئيس الأميركي تقديمه من تنازلات، وقد يتأثر قرار ترمب برأي الجالية الكوبية الأميركية ذات النفوذ السياسي وغالبيتها من الجمهوريين، التي تريد إسقاط النظام الشيوعي وتأمين انتقال ديمقراطي، لا مجرد تغيير واجهة النظام.