ديمقراطية التوافق والتوافق الديمقراطي في العراق الجديد
في العراق، لم تعد الديمقراطية نظام حكم، بل تحوّلت إلى مسرح مفتوح، تُعرض فيه مسرحيات طويلة بلا نهاية، عنوانها: "التوافق أولاً… والشعب لاحقاً إن تيسّر الوقت". انتخابات تُجرى بانتظام مثير للإعجاب، لا لتغيير الواقع، بل لتجديد الديكور فقط؛ صناديق اقتراع تُفتح، وأصوات تُعد، ونتائج تُعلن، ثم يُعاد كل شيء إلى “غرفة التوافق” حيث تُقرَّر الحقيقة الوحيدة: من يتقاسم ماذا.
الانتخابات في هذا السياق ليست ممارسة ديمقراطية بقدر ما هي موسم صرفٍ مالي ضخم. مليارات تُنفق على حملات، ولافتات، وحمايات، ومفوضيات، بينما الخدمات الأساسية—الكهرباء، الماء، الصحة—تبقى في خانة الوعود المؤجلة. وكأن الدولة قررت أن الديمقراطية أهم من الحياة نفسها، أو لعلها قررت أن "شكل الديمقراطية" يكفي لتعويض غياب مضمونها.
أما "التوافق"، هذا الاختراع السياسي الفريد، فقد نجح في إعادة تعريف الديمقراطية: لم تعد حكم الأغلبية ولا حتى حماية الأقلية، بل أصبحت فن توزيع المناصب على أساس "إرضاء الجميع إلا المواطن". التوافق لا يُكمل الديمقراطية، بل يفرغها من معناها، يحوّلها إلى لعبة حسابية: كم وزارة لك؟ كم هيئة لي؟ ومن يسيطر على هذا المورد أو ذاك؟ هكذا تُدار الدولة، لا بوصفها مؤسسة، بل بوصفها غنيمة مؤجلة منذ أول جلسة للبرلمان.
وفي ظل هذه المعادلة، يصبح المحافظ صاحب "طابو سياسي"، كرسيه مُسجّل باسمه بعدد الأصوات، وكأن الانتخابات صكّ ملكية لا عقد خدمة عامة. المسؤول لا يُحاسب لأنه فشل، بل يُعاد تدويره لأنه "يمثل استحقاقاً انتخابياً". وهنا تتحول الديمقراطية من وسيلة للمساءلة إلى آلية لإدامة السلطة.
الأكثر سخرية أن الدولة التي تعجز عن توفير أبسط الخدمات، تنجح بامتياز في توسيع أجهزتها الأمنية والعسكرية. ميزانيات هائلة تُخصص، لا لبناء جيش وطني فحسب، بل لتشكيل أفواج وألوية مهمتها الأساسية حماية المسؤولين. كأن الخطر الحقيقي لم يعد خارج الحدود، بل داخلها… من المواطن نفسه. دولة تخاف من شعبها إلى هذا الحد، كيف يمكن أن تقنعه بأنها تمثّله؟
ثم نصل إلى "قمة الهرم الرمزي": رئاسة الجمهورية، التي تحوّلت في الوعي الشعبي إلى مادة يومية للنكات على مواقع التواصل الاجتماعي. ليس لأن المنصب بلا أهمية دستورية، بل لأن طريقة اختياره وتداوله جعلته يبدو وكأنه جزء من مسرحية التوافق الكبرى. رئيس يُنتخب بعد صراعات طويلة، ليكون غالباً نتيجة تسوية، لا نتيجة رؤية وطنية واضحة.
والبرلمان؟ مؤسسة يفترض أنها تمارس الرقابة، لكنها كثيراً ما تجد نفسها تراقب "حكومة تصريف أعمال"، عاجزة عن إنتاج حكومة كاملة الصلاحيات. أما اختيار رئيس الوزراء، فليس مسألة دستورية بحتة، بل رحلة طويلة تمر عبر "فلتر التوافق" قبل أن تصل إلى قبة البرلمان. الفلتر هنا ليس إجراءً تنظيمياً، بل آلية تعطيل مُقنّعة.
ولو عدنا إلى أنظمة ما قبل الميلاد—نعم، قبل الإسلام وقبل الدولة الحديثة—لوجدنا مفارقة لافتة. في كثير من الحضارات القديمة، كان النبلاء أو الطبقات الحاكمة يعيّنون الوزراء والضباط وفق اعتبارات الكفاءة أو الولاء المباشر للسلطة المركزية. لم تكن تلك الأنظمة ديمقراطية، لكنها على الأقل لم تدّعِ ذلك. أما اليوم، فنحن أمام نظام يرفع شعار الديمقراطية، ويمارس في جوهره تقاليد تقاسم السلطة على أسس ما قبل الدولة.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يقف "الخبير المتقاعد"—أو لنقل "النجم التلفزيوني الموسمي"—الذي حصل على راتب تقاعدي مريح من أي جهة حكومية أو فدرالية، ليعود عبر الشاشات متحدثاً عن الإصلاح، والحقوق، والديمقراطية. يتحدث بحماسة عن ضرورة التغيير، بينما حياته نفسها دليل على استقرار امتيازاته. نقده يبدو أحياناً أقرب إلى أداء تمثيلي منه إلى موقف مبدئي.
هكذا، تتكامل الصورة: انتخابات مكلفة، توافق معطّل، ثروات منهوبة، خدمات متدهورة، مؤسسات متضخمة أمنياً، ونخب سياسية تتقن فن البقاء. أما المواطن، فيبقى المتفرج الدائم، يُطلب منه أن يصفّق كل أربع سنوات، ثم يعود إلى حياته اليومية، حيث الديمقراطية لا تصل.
في النهاية، ليست المشكلة في فكرة الديمقراطية، بل في الطريقة التي أُعيدت صياغتها بها. حين تتحول إلى أداة للمحاصصة، وغطاء للفساد، ومبرر للعجز، فإنها تفقد روحها وتبقى قشرة فارغة. وربما السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: "من سيفوز في الانتخابات القادمة؟" بل: "هل ما زلنا نتحدث عن ديمقراطية فعلاً، أم عن شيء آخر يحمل الاسم نفسه فقط؟"